الأربعاء، 30 ديسمبر 2015

قصيدة حرمت صاحبها


رفضت لجنة التحكيم في مسابقة أمير الشعراء في أبو ظبي، قصيدة للشاعر المصري مصطفى الجزار،وعنوانها (كفكف دموعك وانسحب يا عنترة!!) السبب الذي تعللت به لجنة التحكيم لرفض القصيدة هو "أن موضوعها لا يخدم الشعر الفصيح"..!!!والشاعر بأسلوب رائع صور أن الأمة التي خربت و اواطانها و سلمت مفاتيحها للامريكان و اليهود..
مجلة "المستقبل العربي" قررت نشر القصيدة وهنا نصها:

كَفْكِف دموعَكَ وانسحِبْ يا عنترة
فعيونُ عبلةَ أصبحَتْ مُستعمَرَة
لا ترجُ بسمةَ ثغرِها يوماً، فقدْ
سقطَت مـن العِقدِ الثمينِ الجوهرة
قبِّلْ سيوفَ الغاصبينَ.. ليصفَحوا
واخفِضْ جَنَاحَ الخِزْيِ وارجُ المعذرة
ولْتبتلع أبياتَ فخرِكَ صامتاً
فالشعرُ في عصرِ القنابلِ ثرثرة
والسيفُ في وجهِ البنادقِ عاجزٌ
فقدَ الهُويّةَ والقُوى والسيطرة
فاجمعْ مَفاخِرَكَ القديمةَ كلَّها
واجعلْ لها مِن قاعِ صدرِكَ مقبرة
وابعثْ لعبلةَ في العراقِ تأسُّفاً!
وابعثْ لها في القدسِ قبلَ الغرغرة
اكتبْ لها ما كنتَ تكتبُه لها
تحتَ الظلالِ، وفي الليالي المقمرة
يا دارَ عبلةَ بالعراقِ تكلّمي
هل أصبحَتْ جنّاتُ بابل مقفرة؟
هـل نَهْرُ عبلةَ تُستباحُ مِياهُهُ
وكلابُ أمريكا تُدنِّس كوثرَه؟
يا فارسَ البيداءِ.. صِرتَ فريسةً
عبداً ذليلاً أسوداً ما أحقرَه
متطرِّفاً.. متخلِّفاً.. ومخالِفاً
نسبوا لكَ الإرهابَ صِرتَ مُعسكَرَه
عَبْسٌ تخلّت عنكَ.. هذا دأبُهم
حُمُرٌ ـ لَعمرُكَ ـ كلُّها مستنفِرَة
في الجاهليةِ..كنتَ وحدكَ قادراً
أن تهزِمَ الجيشَ العظيمَ وتأسِرَه
لن تستطيعَ الآنَ وحدكَ قهرَهُ
فالزحفُ موجٌ..والقنابلُ ممطرة
وحصانُكَ العَرَبيُّ ضاعَ صهيلُهُ
بينَ الدويِّ وبينَ صرخةِ مُجبرَة
هلاّ سألتِ الخيلَ يا ابنةَ مالكٍ
كيفَ الصمودُ؟ وأينَ أينَ المقدرة!
هذا الحصانُ يرى المَدافعَ حولَهُ
متأهبباتٍ..والقذائفَ مُشهَرَة
لو كانَ يدري ما المحاورةُ اشتكى
ولَصاحَ في وجهِ القطيعِ وحذَّرَه
يا ويحَ عبسٍ.. أسلَمُوا أعداءَهم
مفتاحَ خيمتِهم، ومَدُّوا القنطرة
فأتى العدوُّ مُسلَّحاً، بشقاقِهم
ونفاقِهم ، وأقام فيهم مِنبرَه
ذاقوا وَبَالَ ركوعِهم وخُنوعِهم
فالعيشُ مُرٌّ.. والهزائمُ مُنكَرَة
هذِي يدُ الأوطانِ تجزي أهلَها
مَن يقترفْ في حقّها شرّا..يَرَه
ضاعت عُبَيلةُ.. والنياقُ.. ودارُها
لم يبقَ شيءٌ بَعدَها كي نخسرَه
فدَعوا ضميرَ العُربِ يرقدُ ساكناً
في قبرِهِ.. وادْعوا لهُ.. بالمغفرة
عَجَزَ الكلامُ عن الكلامِ.. وريشتي
لم تُبقِ دمعاً أو دماً في المحبرة
وعيونُ عبلةَ لا تزالُ دموعُها
تترقَّبُ الجِسْرَ البعيدَ.. لِتَعبُرَه

