الاثنين، 19 سبتمبر 2016

الشاعر الجزائري الكبير المجاهد صالح خباشة في ذمة الله

الشاعر الجزائري الكبير المجاهد صالح خباشة في ذمة الله
 
ا.د. عبد الكاظم العبودي
 
نعى الشعراء الجزائريون الإخوة  سليمان جوادي وعز الدين ميهوبي والأسرة الأدبية  الثقافية في عموم الجزائر والوطن العربي  صباح اليوم 18/9/2016 الشاعر الجزائري الكبـير  ...صاحب ديوان الروابي الحمر  صالح خبَّاشة.
 وبفقده عن عمر 86 عاما  تودع الجزائر شاعرا ومجاهدا ومثقفا كبيرا قدم إسهاماته للثقافة العربية وللشعر العربي على مدى عقود طويلة ، وكان بمصاف الرواد الكبار للشعر الجزائري من أمثال مفدى زكرياء ومحمد العيد آل خليفة و أبو القاسم خمار ومحمد الصالح باوية.
عرفته عن قرب منذ التسعينيات من القرن الماضي بعد شروعي بجمع قصائد الشعر الجزائري حول العراق، فاكتشفت فيه من العراقية والحميمية البغدادية  ما لم أجده بكثير من العراقيين.
  كان فخورا جدا انه خريج كلية الآداب بجامعة بغداد 1961 ، تلك الجامعة رحبت به ضمن بعثة طلابية جزائرية وصلت إلى 120 طالبا ، بمختلف التخصصات العلمية والأدبية،  والى جانبهم (وصل 40  طالب جزائري تخرجوا من الكلية العسكرية العراقية برتبة ملازم ثان، إضافة إلى 27 طالب آخر التحقوا بكلية القوة الجوية العراقية، تخرج منهم 5 من أمهر الطيارين الجزائريين ، ومنهم التحقوا بأسراب القوة الجوية العراقية، انتظارا لعودتهم إلى أرض  الجزائر المستقلة)  .
شهدت  تلك الفترة التي قضاها الراحل صلاح خباشة في العراق أياما حافلة بالمجد والفخر عندما كانت بغداد والعراق بأجمعه  ساحة تظاهر ونصرة وتضامن سخي وبلا حدود مع الثورة الجزائرية .
 كانت إذاعة بغداد تخصص برنامجا يوميا خاصا بالثورة الجزائرية بعنوان " كلمة الجزائر" ، تطور إلى إذاعة لاحقا تبث برامجها باسم " صوت الجزائر" بإشراف مكتب الاستعلامات للحكومة الجزائرية المؤقتة  في العراق، وكان صوت صالح خباشة متميزا في الإعداد والخطاب والإلقاء الحماسي دعما للثورة والتعريف بالقضية الجزائرية  .
   التحق المرحوم صالح خباشة حال انتهاء دراسته ببغداد بمؤسسات الثورة الجزائرية في  تونس، حيث شارك في تثقيف شباب جبهة التحرير الوطني، كما عمل أستاذاً  بعدها في المرحلة الثانوية ومعاهد تكوين المعلمين، ومنها معهد دار المعلمين في بوزريعة،  وساهم في تكوين أساتذة المرحلة الإعدادية منذ 1967 إلى أن تقاعد 1991.  ومن دواوينه الشعرية: الروابي الحمر 1971 ، إضافة إلى عشرات القصائد المنشورة التي لم يتسن للشاعر جمعها في ديوان واحد .
