الأحد، 23 ديسمبر 2012

منامات الوهراني


فلسفة النقد والسخرية
في كتابات أبي محرز الوهراني

                                                                    أ. د. عبد القادر بوعرفة*
* المولج
         أبو عبد الله الوهراني [..../575 هج_ ..../1179م ]، هو محمد بن محرز بن محمد الوهراني،المكني بركن الدّين ،ولد ونشأ بوهران، بها حصّل أولى علومه،وبرع خاصة في الأدب، واشتهر بالفكاهة والسُّخرية .
      لم يستقر بوهران إذ رحل إلى المشرق قاصدا دمشق، ومر أثناء رحلته بجزيرة صقلية، واستقر  بدمشق وتولى الخطابة بأحد مساجد قُراها.
    رحل إلى القاهرة ولم يجد ما كان يصبو إليه، فعاد إلى دمشق ليستقر بها نهائيا، قال عنه الذّهبي:" صاحب دُعابة ومزاج".أما الصفدي فقال عنه :"ما سلم من شر لسانه أحد ممن عاصره".[1]
           وقد وصف قي التراجم على النحو التالي:  أخبار ركن الدين الوهراني قليلة وغريبة،  مع أن أحواله في الكتابة عجيبة، ومدى الخيال في رسائله عريض فسيح، وباعه في النقد والسخرية والتجريح والصراحة طويل؛ فلم يكن يخشى انتقام وزير أو سطوة أمير، يمزج في كتابته بين أسلوب الرسائل في الديباجة ومراعاة الألقاب، على سبيل السخرية والتهكم، وأسلوب الخطابة في الجدل والاحتجاج بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية والشعر والأمثال، في سياقات مناسبة كثيرا ما يختلط فيها المدنس بالمقدس، وبأسلوب المقامة في ربط الأحداث بعنصر المكان، دون التقيد بباقي عناصر كتابة المقامة المعروفة، وبأسلوب كتابة الرحلة التي كانت دائما توحي للوهراني بمشاعر الغربة والوحشة والتبرم من الناس، وخاصة بعد إخفاقه الذريع في رحلته إلى بلاد المشرق، وكساد بضاعته الأدبية هناك عندما قامت دولة الكتابة الفاضلية التي لم يكن يشق لها غبار.
     وعندما تجرع مرارة الخيبة تحول عن الجد إلى الهزل، وجنح في كتابته إلى السخرية من الزمن و أهله وأمكنته، وإلى التصوير الكاريكاتوري الفاضح للعورات النفسية والجسمية والعقلية لكثير من شخوصه الذين سلط عليهم جام غضبه، ولم يتورع عن ذلك حتى عند مخطابته لكبار زعماء عصره، كنور الدين محمود الشهيد الأتابكي، وخلفه صلاح الدين الأيوبي، رغم ما عرف عنهما من سداد وصلاح، ثم بقية وزرائهما وأعوانهما الكبار من قبيل القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني والعماد الكاتب الأصبهاني، فما بالك بمن هم دون ذلك، أو من هم على شاكلته من الكتاب والفقهاء والعلماء والأدباء العاديين الذين كان يحلو له دائما أن يلهو بهم ويعبث بسيرتهم.
فكل واحد من رجالات عصره الذين عرفهم، عن بعد أو عن قرب، قد أصابه ما أصابه من لسان الوهراني الساخر، تارة بالتصريح، وتارة بالرمز والتلميح، حتى صار أسلوبه معروفا لدى القاصي والداني، كما يدل على ذلك كلام ابن خلكان في هذه السطور القليلة التي خصصها له، عندما أفرد له ترجمة  في كتابه ( وفيات الأعيان )، وقد أثنى فيها ثناء كبيرا على أدبه الغزير الذي يشمل رسائل ومقامات ومنامات.