قصيدة قتلت صاحبها


   اعدم الشيعة الشاعر العراقي أحمد النعيمي بناءً على قصيدته:
نحن شعب لا يستحي كتبها احمد النعيمي
نحن شعب لا يستحي 
السنا من بايع الحسين ثم خنّاه؟ 
ألم تكن قلوبنا معه وبسيوفنا ذبحناه؟ 
ألم نبكي الحسن بعد أن سممناه؟ 
ألسنا من والى علي وفي صلاته طعناه؟ 
ألسنا من عاهد عمر ثم غدرناه؟ 
ألم ندعي حبه، وفي الصلاة لعّناه؟ 
قسماً نحن شعب لا يستحي 
نحن قطاع الطرق وخونة الدار 
نهدر دم المسلم ونهجم على الجار 
نعتمر عمائم بيضاء وسوداء وما تحتهما عار 
والله نحن شعب لا يستحي 
نحن جيش القادسية وجيش القدس وجيش ام المعارك وجيش المهدي 
ونحن أيضاً أتباع الأعور الدجال 
نحن خدم الحسينيات والجوامع والمساجد والكنائس والملاهي والبارات 
ونحن أيضاً أتباع الشيطان تحت السروال 
نحن شعب لا يستحي 
قاتلنا إيران مع صدام 
وحاربنا مع إيران ضد صدام 
بربكم هل رأيتم كهذا الحجم من الإنفصام 
نحن شعب لا يستحي 
مبروك.... عراقنا أكبر حديقة حيوان بشرية 
حكومتها إيرانية تحكم قطعاناً عراقية 
برلمان معاق نصفهم سرسرية 
خراف شيعية تقودها مرجعية خرنكعية 
وأخرى سنية توجهها هيئة تمضرطية 
وحمير كردية تتسلى بها الصهيونية 
والله نحن شعب لا يستحي 
ننتخب لصوصاً وقوادين وقتلة وسفاحين وندوس على الشرفاء بالقنادر 
ننام ونشخر وشرف بناتنا حبيس الزنزانات وفي متناول العساكر 
نحن شعب لا يستحي 
نبايع الفساد والمفسدين ونبصم على نقاء سريرة المنافقين 
ونجاهد في خنادق حزب اللغوة وهيئة علماء المفلسين 
نحن شعب لا يستحي 
طز ... حتى لو كنا أول شعب علم الإنسانية الحرف 
فنحن أيضاً أول شعب ما عاد ورائه وراء وأصبح في آخر الصف 
طز ... حتى لو ثرنا في العشرين ضد البريطانية 
فنحن أيضاً أنصار الإتفاقية الأمنية 
وألف طز .... حتى لو كنا أول من سن القوانين وصان الحرية في بابل 
فنحن أيضاً أول شعب ذبح ابنائه على الهوية ورمى جثثهم في المزابل 
نحن شعب لا يستحي 
نستعجل ظهور المهدي باللواط ونخطف العذارى ونغتال الطبيب والطيار 
نحرّم أكل سمك البحري ونقطع رأس من " يفرم الطماطم مع الخيار" 
قسماً نحن شعب لا يستحي 
نحن نستحق أن يحكمنا أنصاف الرجال ويدوسنا الأمريكي ببسطاله 
وأن يلطمنا القاصي والداني بنعاله ... فهذا جزء من جزاء خيانة الأمانة 
نحن شعب لا يستحي 
لسنا سوى سبايا تتقن البكاء على الكهرباء ونعي انقطاع الماء ولعن السماء والكفر بالأنبياء 
محترفون في تفجير قباب الأولياء وشتم الخلفاء وتنصيب الفاسقين في مقام الأمراء 
شواربنا للزينة ورجولتنا عورة العورات وأكبر كذبة ما يسمى بالكرامة 

الثلاثاء، 15 ديسمبر 2015

(إحنا دافنينه سوا)