في تلك المرحلة كان هناك جيل كامل من الشعراء والمبدعين بدار المعلمين والذين ذاع صيتهم في ما بعد، من بينهم الشاعر المرحوم جمال ألطاهري ( شارك في ديوان أم المعارك بقصيدة " أحرار إنا نعرفكم" ص 71 وقصيدة " من بغداد إلى بوش" ص 74)،  والشاعر سليمان جوادي ( له العديد من الدواوين الشعرية، شارك بمهرجان المربد وزار مع وفد ثقافي جزائري هام بغداد، واستقبلهم الرئيس الراحل صدام حسين )، والقاص محمد الصالح حرز الله  (روائي وإعلامي كتب كثيرا وساهم في نصرة العراق)،  والشاعر محمود بن مريومة (شارك في ديوان أم المعارك بقصيدة " رسالة إلى مهرة عراقية"  ص 298)، والناقد عثمان بيدي وغيرهم كثيرون.
شارك الراحل صالح خباشة  في الكثير من المنتديات الأدبية والثقافية والتربوية وزار بغداد غير مرة ، وألقى قصائده في مهرجانات الشعر العربي.
كان من أوائل الأدباء الجزائريين الذين هبوا لنصرة العراق، معبرا عن مواقفه الجريئة من أنظمة الخيانة العربية بقصيدته  " تيجان الخزي" التي  ألقاها في مهرجان شعبي تضامني مع العراق، بحضور أعيان ووجهاء وادي ميزاب في  مسقط رأسه " مدينة القرارة"  بولاية غارداية، كان حريصا ومتابعا على نشرها  مع قصيدته الثانية " أخي في العراق" وضمهما إلى كتاب " أم المعارك في ديوان الشعر الجزائري الصفحات نشرتا في الصفحات 132 إلى 134" مسجلا في إجابته على سؤال لي عن وصف مشاعره أثناء كتابة تلك القصائد،  فكتب لي : (... أخي  د. عبد الكاظم العبودي:  ستجد الجواب في الإنتاج نفسه الذي ينفجر غيضا وحنقاً على " تيجان الخزي" ودمى الغرب الحاقد على الإسلام والعروبة، كما أشيد ببطولة العراق الشقيق).
 ظل الشاعر الراحل متواصلا معي، رغم بعد المسافة بين وهران والقرارة ،وكان أول المنخرطين في مشروع لتأسيس [ الرابطة الجزائرية لخريجي الجامعات العراقية]، مباركا لها تأسيسها، وظلت حلما له  حتى لحظة  وفاته . حالت ظروف القضية العراقية على مدى 25 عاماُ الأخيرة، من الحصار الظالم إلى الغزو والاحتلال الأمريكي.  هذه الرابطة  لم تر النور بعد ،  رغم حماسة وانضمام العشرات من الإخوة الجزائريين إليها ومن مختلف الأجيال،  ممن سبق لهم أن تكونوا ودرسوا في جامعات العراق،  منذ زيارة الشيخ البشير الإبراهيمي للعراق في 12/6/1952 ، فاتحا الطريق بعدها  لوصول البعثات الطلابية الجزائرية إلى العراق وتصاعد الدعم العسكري والمالي الكبير للثورة الجزائرية عبر ممثلي جبهة التحرير ومكتبها ببغداد، حال إعلان بيان ثورة نوفمبر 1954 المباركة. 
 