 والمنامات فن شبيه بالمقامة والرسالة، نهج فيها نهج المعري في رسالة الغفران، في افتعال الأحداث الأخروية عند الحشر، وقد تميز الوهراني بها عمن سواه من الكتاب، وخاصة منامه الكبير، قال عنه: "   أبو عبد الله محمد بن محرز بن محمد الوهراني الملقب ركن الدين، وقيل جمال الدين؛ أحد الفضلاء الظرفاء، قدم من بلاده إلى الديار المصرية في أيام السلطان صلاح الدين، رحمه الله تعالى، وفنُّه الذي يمت به صناعة الإنشاء، فلما دخل البلاد ورأى بها القاضي الفاضل وعماد الدين الأصبهاني الكاتب وتلك الحلبة علم من نفسه أنه ليس من طبقتهم ولا تنفق سلعته مع وجودهم، فعدل عن طريق الجد وسلك طريق الهزل، وعمل المنامات والرسائل المشهورة به والمنسوبة إليه، وهي كثيرة الوجود بأيدي الناس، وفيها دلالة على خفة روحه ورقة حاشيته وكمال ظرفه، ولو لم يكن له فيها إلا المنام الكبير لكفاه، فإنه أتى فيه بكل حلاوته، ولولا طوله لذكرته، ثم إن الوهراني المذكور تنقل في البلاد وأقام بدمشق زمانا، وتولى الخطابة بداريا، وهي قرية على باب دمشق في الغوطة."
     و توفي بدمشق سنة  575 هج/1179م.[2]  بداريا، رحمه الله تعالى، ودفن على باب تربة الشيخ أبي سليمان الداراني.      
لم يترك أثارا سوى  ما يلي:
1ـ جليس كل ظريف.
2 ـ المنامات.
           وهي مجموعة من المقامات على شاكلة ما أبدعه بديع الزَّمان الهمذّاني والحريري، تناول فيها موضوعات اجتماعية في قالب ساخر غلب عليه أسلوب الفكاهة والتندُر. وقد اخترنا منه نصين.
1-    نقد التصوف
      يعد الوهراني من أكبر المناهضين للطرق الصوفية، فنقده ينصب على سلوكهم العملي المفتقد لشريعة المنطق العملي ذاته، فلقد صورهم قوم لا هم له في الدنيا ولا عزم، لبسوا أنكر اللباس واعتزلوا الناس، وأهملوا العمل وخدمة العباد. ولكي يُبين تهافت فكرهم وتفاهة زعمهم، تصور مناما استحضر فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي راعه منظرهم وأفزعه عمله :   
"..فلما انتهى -الحديث عن النبي محمد في القيامة – إلى الشاطئ المشرعة وقف عندها، فتقدمت إليه الصوفية من كل مكان وعلى أيديهم الأمشاط وأخلة الأسنان وقدموها بين يديه .
فقال –صلى الله عليه وسلم - : من هؤلاء القوم ؟ فقيل له : هؤلاء قوم من أمتك غلب العجز والكسل على طباعهم فتركوا المعايش وانقطعوا إلى المساجد يأكلون وينامون ..فقال(ص) : فبماذا كانوا ينفعون الناس ويعينون بني آدم ؟. فقيل له : والله ولا بشيء البتة ولا كانوا إلى كمثل شجر الخروع في البستان يشرب الماء ويضيق المكان فساق ولم يلتفت إليهم ."[3]
  ونقده للمتصوفة يكمن في النقاط التالية:
أ‌-       بله العقل.
ب‌-  سفه الخيال.
ت‌- قبح اللباس.
ث‌-  اللحى الطويلة.
ج‌-   السبح المرقومة.
ح‌-   التوكل المذموم.
خ‌-   التطفل على العباد في المشرب والغذاء.
د‌-     المكوث بالمساجد والكسل والدّعة

2-   نقد الشعر والشعراء
 كان أفلاطون أول من أزدرى الشعر والشعراء، وتوعدهم بالطرد من مدينته الفاضلة، لكونهم يفسدون جوهر الرجل الفاضل بأكاذيبهم وقولهم السحري ، فهم أكثر النوابت في المدينة شرا لسرعتهم في نشر الرذيلة وتفشي المصائب واللذات والشهوات. والقرآن الكريم ذاته ذم الشعراء لهيامهم في الوديان وقولهم البهتان ، وانغماسهم في الفخر الكاذب والمدح السافل. ومن خلال ما سبق حاول الوهراني أن يستثمر المنام التالي لفضح كذب الشعراء وتفنيد فخرهم، فهم يدعون ما لا يملكون ويقولون ما لا يفعلون، والمنام بلغته الساخرة صور المشهد تصويرا رائعا، بحيث تكتشف تفاهة القول وسفاهة الفعل :
                                         مفاخر الشعراء( قصيدة تاج الدين الكندي)
          "..أما قوله :
          سبقت إلى غايات كل فضيلة
                                                تعز على طلابها العُرب والعُجما
فهذا البيت المصيبة العظمى والطامة الكبرى، وليس ينبغي أن يجاوب إلى بجواب الفتى الأمي لعدي بن الرقاع وهو أن يحضره بعض السلاطين ويقول له : أنت قلت : سبقت إلى غايات كل فضيلة ؟
فيقول له : نعم .فيرمي إليه قوسا ويقول له جر هذا القوس . فيقول: ما أقدر .فيقول السلطان اصفعوه فيصفع. ثم يقدم له فرسا ورمحا ودرعا ، ويقول له قاتل هذا الغلام بهذا السلاح ، فيقول : ما أقدر ولا أحسن . فيصفع ، فيقول له : حل لنا شكلا من إقليدس . فيقول : لا أعلم ، فيصفع ، فيقول له مسألة من المجستي ؟ فيقول : لا أعلم ، فيصفع .فيقول له : حل لنا كوكب من زيج البتاني ، فيقول ما أعلم ، فيصفع .