الكل تقريباً سمع المثل الشعبي المصري (إحنا دافنينه سوا) ولكن قد يكون هناك من لا يعرف قصة هذا المثل
وهي أن شخصين كان لديهما حمـار (أعزكم الله) يعتمدان عليه في تمشية امورهما المعيشية ونقل البضائع من قرية الى اخرى، وأحباه حتى صار كأخ لهما يأكلان معه وينام جنبهما وأعطياه اسما للتحبب هو ابو الصبر، وفي أحد ألايام وأثناء سفرهما في الصحراء سقط الحمـار ونفق، حزن الاخوين على الحمـار حزنا شديدا ودفناه بشكل لائق وجلسا يبكيان على قبره بكاء مرا، وكان كل من يمر يلاحظ هذا المشهد فيحزن على المسكينين ويسألهما عن المرحوم فيجيبناه بأنه المرحوم أبو الصبر و كان الخير والبركة ويقضي الحوائج ويرفع الاثقال ويوصل البعيد، فكان الناس يحسبون انهما يتكلمان عن شيخ جليل او عبد صالح فيشاركونهم البكاء وشيئاً فشيئاً صار البعض يتبرع ببعض المال لهما ومرت الايام فوضعا خيمة على القبر وزادت التبرعات فبنيا حجرة مكان الخيمة والناس تزور الموقع وتقرأ الفاتحة على العبد الصالح الشيخ الجليل ابو الصبر وصار الموقع مزارا يقصده الناس من مختلف الاماكن.
وصار لمزار ابو الصبر كرامات ومعجزات يتحدث عنها الجميع فهو يفك السحر ويزوج العانس ويغني الفقير ويشفي المريض وكل المشاكل التي لاحل لها، فيأتي الزوار ويقدمون النذور والتبرعات طمعاً في أن يفك الولي الصالح عقدتهم، واغتنى الاخوين وصارا يجمعان الاموال التي تبرع بها الناس السذج ويتقاسمانها بينهما.
وفي يوم اختلف الاخوين على تقسيم المال فغضب احدهما وارتجف وقال:
– والله سأطلب من الشيخ الصالح ابو الصبر (مشيرا الى القبر) ان ينتقم منك ويريك غضبه ويسترجع حقي.
ضحك اخوه وقال:- اي شيخ صالح يا أخي؟ أنت نسيت ؟ دا احنا دافنينه سوا!!