تيجان الخـــزي
 قصيدة الشاعر الراحل صالح خباشة نقلا من ديوان (أم المعارك في ديوان الشعر الجزائري) ص 132 و 133:معلقا عليها انه كتبها في جانفي 1991 أيام الهجوم الجهنمي الشرس على عراقنا العملاق من قبل قوى الشر والعدوان من صليبيين وصهاينة وعملاء.
جف الكلام وهان الشعر والخطـــــــب
"عباسنا" و"الحسين"الشعر والخطب
قد أرهفت سمعها الدنيا بأجمعهـــــــــا
لما تفجر من بغدادنا الغضـــــــــــــب
فألقت تل أبيب النار صاعقـــــــــــــة
فمادت الأرض وارتجت بها " النقـــب"
فزرعت في سما" حيفا" رواجمنـــــــا
فولول القوم في الأعماق وانتحبــــــــــوا
فسارعت أمريكا الغدر ناصبـــــــــــــــةً
قلاعها ربما " العباس" ينســـــــــــــحب
وإنما اخترقت رأس " الحسين" يهــــودا
 ذاهلة فما أجدى الذي نصبــــــــــــــــوا
وللبطولات " صدام" يفاجئـــــــــــــهم
بروعة القصف والأعداء تلتهـــــــــــب
سلوا الصواريخ عن صهيون كي قضوا
ليالي الرعب خوف الموت تحتجــــــب
كلاب غدر بأفواه مكممــــــــــــــــــــــة
لا نوم خامرهم  لا صبح مقتـــــــــــرب
وكلهم في زوايا الرعب جاحظــــــــــــة
عيونهم والقلوب السود تضطـــــــــــرب
و راغ ضرباً على العربان من عــــــرب
يمين ربك حنث إن هموا عـــــــــــــرب
تيجان خزي بها ناءت رؤوســـــــهم
وفي العمالات للغازي لهم قَصَــــــبُ
إن أصدرت أمريكا الأمرَ في صلف
إذن تبصبص من عرباننا الذنــــــب
كأمنا العرب ألأجداد من ذهـــــــــب
وهؤلاء الرعاة القش والحطــــــــب
التائهون بساح الغرب في لهـــــــث
الهائمون وشوق الفسق ملتهــــــــب
في كل حان له ذكرى معربـــــــــدة
في كل خان لهم في غيدها عجــــب
فالغانيات يجئن " الوكر" مقفــــــرةً
وينسحبن وهن الدر والذهـــــــــــــب
عصابة جاوزت في اللهو غايتـــــها
أصابها في اقتناص اللذة  الكَلـــــــَبُ
وكلهم برداء " البيت" معتلـــــــــــق
وكلهم لرسول الله ينتســــــــــــــــــب
وفي المزاد حمى الإسلام مرتخص
ووجه كعبتنا بالهول مكتئــــــــــب
وحول " مكة" صلبان مُصهيـــنة
غزاة بيت وشهر إنه رجـــــــــــب
مرابع الوحي قد ديست كرامتـــــها
بمن نهى الله أن يدنو  ويقتـــــــرب
وذاك أن " أبا رغال" قادهــــــــــمُ
فبأس جالبهم حقداً ومن جلبـــــــوا
من كل فج سعى الحمال محتطبــــاً
سيصطلي باللظى الحمال والحطب
وفي الجوار حكومات خيانتــــــــها
عن ذكرها تعجز الأقلام والكتــــب
أشقة السوء قد باعوا شقيقهــــــــــمُ
وللغزاة حسان الغيد قد وهبـــــــــوا
أين المروءة يا أهرام؟ أين حجاــــز
الفاتحين وأين العز يا حلــــــــــــب
وفي العراق لهيب دك ظاهــــــــره
وباطنه كلما في الأرض يلتهــــــب
إلا عزيمة شعب صامد أبـــــــــــــــداً
وإن توالى عليه البطش والرهـــــــب
صمودك النصر يا عملاق تنقشــــه
في صفحة الدهر تتلو سفرك الحقب
سيهزم الجمع مذموماً وإن كثـــــرت
أحزابه وتنام الجيش والجلــــــــــــب
فموجة تنقضي في إثر سابقـــــــــها
إلى التلاشي وطود الحق منتصـــب
سيعلم الظالم الجبار مصـــــــــــرعه
وأي منقلب يوماً سينقلـــــــــــــــــب
 