فيقول له : مسألة من النجوم ؟ فيقول لا أعلم ، فيصفع. فيقول : مسألة من الحساب ؟ فيقول لا أعلم ، فيصفع .
فيقول له : مسألة من الفرائض ؟ فيقول لا أعلم ، فيصفع . فيقول له يا ابن عشرة آلاف قحبة فأي شيء تعلم حتى تقول :
سبقت إلى غايات
فما منصف ممن ترقت به العلا * يرى أنه من أخمص فوقه وصما
          وهذا البيت والله من الشعر النحس الذي لو بقى في بطنه لأخذه القولج ، زائدا على ما فيه من التدقنصرم ( لفظة عامية غير معروفة) و الرعونة المعجونة بالتبضرم ( لفظة عامية غير معروفة) والقحة والاستخفاف بلحية الممدوح" [4]

3-   نقد الولاة والملوك
لم يسلم أحد من لسان الوهراني، لا ملك معظم ولا وزير مفخم ، ولا قاض محترم، فالفساد عم البلاد ولا يستثنى الأسياد ولا الأوغاد، فالمنام الكبير احتوى على حوار بين المساجد ، فانتقل الخيال من حوار الحيوانات مع ابن المقفع إلى حوار المساجد والصوامع، وتلك قفزة هامة في الأدب والفن الإسلامي. إن حوار المساجد يحمل معارضة سياسية ساخرة، فكل الساسة سواء بدءا من مولانا السلطان انتهاء بابن عصرون المدير.   
   أسند بطولة حوار المساجد إلى جامع (جلق) وهو جامع بني أمية الكبير في دمشق، وتحت سلطته تنضوي بقية مساجد دمشق ومشاهدها وأضرحتها. وقد مسه الصدع والزلال، وهدت أركانه الرطوبة والأوساخ، وانعكفت مآذنه ذلا وخنوعا، فلم تجد المساجد بد من رفع الظلم والشكاية لسلطان المسلمين قاهر الصليبين، وسيد الأيوبيين.
     اجتمعت المساجد بطريقة رمزية أمام مسجدها الكبير، وهو لها ملك كبير، للمشاورة والمحاورة، وليدلي كل طرف بشهادته، وبطريقة تناوبية وتراتبية، على سوء أحواله وضياع حقوقه، ثم بعد ذلك تتوحد كلمة المسجد الجامع مع من تحته من الأضرحة والمشاهد في خطاب واحد شاهد على لسان حالها، ثم يرسل إلى القيم على شؤونها، وهو سعد بن أبي عصرون، لعله ينظر في أمرها ويصلح ما اختل من بنائها.
      لكن الفاسق ابن عصرون تجاهل أمرها ، وأهمل شكواها ، وأبى أن يرفعها إلى الملك العادل نور الدين محمود الأتابكي. عندئذ حاولت المساجد أن تراسل الملك الذي استطاعت أن تصل إليه بعد جهد جهيد، وكد وكيد.  وأتي الفرج أخيرا على يد الملك العادل حيث يرفع عنها ما كان قد حل بها من إهمال ونهب لحقوقها وأوقافها، وليعزل ابن عصرون. وابن عصرون في عصرنا يُمثله كل مدار الشؤون الدينية الكرام، والقياس على الماضي حكمة الأحكام.
      إن الوهراني كتب منامه الشهير، بعد أن راعه ما وصلت إليه بيوت الله من التلف والنكران، فقد ساءه حاله كما ساءه حالها، وكانت غربته جزء من غربتها عندما آل أمرها هي الأخرى إلى الإهمال والضياع. إنه مظهر من مظاهر توحد الفقيه العربي عامة والجزائري  خاصة، فلقد هجر وهران بعدما تجرع ألم النكران، فوجد في المساجد خير جليس وفي محنتها خير أنيس. كما أن المساجد والأضرحة كانت ولازالت ملاذ المنبوذين والمثقفين والمهمشين.