الاثنين، 23 نوفمبر 2015

حوار مع جريدة الحقائق الجزء الثاني

يصر المفكر عبد القادر بوعرفة ان مشروع النهضة العربية مشروع سحري، وطوباوي حالم، لأنه غير مؤسس معرفيا ولا حضاريا، ذلك أن مشروع النهضة انطلق من سؤال غير مؤسس أصلا، ويقترح الدكتور بجامعة وهران للخروج من الأزمة التي يعاني منها العالم العربي والإسلامي اعتماد "مشروع الغرقد" الذي يعتبره النصر الاستراتيجي للأمة، انطلاقا من النطقة المركزية المتمثلة في نصرة القدس، عبر المرور عبر فكرة الإنسان المستقبلي .
•حاوره / محمد ابن الشاهد
 الحقائق: لماذا نجحت التيارات الاسلامية المسلحة في فرض جدول اهتمامات في المنطقة العربية في الوقت الذي عجزت فيها النخب الحداثية؟
 عبد القادر بوعرفة: أعتقد أن النخب المثقفة لا تصنع المشهد، أعنى الحضور على مسرح التاريخ، يذكرني هذا المشهد بنظرة نيتشه الذي يعتقد أن من يصنع المشهد التاريخي هو البطل الحقيقي بعيدا عن أي سلم أخلاقي. المثقف العربي الحداثي بالخصوص هو مجرد ظاهرة صوتية فحسب، أي أنه غير قادر أن يضحي في سبيل ما يعتنق أو يعتقد، بل أحيانا يجعل الفكر مجرد جسر نحو التموقع داخل عرش السلطة. بينما نلاحظ أن الجماعات المسلحة قد لا تحمل فكرا راقيا ولا تحمل فلسفة ولكنها تحمل عنصرا هاما في صناعة الأحداث وهو الحضور في قلب المشهد. هذا على مستوى الأنا، أما على مستوى الآخر (الغرب) فهو يهتم بالظاهرة المسلحة لأنها تساعده على تحقيق مصالحه في المنطقة، ولذا هو يعمل على دعمها بطرق غير مباشرة لإطالة عمرها، فالمصالح الغربية تتجسد من خلال الجماعات المسلحة أكثر مما تتجسد من خلال السياسة والديبلوماسية، لذا الغرب لا يهتم بالنخب الحداثية لأنها لا تخدم مصالحه وهو يعلم أنها بعيدة عن القاعدة الشعبية، بل العكس تماما النخب الحداثية هي التي تحاول قدر الإمكان امتصاص الغرب وتحصيل مكاسب ومصالح هناك. 
 الحقائق: ما التداعيات الكبرى للاتفاق الايراني الغربي على التحولات الجارية في المنطقة العربية؟
 عبد القادر بوعرفة: أعتقد أن الغرب يستنزف العالم العربي من خلال تهويل إيران، بل صنع البعبع الإيراني لجلب أكبر منفعة له من خلال التبعية المطلقة له، إيران بالرغم من الزخم الإعلامي لا يمكن أن تؤثر في المشهد العربي والإسلامي بشكل كبير كما تحاول أن تسوقه إيران عن نفسها وكذا خصومها، الواقع الإيراني مثقل بهموم تحملها فئة كبيرة من الشعب الإيراني، الفقر البطالة، العنصرية، القمع، ... لو فرضنا أن إيران يمكنها أن تتوسع إيديولوجيا وفق منطق تصدير الثورة الإسلامية من خلال المال (أكثر من 30 مليار دولار سنويا) فهل ستصل آخر الأمر إلى تشييع العالم الإسلامي؟؟؟ لا أعتقد ذلك بل أرى أن أقصى ما ستصل إليه إيران ما وصل إليه الاتحاد السوفياتي بعد 70 سنة من الدعوة إلى تصدير الأممية الاشتراكية.
واعتقد من جهة أخرى أن الاتفاق النووي حفز بعض الدول العربية على ضرورة الاعتماد على النفس في مواجهة ما يسمونه (الخطر الفارسي)، ونلاحظ ذلك جليا فيما تفعله دول الخليج مجتمعة، وخاصة عاصفة الحزم في اليمن.
الحقائق: كيف ساهمت ثورة تكنولوجيات الاتصال على التدوين الفلسفي في العالم العربي؟
 عبد القادر بوعرفة: أصبح التدوين الفلسفي اليوم أكثر اتساعا وحركية، بل أصبح التفلسف اليوم أكثر مقارنة مع القرن المنصرم، لكني غير متفائل، لأن جيل الفلسفة الفيسبوكية كما يسميه صديقي عمر مهيبل جيل غير فعال وغير منتج، فالتدوين هو مجرد موضة لا يشكل وعيا متقدما ولا يؤثر في الفعل، بل يبقى حبيس المدونة ذاته.
  الحقائق: لماذا تصر على ان المراهنة على العقلانية في العالم العربي مجرد وهم؟
عبد القادر بوعرفة: كل عقلانية تخفي وراء بريقها إيديولوجية ما، ذلك أن كل تيار فكري إلا ويصنف نسقه الفكر بعقلانية ما، ويضفي عليها من الكمال ما لا يوجد فيها أصلا، فالعقلانية لا تعبر عن العقل بل هي تتجه نحو الوهم النسقي أكثر منه إلى مبادئ العقل. ادعى الجابري أنه يؤسس لعقلانية عربية ثورية، وادعى حنفي أنه يؤسس لعقلانية إسلامية مفتوحة، وادعى عبد الله العروي أنه يؤسس لعقلانية مادية، وادعى طه عبد الرحمان أنه يؤسس لعلانية عرفانية ثلاثية .... وقس على ذلك .... فأي عقلانية تقترب من منطق العقلانية أصلا. ؟
 الحقائق: تطالب بالنصر الاستراتيجي في نصرة القدس ما هي ملامح هذا النصر؟
عبد القادر بوعرفة: سميته "مشروع الغرقد" وهو محاولة من أجل نصرة الأقصى في عصر التخاذل والانهزام العربي والإسلامي، تتمحور نقاط المشروع في جملة من التدابير العملية التي ينبغي على كل مسلم المساهمة فيه دون انتظار ما تفعله الدول العربية مستقبلا. واستقيت ذلك من التجربة الصهيونية ذاتها في نهاية القرن التاسع عشر، بمعنى آخر يجب أن نصيغ تجربة تشبه تجربة هرتزل في مشروعه لتوطين اليهود في أرض فلسطين، وكان سؤال المشروع لما لا نفكر مثلما فكر هرتزل؟ بمعنى أخر كيف يمكن أن نَنصر الأقصى مثلما نصر هرتزل الهَيكل؟ عندما نجري مقارنة نجد أن مشروع هرتزل بٌني على خطوات عملية وفي أغلبها بسيطة وممكنة وليس على نظريات فلسفية تحتاج إلى أمد طويل لتتحقق.