أخي في العراق
قصيدة الشاعر الراحل صالح خباشة نقلا عن  ديوان(أم المعارك في ديوان الشعر الجزائري) ص 134، كتبها بعد عام وفي ليلة 17/01/1992 في  ذكرى العدوان الثلاثيني على العراق.
أخي في العراق تحد الزمــــــانــــــــــــــــــا
وحز رغم أنف العدى والرهانـــــــــــــــــــا
وشق الطريق عنيداً قويــــــــــــــــــــــــــــاً
فلست ضعيفا ولست جبانـــــــــــــــــــــــــــا
وما خار عزمك رغم الجـحيــــــــــــــــــــــم
وأي ابن آدم مثلك عانــــــــــــــــــــــــــــــــا
وما خنت يوماً بلادك حتــــــــــــــــــــــــى
وإن كان جارك ولى وخانــــــــــــــــــــــــا
عصابة سوء إلى أمريـــــــــــــــــــــــــــــكا
تولت تصلي لبوش افتتانـــــــــــــــــــــــــــا
وتحرق أحمد،  تبقر هنــــــــــــــــــــــــــــد
وترضي " شامير" و" موشي" ديانــــــــا
أحبوا اليهودَ وودوا النصــــــــــــــــــــارى
فبيع الشعوب لذلك هانـــــــــــــــــــــــــــــا
وأهدوا الحريم إليهم حـــــــــــــــــــــــــلالاً
وأهدوا الحرام إليهم مجـــــــــــــــــــــــــانا
فتبت يدا كل حاكم ســــــــــــــــــــــــــــوء
يباح حماه فيرضى ألهوانـــــــــــــــــــــــا
رعى الله ليث العراق هصــــــــــــــــوراً
يغالب رغم الخطوب عــــــــــــــــــــدانا
فلا يأس من رحمة الله قـــــــــــــــــــط
ولسنا نرى لليأس مكانـــــــــــــــــــــــا
ألا أيها الشبل في الرافديـــــــــــــــــــن
تحدى الصعاب ، تحدى ألزمانــــــــــا
جهادك عين جهادي هنـــــــــــــــــــــا
سيحرز نصراً مبيناً كلانــــــــــــــــــــا
سلام على الرمز" صدام" فهو الزعيم
العظيم.. ويبقى رجانــــــــــــــــــــــــــا
سلام على كل شبل عراقـــــــــــــــــي
دماؤك في النائبات دمــــــــــــــــــــانا
فما دام بين الجوانح نبـــــــــــــــــــض
فلن يستطيب الغزاة حمـــــــــــــــــانا