     نص الرسالة:[5]
      " قال بعض العارفين بطريق الانتحال على لسان الحال:  لما تحكمت يد الضَّياع في مساجد الضِّياع، وأُرْتِج باب العدل وغُلق، ونُبذ الكتاب وخُلق، فزعت المساجد إلى جامع (جِلَّق)، وهو يومئذ أميره، وعليه مدار أمرها.
   فلما اجتمعوا على بابه، ودخلوا تحت قبته ومحرابه، كتب له جامع ( النَّيرب ) قصة إليه، وسألوا عرضها عليه، وكانت الرقعة مسطورة على هذه الصورة:
المماليك ـ مساجد الكورة ـ يقبلون الأرض بين يدي الملك المعظم، البديع الرفيع المكرم، كهف الدين، جمال الإسلام والمسلمين، مدفن الأنبياء والمرسلين، ملجأ الفقراء والمساكين، مأوى الغرباء والمقلين، بيت الأتقياء والصالحين، معبد الملبين، صاحب الدواوين، بِنية أمير المؤمنين.أيد الله أنصاره، وأعلى مناره، وعمر بالتوحيد أقطاره، وينهون إلى مجلسه السامي ما يقاسونه من جور العمال، وتضييع الأعمال، ونهب الوقوف، وخراب الحيطان والسقوف، قد لفهم الظلم والظلام، وأنكرهم المؤذن والإمام، فلا تسمح لهم حسيسا، ولا ترى فيهم أنيسا، إلا آذان البوم، وتسبيح الغيوم، وقد ركعت حيطانها، وسجدت سقوفها وأركانها، وانصرفت من الصلاة أربابها، وسكانها تنوح عليهم الأجراس والنواقيس، وترثي لهم البيع والنواويس:
يرثي له الشامتُ مما به
            ياويح من يرثي له الشامت
    وقد فزعنا أيها الملك إلى بابك، وأوينا إلى جنابك، فافعل معنا ما هو أولى بك، ورأيك العالي والسلام.[6]
فلما وقف الملك على هذه الشكاية، وعلم بمقتضى هذه الحكاية، استوى جالسا من مقعده، وضرب بيده، وقال: كيف وأنى أم للإنسان ما تمنى، ثم رفع صوته وغنى:
  وما شرب العشاقُ إلا بقيتي   
             ولا ورَدوا في الحب إلا على ِورْدِي
ثم اشرف الملك من إيوانه بين جنده وأعوانه، فاستقبلنه بالسلام والتحية والإكرام، وأقبل وهو يقلب طرفه في الجموع، ويكفكف أسراب الدموع، لما يرى من اختلالهم، وفساد أحوالهم، ثم رد عليهم السلام، وأذن لهم في الكلام.[7]
فابتدأ جامع ( المُزة) المقال، وتقدم بين يدي الملك وقال:
      الحمد لله الذي قضى علينا بالخراب، وصير أموالنا كالسراب، وجعلنا مأوى البوم والغراب، أحمده حمد من كان فقيرا ثم استغنى، وأدرك بمال الوقوف ما تمنى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده المكين، ورسوله الصادق الأمين، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الأكرمين، أما بعد:
     أيها الملك السعيد، ثبت الله قواعد أركانك، وشيد ما وهي من بنيانك، فإن الخراب قد استولى على المساجد، حتى خلت من الركع والساجد، فأصبحت مساجد (الغوطة) غيطان لا سقوف لها ولا حيطان، وجوامع (حوران) مخازن وأفران، ومشاهد(البقاع) صعصعا كالقاع، فكم بِنْيَةٍ لعب الجور بأثوابها، فنسج العنكبوت على بابها، وكم بيوت لله غلقت دون أصحابها، فعشعش الحمام في محرابها ( فمن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها).
وقد دخل أيها الملك على الوقوف، بحجة العمارة والسقوف، فاختلفت فينا الأهواء، واتفقت علينا الأنواء، فلا يزال المسجد ينهار، وتأخذه السيول والتيار والأنهار حتى يمتحى رسمه، ولا يبقى منه إلا اسمه، وأنت أيها الملك عمادنا، وإليك بعد الله معادنا، فاكشف عن حالنا، وانظر في صلاح أحوالنا، يصلح الله أحوالك، ويسدد أقوالك، والسلام.