حوار مع جريدة الحقائق الجزء الأول

صرح المفكر عبد القادر بوعرفة ان مشروع النهضة العربية مشروع سحري، وطوباوي حالم، لأنه غير مؤسس معرفيا ولا حضاريا، ذلك أن مشروع النهضة انطلق من سؤال غير مؤسس أصلا، ويقترح الدكتور بجامعة وهران للخروج من الأزمة التي يعاني منها العالم العربي والإسلامي اعتماد "مشروع الغرقد" الذي يعتبره النصر الاستراتيجي للأمة، انطلاقا من النطقة المركزية المتمثلة في نصرة القدس، عبر المرور عبر فكرة الإنسان المستقبلي .
•حاوره / محمد ابن الشاهد
الحقائق: من خلال كتابك معجم الفرق والملل والنحل بالجزائر هل هو خريطة لجغرافية النخب اليوم؟
 عبد القادر بوعرفة: تبدو بالفعل خريطة جغرافية للأنتلجنسيا الجزائرية بالخصوص، فالمعجم في طبعته الأولى كان مجرد نسخة أولية مختصرة، والغرض منه هو تحليل أسباب غياب الحواضر العلمية في الجزائر المعاصرة مقارنة مع دول الجوار، فغياب الحاضرة يعني انعدام وجود مدارس جزائرية أصيلة بطرحها ونهجها واستراتيجيتها، فالنخب الجزائرية لازالت لحد اليوم تعزف ضمن قنوات خارجية عنها فإما ميل نحو مدارس المشرق أو تحول نحو المدارس الغربية، وهنا تكمن التبعية.
أردت أن ألفت الانتباه أن الجزائر العميقة استطاعت في الماضي أن تزخر بحواضر علمية مثل بجاية، تلمسان، وتيهرت .... مما نتج عن ذلك مدارس فقهية وكلامية وأخرى صوفية أثرت في المشهد المعرفي العرب والإسلامي.
الحقائق:  صحيح أن الجمهور عزف عن التعاطي مع الخطاب الفلسفي أم أن النخب فشلت في تسويقه؟
 عبد القادر بوعرفة: أعتقد أن الأمرين معا، فالجمهور لا يتعاطى مع الخطاب الفلسفي باعتباره خطابا غير واقعي، بمعنى أنه لا يستفيد منه، فالفلسفة تحتضنها تاريخيا الطبقات الأرستقراطية أكثر مما تحتضنها الطبقات الشعبية، ذلك أن الخطاب الفلسفي نفسه خطابا نخبويا. ضف إلى ذلك، أن الخطاب الفلسفي في الجزائر لم يتشكل بعد، فأغلب ما نراه اليوم هو عبارة عن تدوين فلسفي أو كتابة فلسفية. ومن جهة أخرى، عندما نقوم بإحصاء للرسائل الجامعية في الفلسفة أغلبها يتجه نحو الفكر الغربي، فالجمهور ماذا يستفيد من إعادة شرح أفكار كانط، هيجل، ماركس، نيتشه، هبرماس، سارتر ... كما أن النخب لم تستطع أن ترتقي بالكتابة الفلسفية إلى مستوى الجمهور، وذلك من خلال البنية المتعالية، واللغة الاصطناعية، والمفاهيم المرنة، وكثرة القيل والقال وعدم حضور الذّات العّارفة في فهم واقع الجمهور وتقديم الرؤى التنويرية والنقدية التي تساهم في إصلاح العقل والفعل وفهم الواقع فهما ينخرط في عملية التغيير التدريجي لطبيعة المجتمع الجزائري.  
  الحقائق: بعد التحولات التاريخية الكبرى في السنوات الاخيرة هل ما زلت مرافعتك عن ملامح الإنسان المستقبلي قائمة؟ 
 عبد القادر بوعرفة: فكرة الإنسان المستقبلي فكرة أصيلة في بعدها المستقبلي، فكل ذات عارفة إلا وترنو إلى إبداع أنموذج عما ينبغي أن يكون عليه الإنسان من معكوس ما هو عليه. بيد أن التحولات التي حدثت في نهاية القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة جعلتني أغير نظرتي فيما يكون عليه الإنسان المستقبلي من حيث البنية والمنهج، بمعنى آخر أن الإنسان الشاهد الذي قدمه مالك بن نبي وحاولت التنظير له لم يعد مجديا اليوم، ذلك أن المعادلة الحضارية لم تبق سجينة النظرة البنابية (الإنسان + الوقت + التراب = حضارة) بل الحضارة اليوم تفرض عدة معادلات لا معادلة واحدة، فالظاهرة الإنسانية ظاهرة معقدة وصعبة ولا يمكن أن نتعامل معها مثل الظاهرة الفزيائية. يجب اليوم أن نضيف كثير من العناصر لأي معادلة حضارية جديدة (المعرفة، المصلحة، الفضيلة، التعايش، التجاور، التحاور، الممكن، الاختلاف، التنوع، ....)