الجمعة، 16 سبتمبر 2016

سؤال الحضارة في كتابات زكي الميلاد/ بقلم أ.د عبد القادربوعرفة

سؤال الحضارة في كتابات
زكي الميلاد
قرأت كتاب "المسألة الحضارية" للمفكر والباحث السعودي د. زكي الميلاد، وهو كتاب ذو متن عميق وطرح حكيم، يحمل رؤي مستقبلية واعدة عن مستقبل الحضارات والشعوب في ظل فلسفة تعارف الحضارات التي يُنظر لها كبديل لمقولات الصدام.
 حاول الباحث من خلال نصوصه أن يزيل الرؤية التاريخية المتشائمة التي تحاول أن تفسر طبيعة وبنية الحضارات وفق مقولات الصّدام والصراع، واتجه صوب النزعة التفاؤلية التي ترى بأن الحضارات لا تتصارع ولا تتصادم وإنما يجب أن تتعارف فيما بينها لتشكل أمما متجاورة ومتحاورة، فالصدام هو نزعة عرضية بينما التعارف مبدأ وسنة كونية، وتستطيع فكرة " التعارف" تحسين الصور النمطية عن الآخر: " ما يضاعف من أهمية مفهوم تعارف الحضارات وقيمته، في عالمنا المعاصر، هو ما تشتكي منه كل حضارة من أن الصورة المتشكلة عنها، في أذهان الأخرين، هي صورة ناقصة أو مشوهة أو شديدة السطحية." (ص 159)
     ينطلق زكي الميلاد من روح القرآن الكريم وفلسفته المبنية على فكرة سامية تحويها الآية القرآنية الأتية: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.} سورة الحجرات: 13. 
  يتبين من خلال النّص القرآني أن الغاية من الاجتماع البشري بكل أنواعه هو التّعارف لا التّناكر، وذلك لأجل تحقيق واجب التّجاور والذي يقتضي بدوره حضور واجب التّحاور، فالحضارات لم توجد لتتصادم وتتصارع فيما بينها بل لتتلاقح تلاقحا يفضي إلى التكامل البشري، فليست هناك حضارة مكتملة وكاملة بل كل حضارة إلا ويعتريها النقص.
   لا ينفي مبدأ التعارف مبدأ الدفع أو التدافع (الصدام، الصراع) ذلك أن التعارف ينشأ في كثير من الأحيان بعد التّدافع والتّصادم (المغول والعالم الإسلامي)، والفرق بين مفهوم التدافع القرآني ومفهوم الصراع هو أن التدافع يحمل صفة الشرعية في استعمال القوة لدفع الظلم والجور والشر بينما مفهوم الصراع لا يفرق بين طرفي الصراع.
  نعتقد في هذا السياق بأن الحضارات المتعارفة قد تتآلف إن وجدت المسوغات والحوافز والأطر الإنسانية الضامنة لعدم التمييز والتعالي السلبي، كما أن التعارف قد يؤدي في بعض الأحيان إلى التناكر فيحدث تدافع بينهما، وهذه الازدواجية حالة سوية في حركة التاريخ.
        انطلق زكي الميلاد من سؤال مهم ورئيس: اتجاه المستقبل إلى أين؟؟؟ هذا السؤال المهم فرضته التغيرات العالمية المتسارعة، والثورة العلمية المتلاحقة، والتصورات الاستراتيجية والعسكرية الرهيبة التي يصنعها الآخر (الغرب وغيره) بينما العالم العربي والإسلامي يسير خارج حركة التاريخ ويعيش على هامش الحضارة:" في ظل هذه الانتقالات والتحولات الكبرى التي تأثر بها العالم في ملامحه وقسماته، أين نحن في العالم العربي والإسلامي من كل ذلك ؟؟؟ وبأي رؤية ننظر إلى هذه التحولات والتغيرات المتسارعة والمتعاظمة في العالم؟؟ وأين موقعنا؟ ... وهل ندرك فعلا إلى أين نحن نسير؟ وماذا عن المستقبل الذي يقترب منا بسرعة، فهل نحن نقترب منه بالسّرعة نفسها؟ وكيف نبدع مستقبلنا ونكتشف طريق الوصول إليه؟" (ص 14)
   يبدو أن هاجس زكي الميلاد تملك أغلب المفكرين المعاصرين، فالعالم يمر بمرحلة جد صعبة وحرجة، فمقولات الصدام تمهد لإبادة الإنسانية جمعاء تحت مبررات إيديولوجية وآخري عرقية ودينية. ويعتقد زكي الميلاد أن فكرة حوار الحضارات فكرة إنسانية تحمل أبعادا حضارية راقية، حيث تحاول أن ترسم مستقبلا للإنسان العالمي لأجل التّعايش والسّلام المشروط بقيم التّجاور والتّحاور وليس وفق منطق القوة والهيمنة.
    يركز زكي الميلاد على أن النزاعات لا يمكن حلها بالقوة بل بالحوار الذي يتأسس على مواثيق وعقود تتوصل إليها الأمم المتعارفة لتجعلها كمرجعية عامة لحل تناكرها واختلافها، ويجب أن نضيف ضرورة أن يتصل مفهوم التعارف بمفهوم قرآني آخر وهو إصلاح ذات البين، فالتقاتل قد يكون بين طرفيين متعارفين ومتجاورين ومتآلفين لطغيان سمة التناكر في لحظة تاريخية ما، مما يوجب الإصلاح.