   فقال الملك: قد سمعنا كلام المساجد، فما بال المشاهد؟!! 
   فبرز مشهد (برزة) متوكئا على مشهد (الأرزة)، وهو يصلصل ويصول، ويلطم وجهه ويقول:[8]
كلما حاولت أشكو قصتـي
               لا ألقى غير ذي قلب جريح
    يتشكى مثل شكوى مِحنتي
              يالَقومي ما عليها مُستريــح
   أما بعد، أيها الملك السعيد، أدام الله جمالك، وبلغك في عدوك آمالك، فإن مقام (إبراهيم) أصبح في كل واد يهيم، ومغارة (الدم) لا تستفيق من الذم، ومشهد (الكهف) لا يفتر من اللهف، ومشهد (هابيل) قد رمي بطير أبابيل، ومشهد (شيث) قد استأصله الخبيث، ومشهد (نوح) نبكي عليه وننوح، وقبر(حلة) ما لنا فيه حلة، وقبر (إلياس) قد وقع منه اليأس، فلحقت المشاهد بأربابها، وأمست رميما كأصحابها، قد محتها الغوادي، وحدا بها الحادي:
جرت الرياح على محل ديارهم  
               فكأنهم كانوا على ميعــــــاد
فتنحنح الملك عجبا، وحرك رأسه طربا، وقال:
  رب طارق على غير وعد
             وفي كل واد بنو سعــــــــــد
ثم استفتح المقال بأن قال:
  الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، نصب العدل وسواه، وأمده بعونه وقواه، ( فمن أضل ممن اتبع هواه )، فأهواه بسلبه وأضله على علم، وختم على سمعه وقلبه، أحمده على ما رزقني من الاحتمال، وأشكره على ذهاب العرض والجاه والمال، وأشهد أن محمدا عبده المختار، ورسوله الصادق البار، صلى الله عليه وعلى آله الأبرار، أما بعد:
يامعشر المتكلمين، وطائفة المساجد المتظلمين، إنه والله لا ينتهي إليكم من الجور إلا ما يَفضُل عني، ولا يصل إليكم إلا ما يُستعار مني، فلولا أن أركاني سليمة، وبِنْيَتي قديمة، لأصبح جامع بني أمية يُغنى عليه: (يادار مية)، وقد والله شَِرقت بغُصتكم، وحِرت في قصتكم، إن رفعت أمركم إلى الملك العادل، ردكم إلى الشيخ الفاضل، فلا يراعي لكم حرمة، ولا يكشف لكم غمة، ولا يرقب فيكم إلا ولا ذمة.
     شكوى الجريح إلى الغربان والرخم. والرأي عندي أن تكتبوا إلى هذا الشيخ قصة، ولا تتركوا في صدوركم غصة، وأن في الكتاب أنواعا من العتاب، فإن التأم رأيه برأيكم وإلا فالسلطان من ورائكم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.[9]
      فنادوا بالغلام، فأتى بالدواة والأقلام، فقال: استعذ بالله من الشيطان الرجيم، واكتب:
      بسم الله الرحمان الرحيم، من ملك الجوامع ب (جيرون) إلى سعد بن أبي عصرون: 
لقد أسمعت لو ناديت حيا
               ولكن لا حياة لمن تنـــــادي
         أما بعد:
       ياغدار، لقد هيجت الألم، وأبهمت الظلم، ومن استرعى الذئب فقد ظلم، طالما تغافلنا على خيانتك، وتغاضينا عن جنايتك، حتى اكتنزت الأموال واختزلتها، وجمعت الذخائر واعتزلتها. من أجل هذا كانت سِياحتك، ولأجله طالت نياحتك، وبسببه كنت تسيح وتصيح، حتى غبطك المسيح، لقد عجبت أيها الشيخ من مُحالك في ابتداء حالك، ومن فساد دينك وضعف يقينك، صليت بالمسوح والقيد حتى ظفرت بأنواع الصيد، وتقلدت بالقرون والعظام حتى تقلدت الأمور العظام أن كنت في هذا العمل إلا كما قيل في المثل:
صلى وصام لأمر كان يأمله
               حتى حواه فما صلى ولا صاما
وعرِّفني أيها الشيح المفتون، والبائع المغبون: لم بعت الآخرة بالدانية، والباقية بالفانية؟! إن فعلت هذا إلا لِعلة أو لتحقيق مِلة، إما أن تكون قد استطبت (السكباج)، واستلنت الديباج، وإما أن نصدق أهل الأحقاد في أنك نُصيري الاعتقاد، لا تقول بالنُّجعة، ولا تصدق بالرِّجعة، وكلاهما أنت فيه ملوم ومُعاقب ومذموم، وحسبك، وقد بلغني عنك ما أنت عليه من قلة الوفاء لهؤلاء الضعفاء، فاحسم عني أدواءهم، ولا تمكِّن منهم أعداءهم والسلام.[10]