ومن جهة أخرى فمالك بن نبي تجاوزه الزمن في كثير من الأفكار والمواقف، إذ لم يعد الصراع اليوم صراعا جدليا ثوريا بل الصراع اليوم صار صراعا ذو طبيعة مرنة مصلحية أكثر، بمعنى أخر لا يمكن أن ننظر إلى الصراع مثلما نظر له مالك بن نبي في جل كتبه، لأنه ارتكز على واقعه الذي كان مشحن بالصراعات القطرية ذات التوجه الإيديولوجي. 
 الحقائق: تشتغل في حقول المعرفة الفلسفية هل هذه المعرفة هي التي تصنع الحقل المتحرر وتنجز أسياد العالم؟
 عبد القادر بوعرفة: كانت الفلسفة ولازالت في الدول المتقدمة هي التي تنتج سادة العالم بامتياز، ذلك أن الدولة ينبغي أن تكون لها مفهومية خاصة بها واستراتيجية واضحة، والفلسفة من حيث هي فكر نقدي تحليلي بنائي تستطيع أن ترسم للدولة خارطة طريق وأن تضع لها استراتيجية محكمة، الفلسفة هي التي صنعت الإسكندر المقدوني الذي فتح العالم القديم، وهي التي صنعت نابليون ... وفي العالم الإسلامي علم الكلام باعتباره فلسفة إسلامية هو الذي صنع المأمون وغيره من سلاطين الدولة العباسية، 
وفي الوقت المعاصر الفلسفة لا تصنع شخصيات ولكنها تصنع الدولة السيدة، لقد تحول الفكر الفلسفي من صناعة الرجال القادة إلى صناعة المؤسسة السيدة، أقصد أن الفلسفة أزاحت الإنسان واستبدلته بالمؤسسة، ذلك أن الرجل يزول والمؤسسة تحافظ على بقائها أطول فترة ممكنة. هنا يكم الفرق بيننا وبين الغرب، نحن في العالم العربي لازال الفكر يحاول أن يصنع الرجل السيد (الزعيم = عبد الناصر، بومدين، صدام، ...) بينما في الفكر الغربي اليوم يتجه نحو صناعة المؤسسة (جون راولس مثلا). 
 الحقائق: لماذا فشلت محاولات النهوض بالعالم العربي وبالذات ما يسمى النهضة العربية؟
 عبد القادر بوعرفة: أعتقد أن مشروع النهضة العربية مشروع سحري، أي مجرد مشروع طوباوي حالم غير مؤسس معرفيا ولا حضاريا، وهذا لا يعتبر حكما قاسيا، بل يعتبر حكما نقديا بحتا، ذلك أن مشروع النهضة انطلق من سؤال غير مؤسس أصلا تمثل في: لماذا تأخر العرب؟ (طرحه ليبرالي عربي سنة 1859) ثم أعاده مفكر إسلامي سنة 1870 بصيغة أخرى: لماذا تأخر المسلمون؟ 
أعتقد أن السؤالين المطرحين اتجها نحو فلسفة التبرير لا نحو فلسفة البناء، فالليبرالي فسر تأخر العرب بمبررات قومية قطرية محضة، محاولا أن يرسم معالم نهضة عربية من خلال العودة إلى النزعة القزمية العربية التي تبددت بفعل الدين، ولقد شكل مشروعه على بعض النجاحات التي حققتها بعض الأمم التي اتخذت من النزعة القومية إيديولوجية لها كألمانيا البسماركية. في حين نجد الإسلامي يخالف الطرح السابق، مبررا الانحطاط بابتعاد المسلمين عن الدين الإسلامي وعدم الاحتكام إلى قوانينه، ولذا يرى أن الحل هو القول بشعار " الإسلام هو الحل."     
نلاحظ أن حملة مشروع النهضة في القرن التاسع عشر انطلقوا أصلا من سؤال قاتل لحامله، فهو سؤال سحري في بعدها الماضوي والمستقبلي .... كان ينبغي للنهضة أن تنطلق من سؤال مُوتر يتمثل في سؤال كيف نتقدم؟ ذلك أن سؤال الكيف هو سؤال واقعي يجعل الذات لا تبرر انحطاطها بل تبحث في سبل تحررها وانعتاقها ... هو السؤال ذاته الذي طرحته النخبة اليابانية في القرن العشرين في منتصف الأربعينيات ... والآن لننظر أين وصلت اليابان وأين وصلنا نحن ؟ بالرغم أن مشروع نهضتانا سبق مشروع النهضة اليابانية بزمن.
يتبع