    يحمل كتاب المسألة الحضارية رؤية استراتيجية مهمة تهم العالم بأسره، وتهم المسلمين خاصة، لأنها تحاول أن تعيد تجديد علاقة المسلم بالمستقبل والغد، لأن المستقبل تصنعه الأمم فقط التي تؤمن بوجودها ومصيرها ورسالتها، فما أحوجنا اليوم لتأسيس مراكز بحث حول " تعارف الحضارات".

الجمعة، 9 سبتمبر 2016

فلسفة الفعل




  تم صدور كتاب جماعي وسم ب" فلسفة الفعل" إشراف د. عبد العزيز العيادي  وأ. البشير ربوح
  وشاركت فيه بدراسة عنونتها " فلسفة الفعل الماهية والعوائق" من ص 33 إلى ص 60.
مقدمتها:
ينتصر تاريخ الفلسفة إلى فضاء النظر أكثر من فضاء الفعل، ويُعلي من شأن التجريد أكثر من شأن التّجريب، ويُشَّرِف الفلسفة النظرية على حساب الفلسفة العملية. ونتج عن هذه الرؤية المتعالية اعتقاد لدى أغلب الفلاسفة بأن الفلسفةَ تكمن عظمتها في التأمل العقلي الخالص، وأن الأممَ التي تقدس الفعل على النظر لا تدخل جغرافيا الفلسفة، كما اعتقد ذلك كل من هيجل وهيدجر، فهيجل يتصور بأن الشّعوب غير الأوروبية لم تصل إلى مرحلة الكهولة العقلية التي تعبر بعمق عن قوة النظر الفلسفي واكتمال اللّوغس. ثم صنف في المقابل الشعوب غير الأوروبية في مرحلة الطفولة العقلية، ويسوق مثالا على ذلك الأمم الشرقية، بينما الأمم الزّنجية بإفريقيا عنده لم ترتق مداركهم إلى ما فوق الحس، فهم أبعد النّاس عن الفلسفة والتفكير المجرد. ويسير في الاتجاه نفسه، مارتن هيدجر حيث أعلن بكل ثقة فكرة "المركزية الأوروبية" معتقدا بأن الفلسفة أوروبية بالماهية والعرض. 
انتبه إلى هذه المفارقة عبد العزيز العيادي في كتابه "فلسفة الفعل"، حيث نظر إلى العلاقة التاريخية بين النظر والعمل على أنها موطن من مواطن التساؤل الفلسفي:" لقد شكلت علاقة النظر بالعمل والنظرية بالممارسة والفكر بالفعل موطنا من مواطن تساؤل الفلسفة ما تزال توتراته مكررة حتى اليوم ليس في خطابات الفلاسفة وحدهم بل وعند الابستيمولوجين والاثيقيين وحتى السّاسة. والغالب في تباين الإجابات هو القول بأحد السبقيْن، إما سبق الفكر للفعل - وهو ما تتبناه كل المثاليات بما فيها الوضعويات بتنويعاتها التحليلية في اللغة وفي السياسة - أو بأسبقية الفعل على الفكر وهو ما تقول به الماديات سواء كانت ميتافيزيقية أو موضوعانية، أو جدلية، ولعل الحال في هذه الصراعات هو حال الفلسفة وقد أصابها شلل نصفي قليلا ما تعافت منه طيلة تاريخها، هذا الشلل النصفي لا يطال علاقة الفكر بالفعل وحدها بل علاقة الإنسان بالعالم وعلاقة الفردي بالجماعي، وعلاقة النفس بالجسد، وعلاقة لغة الفلسفة ذاتها بغيرها من ضروب التعبير كيف تستبعدها باسم الحصانة أو الصرامة أو علو المنزلة وما أعطاها ذلك إلاّ خسارا."[1]