      فلما وصل الكتاب إليه، وقرأ ما انطوى عليه فكر وقدر فقُتل كيف قدر، ثم نظر، ثم عبس، ثم أدبر واستكبر، ثم لعن المساجد وبانيها، وشتم المشاهد وقانيها، ثم قلب الرقعة وكتب فيها:
     بسم الله الرحمان الرحيم، وصلت رقعتك ـ أصلحك الله ـ كأنها ضربة موتور، أو نفثة مَصْدور، وتخلط فيها الهَزل بالجِد، وتبدي غيظ الأسير على القيد، وأيْمُ الله لقد قَرَفت سَِريا، وقذفت بريا، وجئت شيئا فَِريا، فاشدد من عِقالك، وتأيد في مقالك، فما كل شكل يذم شكله، ولا كل طائر يحِل أكله، ، وما كل بيضاء شحمة، ولا كل سوداء فحمة، ولو كان لك عقل يُهديك، أو رأي يَهديك لواريت أُوارَك، ولسترت عوارك، أليس قد اشتهر عند الداني والقاصي بأنك قطب ما يتم فيك من المعاصي، حتى لقبوك بسوق الفسوق، وميدان المروق، ورحاب القحاب، حتى قال فيك القائل:
تجنب دمشق فلا تأتها
             وإن راقك الجامع الجامع
 فسوق الفسوق به قائم
                         وفجر الفجور به طالــــع
فلا جرم أن الله قطعك بالطريق، وعاقبك بالحريق، وجعل الميض على أبوابك، والزط في قبلة محرابك، وعذبك بالنيران، وقرنك بأشر الجيران، وجعل خطيبك أتوها دائصا، وإمامك أعمى ناقصا، فلو أنك البيت المعمور لهجرت، أو حرم مكة لما حججت، فقف عند مقدارك، وانظر في إيرادك وإصدارك، والسلام.
      فلما وقف الجامع على رقعته، ورأى ما فيها من رقاعته قام وقعد، وأبرق وأرعد، وقال: اكتب ياغلام، باسم الملك العلام:
     من العاتب الواجد إلى الملك الزاهد، قال الحائط للوتد: لم تشقني؟ قال: سل من يدقني، لم يتركني ورائي الحجر الذي ورائي، أما بعد:[11]
    أيها الملك العادل، أدام الله أيامك، ونشر في الخافقين أعلامك، فقد طاولت بعدلك القمرين، وسرت سيرة العمرين، وأنت تعلم أن الله قد طهر بقعتي وكرمها، وشرف بنيتي وحرمها. طالما زوحمتُ بالمناكب لما كنت هيكلا للكواكب، وكم أمسيت مشكاةً للأنوار، وبيتا لأستقص النار، ثم انتقلت إلى اليهود بعد انقراض ملة هود، فتأنست بالزبور، وبالأنبياء في القبور، ثم جاءت دولة الصلبان فقربت بالقربان ومعاشرة الرهبان، ثم جاء الإسلام فتشرفت بدين محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، فأنا المُشَرَّف في كل قرآن، والمعظم في كل أوان، فكيف يسعك ـ أيدك الله ـ أيها الملك المتغافل عن حالي، والمتحيِّن لنهب أموالي، ويدك مبسوطة في العباد ومطلقة في جميع البلاد.
ما يكون جوابك يوم النشور إذا بعثر ما في القبور، وقد أُوقفت موقف الذليل بين يدي الملك الجليل؟ وأقول: أيْ رب سل هذا لمَ أهملني، وسلمني لمن أكلني! فلا ترد جوابا، ولا تجد خطابا، ولا أقبل منك جميلا ولا كفيلا، ولا أقبل عنك شفيعا ولا وكيلا، فتقول: ( ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا، ياويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا، لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاء وكان الشيطان للإنسان خذولا).
فقدم أيها الملك السعيد لنفسك ما تجده غدا في رمْسك، وخذ هذا المذكور في الحساب قبل يوم الحساب، فتَبْرأ من التباعة، وتدخل في أهل الشفاعة، والسلام على من حمى مساجد الإسلام ورحمة الله وبركاته.