الجمعة، 13 نوفمبر 2015

كتاب العرب أسئلة الماضي والحاضر والمستقبل ل: عبد القادر بوعرفة

  

صدر مؤخرا لي كتاب بعنوان: العرب أسئلة الماضي والحاضر والمستقبل عن دار الروافد الثقافية مع دار ابن النديم بلبنان.
يتجه البحث عن علاقة العرب ككيان ثقافي وسياسي بأسئلة الماضي والحاضر والمستقبل إلى الاعتراف بأن عمق العلاقة يُفضي إلى عملية تأويلية، تهدف لخلق نص موازي للنص الحقيقي في ذاته، والنّصان المتوازيان يلتقيان في نقطة معينة هي نقطة القول بمركزية الإنسان في أفق فهم العلامة الإلهية، ولكنهما لا يلتقيان في تحديد ما ينبغي أن تكون عليه الدولة والسلطة والمجتمع. إن تأويل الواقع ينفّر من النّص المستوي والمسطّح، بل يميل إلى النص المقعّر أو المحدّب، وتصبح التفاسير في الحالة الأولى مسلمات وبدائه، مجانبة للواقع وقريبة من المحسوس، وتصبح في الثانية والثالثة فاتحة للنظر والتخيّل، وبالتالي عصية عن المدرك الحسي لكونها متماهية مع المطلق والمجرد.