 رافع عن هذا الشطط الفلسفي كثير من الفلاسفة، فأرنست باركرErnest Barker يعتقد بأن الفلسفة النظرية لم تنشأ إلا في الفضاء اليوناني باعتبارها تتطلب بلازما خاصة، ويعني أن أصل الفكر مرتبط بالعقلانية الهادئة والواضحة للفكر اليوناني، فبدل أن يلقي اليونانيون بأنفسهم في دائرة الدين، ويروا هذا العالم بعبارات إيمانية كما فعلت شعوب الهند ويهودا، اتخذوا مواقعهم في مملكة الفكر.[2]
      دافع جون جاك شوفاليه على فكرة باركر، بل أضاف في زعمه دليلا آخر على علو شأن النظر وتميّز اليونان على غيرهم من الشعوب، ويبدو ذلك من خلال الفقرة الآتية:" لقد هيأت الملكة العقلانية العجيبة لدى اليونانيين، وسمحت وهي تمارس على قضايا المدينة من حيث: أسسها وأخلاقها ومؤسستها وأمراضها المحتملة وعلاجاتها، بظهور تلك الصروح في الأدب السياسي العالمي، المتمثلة بأعمال أفلاطون وأرسطو."[3]
  تعتبر هذه الأحكام القاسية منذ عهد أفلاطون* إلى يومنا من أكبر العوائق التي لم تجعل الفلسفة العملية تتقدم وتتطور، ونستثني من ذلك العلم المدني (السّياسة والأخلاق) بالتّعبير الأرسطي الذي شهد تقدما معتبرا.
تخبرنا المدونات اليونانية أن اليونان كانوا يحتقرون العمل ويقدسون النظر، فالعمل كلفت الآلهة به العبيد فقط، وهذا ما عبر عنه أرسطو حين قال لا يمكن للمغازل أن تتوقف ما دام هناك عبيدا يحركونها بأيدهم. ولقد سار على تلك النظرة المتعالية المفكر الفرنسي أرنست رينان حين صرح بأن: "الطبيعة خلقت عرق (الشغيلة) إنه العرق الصيني ذو المهارة اليدوية المدهشة دون الإحساس بالمهانة من العمل. أحكموه بالعدل فسوف يكون راضيا، ثم خلقت عرق (عمال الأرض) إنه العرق الزنجي كن معه طبيا وإنسانيا وسوف تجرى الأمور كما ينبغي."[4]
  ومن زاوية أخرى، نعت جلّ فلاسفة الغرب الفكر الشرقي بالحكمة لا بالفلسفة، معتبرين إياها مجرد حكمة عملية لا ترقى إلى الحكمة النظرية، لأن الإنسان الشرقي ارتبط بالتراب أكثر من ارتباطه بالسّماء، فالارتباط بالتراب يجعل الإنسانَ يتأمل ما تحت قدميه فحسب، بينما من يرتبط نظره بالسّماء يجنح نحو التأمل العقلي الخالص. وعلى حسب تلك النظرة، فإن جل الحضارات التي نشأت على ضفاف الأنهار اتسمت بتقديس العمل على النظر، فالعمل هو القاعدة والأساس بينما الفكر يأتي في المرتبة الثانية من أجل ترشيد الفعل وتصويبه، فالتجربة هي محاولة اختبار العمل من حيث تطابقه مع الواقع المتصور. ويُفسر كل من باركر وشوفاليه ذلك بظاهرة الانفعال، فالشعوب الشرقية عاطفية ومنفعلة، في حين أن مملكة الفكر تتولد من رحم الهدوء وعدم الانفعال. 



[1]- العيادي، عبد العزيز، فلسفة الفعل، منشورات دار نهى للطباعة والنشر، تونس، ط1، 2007، ص ص 7، 8.
[2]- جان جاك، شوفاليه، تاريخ الفكر السياسي، ترجمة محمد عرب صاصيلا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط 1، 1998، ص14.
[3] - المرجع نفسه، ص27.
*-  ردّ ابن رشد على أفلاطون بأن الفلسفة تتوزع ولا تتوقع. راجع كتاب الضروري في السياسة.
[4]- أنظر: بن نبي، مالك، القضايا الكبرى، ص ص 77، 78.