     فلما وقف الملك العادل على كتابه، وتجرع كأس عتابه التفت إلى المساجد فرثى لهم وسدد أحوالهم، ولما علم فحوى شاكيتهم، وعرف كنه قضيتهم أزال عنهم ظلمهم، (وأسرها يوسف في نفسه، ولم يبدها لهم).
ثم نظر إلى ابن أبي عصرون فأنزله واعتزله، وحجبه عن بابه واختزله، وألقاه في سِجن الصدود، وخلده إلى يوم الخلود، وقرأ عليه: (ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود). والسلام.[12]
4-   حوار مع إبليس
  حوار في غاية اللطافة، ومنام في غاية الظرافة، حوار أزلي بين الإنسان ورمز الخطيئة. لكن المنام يَنّم عن فلسفة الوهراني التي تقترب من رؤى أبي العلاء المعري، فإبليس تحول إلى ضحية أمام تبليس الإنسان وتلبيسه، وبالرغم من قدرته الخارقة ومكره الأبدي إلا أن الإنسان أصبح أكثر دهاء ومكرا من إبليس ذاته.
    إن إبليس يحاول أن يجري حوار مع الإنسان، ولا يجد رجلا غير الوهراني ليقاسمه همومه وأكداره ، فالدنيا مثلما انقلبت على الإنسان الفاضل انقلبت على الشيخ إبليس.
   لكن بالرغم من ذلك يظهر إبليس بمظهر اليهودي الماكر، والشيخ الداهية، فهو ينتقل من مكان إلى مكان لزرع الفتنة وتقويض الدول ، وتأليب العصبيات وتوتير الأقليات، وله في ذلك أساليب متنوعة ومناهل مختلفة.
    ولنتأمل كيف يصور الوهراني حواره مع إبليس، ضمن هذه المقامة الأدبية الرائعة :
"  خرجت ليلة الجمعة إلى القرافة من درب الصفا، فلما كنت بين تلك الأكوام لقيت هنالك شيخا طويلا في زي الصوفية عليه أثر السفر، فقلت له :
·       الوهراني : من أين اقبلت فقد اشمازت نفسي منك؟؟؟
·       الشيخ: كنت عند بغيور ملك الصين ، بلغني أنه قد مالت نفسه إلى دين الإسلام، فخرجت إليه من بلاد الزنج بعد الظهر فثنيته عن رأيه. ورجعت أطلب مدينة قرطبة في هذه الليلة أتمم الفساد بين أولاد عبد المؤمن.
·       الوهراني: من أنت عافاك الله؟؟
·       الشيخ: أو ما تعرفني يا وهراني؟؟
·       الوهراني: لا والله ما أعرفك؟؟؟
·       الشيخ: عجيب أنا شيخك ومعلمك إبليس. حدثنى ما هذا الذي يختلج في صدرك من بني بنان؟؟ هبك أنني سلمت لك ما وقع عليه الإجماع من شعره الركيك وكتابه زقفليم ، فتقدر تقول أن أكمامه ضيّقة وأن بغلته قصيرة أو أن طعامه قليل الإبراز؟؟
·       الوهراني: لا والله ياسيدي
·       إبليس: هذه الفضائل التي تقدم بها أهل بيته في سالف الأزمان قد حازها فأي شيئ بقي لك تذمه؟؟
  ويستمر الحوار بين إبليس والوهراني ، حيث يصلا إلى الوفاق حول شرعية ذم الوهراني للقاضي بن بنان وغيره من لاطة الزمان وسدنة الطغيان ، وجهلة الأنام ، من طالت لحاهم وثقلت أذهانهم ، فاللحى كالمخالي واللباس كالمخالب، وننهي الحوار بوصية إبليس للوهراني:
·       إن عثرت على الشيخ ابن الصابوني فسلم عليه عني وعرفه عتبي عليه وقل له : ترضى لنفسك أن تكون مثل العنكبوت على قبر الشافعي، وقعدت تنتظر من يقع فيها؟ ما اقتنع منك بهذا أليس مرقعتك الملونة وعباءتك الصوف واركب حمارك القصير، وشق أسواق مصر والقاهرة ، واخدع الناس بلطف سلامك وكلامك وغرهم بسالوسك وناموسك، وعلمهم بلطيف احتيالك كيف يكون النصب المُحال ...وإلا وحياة أبي القاسم الأعور الذي هو خليفتي على بني آدم وقريني في نار جهنم محوتك من ديوان الطرارين.