الاثنين، 19 أكتوبر 2015

كتاب التجربة الجمالية

كتاب التجربة الجمالية تأليف أ.د عبد القادر بوعرفة

أصدر الأستاذ عبد القادر بوعرفة كتابا جديدا عن منشورات مختبر "أبعاد" ، تناول إشكالية الوعي الجمالي في الفن الإسلامي من خلال استحضار كثير من مجالات الفن الإسلامي. وجاء في مقدتمه ما يأتي:

       يتجه الفكر في زمن سلطة العلم والتّخصص نحو جعل كل حقل من حقول الفكر علما قائما بذاته، على غرار ما حدث لعلم النّفس وعلم الاجتماع والسّياسة والاقتصاد..، حيث حاول بعض المُتخصصين في الجمال أن يجعلوه علما قائما بذاته، يشترك مع الفن في المقدمات العامة غير أنّه يتميز عنه بقواعد ومعايير ومجالات خاصة، نظرا لأن الجمال حقلٌ أكثر تخصصا من الفن، من حيث موضوعه الرئيس وقيمه المتعالية نظرا لارتباطه بالذّات كموضوع غير مفصول عن موضوعات الإدراك والذّوق.
     قد لا أكون ممن يناصرون فكرة القول (بعلم الجمال)* لأني أعتقد أن الجمال موضوع متحرر من القيود والمعايير الضّيقة، فهو كالخيول البرية التي تَجِدُ طَبِيعَتَها في التّوحش، أو في صور الطبيعية التي تحتكم لمبدأ اللاّقانون، ومن جهة أخرى، لا تحتمل طبيعةُ الجّمال التّقنينَ ضمن أطر إبستيمية أو قواعد عقلية صارمة، أو أن يحكمها منطق سكوني كمي.
      وأعتقد في هذا المجال بالذّات، بأن الجمال يفقد جماليته عندما يُصبح أسير المنهج والقاعدة العلمية، وأن معايير الحكم على موضوعاته تنفر من القيّم الجاهزة لأن القيّمة الجمالية قيمة ذوقية قبل أن تكون قيمة عقلية أو علمية. ومن ناحية أخرى، نجزم بأن العمل الفني يندرج ضمن مجال الممكن، والممكن يعطي فضاءً من الحرية للفنان، مما يجعله يطلق العنان لمخيلته وشعوره وحدسه، عندئذ لا يعترف بحدود ولا قواعد، بل يصبح الهدف هو التّعبير عن المعنى المُنْشَأ لحظة إدراكه إدراكا فنيا أو جماليا، وفق قاعدة الممكن والمُتخيل:" الاعتراف بمجال الممكن في العمل الفني يفترض كنتيجة حتمية الاعتراف بفضل المخيلة والإبداع الإنساني، وذلك ما لم يكن ممكنا في حدود بنية الثّقافة الإغريقية وفي حدود الأسلوب الذّي دشنه أفلاطون بالذّات."[1]
      يستأنس أنصار "علم الجمال"  بقول لفريديرك هيجل حين أصر على أن الجمال علم في تعريفه المشهور:" إن علم الجمال هو فلسفة الفن النبيل."،  بيد أن هيجل أكد آخر الأمر بأنه سيبقى مُجرد فن نبيل.
   قد تصبح كل الفنون والصّناعات ذات يوم علوما قائمة بذاتها إلا الجمال، لأن الإنسان في المستقبل لن يبق له إلا الجمال وبعض جيوب الفن ليمارس فيهما بعض الحرية، ويختبر بهما وجود كينونته بعد أن طغت التقنية والعقل الآداتي على كل مضامين الحياة، وأصبحت فضاءات الحرية تتقلص بشكل مطرد.
    ومما سبق، يمكن أن أنحاز إلى رأي ليندرن عندما يقول بأن الفّنَ والجمال يَشُذَا عن قاعدة القانون والعلم، فروعة الجمال أنه بدون قيد أو شرط:" القانون الأوحد للجمال أنه ليس له قانون."
     ولا نقصد من الفكرة السّابقة، عدم اتساق العمل الفني وانسجامه، بل نقصد بأن القواعد الصّارمة لا جدوى منها في المجال الجمالي، فروعة العمل تكمن في تلك العلاقة التي تنتج بين الفنان وموضوع فنه، فهو لا يُصدر أي عمل فني بناءً على قواعد ولوائح بل عن إنفعال ورغبة وإحساس. وقد أشار زكرياء إبراهيم إلى تلك المسألة في قوله:" حقا أن الفنان لا يصدر في إبداعه الفني عن بعض القواعد الصارمة المحددة، كما أنه لا ينتظر من أحد غيره أن يُملي عليه اتجاهه الفني أو أن يُعين له اللّوحة التي لا بد من رسمها، ..."[2]            
      يمكن تسمية استقلالية الفن والجمال بالفوضوية المهذّبة، فهي تنفر من القانون والضبط ولكنها تتجه نحو الالتزام بوصفه رسالة وغاية. وتحمل هذه الفوضوية المُهذبة ــ المرتبطة بالجمال كقيمة فكرية وإنسانية ــ كل الأبعاد الجمالية للجمال، وتزداد جلالا عندما يتحول التّصور الجمالي إلى ممارسة فنية، إذ أن الممارسة الفنية هي التي أكسبت الجمالَ عبر مراحل تاريخه جماليته الخَلاّبة.
   يمكن أن ننطلق من هذه النّقطة بالذّات في تحليل العمل الفني في التراث الإسلامي، فإذا كان الجمال والعمل الفني في جوهره لا يعترف بالقانون المُسّيج له، فإن الخطاب الإسلامي في شقه الفقهي سيجد في حالة تحويل الجّمال والفن إلى سياج العلوم الشّرعية صعوبة في وضع القيود والقوانين له من باب ضرورة ربط الجمال بمقاصد الشّريعة الإسلامية، لأن فعل المُخيلة تجربة فردية لا ترتبط بفقه المُعاملات إلاّ حين تصبح خارج بؤرة الذّات المُنتجة لها.
    يُعتبر الجمال عصي عن التّعريف كالخير والحق، وهو نفسه ما ذهب إليه جان برتليمي (في بحثه حول علم الجمال) حين قال: "إن نحن رجعنا إلى قدامى الفلاسفة لعلمنا أن الجميل، شأنه شأن الحّق والخّير، يعيش فوق العقل والمنطق والعمل، ولهذا فالجميل لا يقبل التّعريف والجمال يُفهم من خلال الأشياء الجميلة."[3]
    يُصبح الجمال عندئذ عصي عن التّعريف لكونه مرتبط بالنّفس الشّاعرة، ولا يمكن أن يكون مُدْرَكًا وجليًا إلا من خلال غيره من الصّنائع، ومن ثمة لم يُدرجه المُصنفون في الإسلام ضمن العلوم، ولم يُحْصَ كعلم مستقل بذاته بل اعْتُبِرَ صناعة حاذقة بارعة للغاية.
      أَوَّدُ بادئ ذي بدء أن أنبه إلى مسألة بالغة الأهمية، تكمن في التّطابق الحاصل بين مفهوم الجمال والفن، فالفن ليس هو الجمال بل هو متضمن فيه، لكونه أشمل منه في المفهوم، لكن الجمال هو فن بالضرورة، ولهذا نتفق مع ما قاله الشّامي:" يُعدُّ الفن واحدا من المجالات التي يسيطر الجمال عليها، ويظهر من خلالها، ولكن الفن ليس هو الجمال، إذ قد يوجد الفن ولا يوجد الجمال فيه."[4]
   يعتقد جورج سانتيانا بأن أفضل اتفاق نصل إليه حول ماهية الجمال هو القول بأن  الجمال في صورته التي نتعارف عليها اليّوم هو الإحساس بالجمال كموضوع وقيمة وأثر، وعليه يجب أن نُخفف من حدة هاجس تعريف الجمال كموضوع محدد.[5]
     ويبدو جليا من خلال هذا المدخل أن مفهومَ الفن متشعب ومتنوع، ويفرض علينا المقال مساءلة المفهوم من حيث حمولته اللّغوية والإصطلاحية والفلسفية، إنطلاقا من القاعدة الإبستيمية التي تقول بأن الحوّار المُثمر يتأسس أول الأمر على أرضية تحديد المُصطلحات وتقريب المفاهيم.


* - أول من أصطلح على مفهوم "علم الجمال" هو المفكر الألماني الإسكندري بومجارتن ( 1714 – 1762)، وقد حدد رؤيته في الثلاثية المشهورة :
- الجمال = المعرفة الحسية.
- الحق = المعرفة العقلية.
- الخير = القدرة الإرادية.

[1] - حمادي حميد وآخرون، سؤال المعنى، دار الغرب للنشر والتوزيع، وهران (الجزائر)، ط 1، 2005، ص 10.
[2] - زكرياء، إبراهيم، فلسفة الفن في الفكر المعاصر، مكتبة مصر، القاهرة، 1966، ص 282.
[3] - نقلا: صالح، أحمد الشامي، الظاهرة الجمالية في الإسلام، دار الكتاب الإسلامي، بيروت، ط1، 1986، ص23.
[4] - المرجع السابق، ص24.
[5] - سانتا، جورج، الإحساس بالجمال، تر: محمد مصطى بدوي، هيئة الكتاب، القاهرة، ط 1، 1200 ، ص 51.