5-   خلاصة
ويمكن أن نستنتج من ما سبق ما يلي :
-         هجرة الأوطان بين النكران والعرفان.
-         محنة الغربة وآفة النقمة.
-         التحول من الجد إلى الهزل.
-         عدائية الكل.
-         الحل السحري : تنمية الأنا المخذول.
-         السخرية فن أدبي يثبت الكينونة المخذولة ، وفي الوقت نفسه وسيلة للدفاع واتقاء أشباه الأدباء والفقهاء، وقد نجح الوهراني في زرع الخوف في نفوسهم.
-         النقد اللاذع : وسيلة من وسائل الإصلاح، بالرغم من كونه نقدا لاذعا سواء بالتصريح أو التلميح .
-         المنامة فن أبدعه المغربي ولم يُجاريه فيه أحد ، وهو لا يختلف من حيث اللغة عن فن المقامة إلا أنه فن له خصوصياته، فهو مفتوح على موضوعات مختلفة، يمتاز بالسجع والوضع، والفكاهة والطرافة، وهو أقرب ما يكون إلى تجربة أبي العلاء المعري في رسالة الغفران. ويحاكي من حيث القيمة الحوارية رسائل أبي حيان التوحيدي.
-         الطرافة الواقعية.
-         المزج  بين اللغة الفصحى والعامية، وذلك من أجل إيصال الفكرة.
-         الابتعاد عن التزويق والتّنميق الذي كان يُمارسه أدباء عصره.
-         التشهير برموز الفساد وأس الشر والجور. وهم على النحو التالي:
·       الشعراء: المتن الكاذب والطمع المتكالب.
·       المتصوفة: المظهر الخدّاع والجوهر الطمّاع.
·       الساسة: الصلاح الموسوم والتفريط المذموم.
·       الشّيعة : الجهل المتين والغل الدّفين.
·       الأطباء: العلم المنقوص والإدعاء المخصوص.
·       القضاة: الحُكم المُعطل والمال المُبجل.
·       العامة: الجهل المُركب والعي المُخصب.
·       شخصه:  القرن الظالم والقريب القائل.

    يظهر من خلال ما سبق أن الوهراني توصل إلى قناعة خاصة، تكمن في أن سلطان السخرية أفضل من سلطان الجد، وأن النقد والتجريح سلاح من تنكرت له السنون وأقفرت فيه وجه الأوطان ، ومناماته تعبير صادق عن تجربته الأنطولوجية التي لم يستطع أن يرفعها إلى مرتبة الوجود العيني، حيث تغلب عليه الأنت وأفقد رزانة الوعي وسواء الأنا.
                                                             أ.د. عبد القادر بوعرفة



* -.
[1] - نقلا : بوعرفة، عبد القادر، أعلام الفكر والتصوف بالجزائر، دار الغرب للنشر والتوزيع، وهران، ط 1، 2004، ص  .
[2] - بوعرفة، عبد القادر، أعلام الفكر والتصوف بالجزائر، دار الغرب للنشر والتوزيع، وهران، ط 1، 2004، ص 64 .

[3] - المرجع السابق ، ص 65  .
[4] - الوهراني، بن محرز ، منامات الوهراني ، تحق : إبراهيم شحلان ومحمد نغش ، منشورات الجمل ، كولونيا، ألمانيا، ط 1 ، 1998، ص 227،228، 229.
[5] - الوهراني، بن محرز ، منامات الوهراني ، تحق : إبراهيم شحلان ومحمد نغش ، منشورات الجمل ، كولونيا، ألمانيا،  ط 1 ، 1998، ص 61، 62.
[6] - المصدر نفسه ، ص62.
[7] - المصدر نفسه ، ص 63.
[8] - المصدر ذاته،ص 65.
[9] - الوهراني، بن محرز ، منامات الوهراني ، تحق : إبراهيم شحلان ومحمد نغش ، منشورات الجمل ،كولونيا، ألمانيا، ط 1 ، 1998، ص 66.
[10] - الوهراني، بن محرز ، منامات الوهراني ، تحق : إبراهيم شحلان ومحمد نغش ، منشورات الجمل ، 1998، ص 68.
[11] - الوهراني، بن محرز ، منامات الوهراني ، تحق : إبراهيم شعلان ومحمد نغش ، منشورات الجمل ، 1998، ص 70.
[12]

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق