الجمعة، 23 أكتوبر 2026

الاحتباس الحضاري ومصير العالم

أ. د. عبد القادر بوعرفة

الجزائر – جامعة وهران 2

 نحتُّ مفهوم "الاحتباس الحضاري" منذ العام 2006، حين لاحظتُ ما بينه وبين "الاحتباس الحراري" من تماثل مأساوي في المآلات. فإذا كان الاحتباس الحراري يهدد الطبيعة بانفجارات مناخية وزلازل بيئية، فإن الاحتباس الحضاري يُهدد الإنسان ذاته، في جوهره ومصيره، إذ تتوقف فيه حركة الأفكار، ويُشلّ فيه التفاعل بين الحضارات، ويخمد فيه وهج الإبداع والمعنى، ليحلّ محله الصدام والتكلس، والانكفاء على الذات. إنّه انسداد في المسارات الكبرى للتاريخ، حيث تفقد الحضارات قدرتها على تجاوز أزماتها، وتتعطل قدرتها على استيعاب التعدد والاختلاف، فيتحول التنوع إلى تهديد، والتقاطع إلى تصادم، والحوار إلى سلاح.

لقد دشنت الألفية الثالثة بفرضيات الصدام لا التواصل، ومن أشهرها أطروحة صامويل هنتنغتون حول "صدام الحضارات"، والتي لا تعدو أن تكون تحويرًا جديدًا لمقولات الصراع الهيغلي والجدل الماركسي، ولكن دون أمل في التركيب أو الانفراج. فإذا كان هيغل قد نظر إلى الصراع كحركة جدلية تتولد عن التناقض بين الأفكار، وتنتهي إلى مصالحة عقلية في صورة مركب أعلى، فإن الصدام كما صوّره هنتنغتون لا يسعى إلى تجاوز بل إلى تغليب، ولا يستند إلى العقل بل إلى القوة، ولا ينفتح على الاعتراف بالآخر بل يدعو إلى استبعاده أو تدجينه. في النسخة الهيغلية، الصراع سبيل للتعالي والتقدم؛ في النسخة الهنتنغتونية، هو طريق للتدمير ووسيلة لضبط العالم بمنطق أمني غربي.

العنف، إذًا، لم يعد انحرافًا عن العقل، بل غدا جزءًا من منطق التاريخ المعاصر. في الفلسفة الأفلاطونية، العنف هو انزلاق القوة الغضبية في النفس نحو نزع الاعتراف من الآخر بالقهر، حيث يُعاد تأويل السيطرة على أنها بطولة، والمجد على أنه قدرة على الإخضاع. إنه شكل مرضي من نرجسية التفوق، تمارسه القوى المهيمنة بذريعة الحفاظ على النظام، في حين أنه في حقيقته نفيٌ ممنهج للآخر المختلف.

غير أن العنف لا يمضي دون أثر، إذ يولّد عنفًا مضادًا، وتلك هي إحدى مفارقات التاريخ، فالشعوب المقهورة، والفئات المهمشة، والذاكرة الجريحة، كلها تبحث بدورها عن اعتراف، ولكن بلغة المقاومة، أحيانًا عنيفة، فيكون التاريخ مسرحًا لصراع تأويلي: عنف يوصف بأنه مشروع لأنه صادر عن "النظام"، وعنف يُجرّم لأنه صادر عن "الهامش". وما هو مشروع وما هو مدان لا يُحدده القانون بل القوة، ولا يُفصل فيه العقل بل الخطاب المسيطر. هكذا تتحول فلسفة الحق إلى فلسفة استثناء، ويُقلب الفاعل إلى مفعول، ويُختزل العدل في منطق المنتصر.

لقد شكّل مشروع هنتنغتون وفوكوياما صورة صادمة لهذا المنعطف الحضاري، فالأول قدّم نظرية هي، في جوهرها، سردية أمنية موجهة، رتّبتها النخبة المخابراتية الأمريكية في صيغة أكاديمية، لتخدم مشروع الأمركة الذي دشّنه هاري ترومان سنة 1947 بشعار "ملء الفراغ"، وهو الفراغ الذي تركته القوى الاستعمارية التقليدية لتملأه الهيمنة الجديدة. والثاني، فوكوياما، أعلن في لحظة نرجسية "نهاية التاريخ" بانتصار الليبرالية، متوهمًا أن الإنسانية بلغت منتهاها، فيما كانت الأحداث تبرهن على العكس تمامًا: تصاعد الأصوليات، وانهيار الأنظمة، وتنامي الخوف، وانبعاث الهويات من رماد القهر.

كل هؤلاء، ومعهم كيسنجر ودوائر "الاحتواء"، أعادوا تشكيل العالم على هيئة يَسود فيها من يملك القمح أو النفط، ومن يتحكم في العقول أو المنصات، وجعلوا من الدولة الليفياثانية أنموذجًا، ومن السيطرة هدفًا، ومن التاريخ أداة لفرض الإرادة. في هذا السياق، يتجلى مفهوم "الاحتباس الحضاري" في أقصى درجاته، حيث العالم مغلق على ذاته، لا يتحرك إلا نحو مزيد من التشنج، ولا يفكر إلا بلغة المصلحة والقوة، حيث  لا مشاريع كبرى، ولا آفاق للتعايش، ولا معنى للإنسان.

غير أن النص القرآني، بخلاف هذه الرؤية التشاؤمية، قدّم مفهومًا مغايرًا في جوهره، هو "التدافع". التدافع ليس صراع إبادة، ولا صدام قهر، بل هو حركة توازن تحفظ للأرض صلاحها، وتمنع الغلبة المطلقة لأي طرف. ولعلّ هذا المفهوم يجد صداه في قانون التداول العصبي عند ابن خلدون، وفي جدل النقائض عند هيغل، وحتى في إرادة القوة النيتشوية إن نزعنا عنها طابعها العدمي. التدافع لا يلغي الآخر، بل يضبط حركته، ويجعل من الصراع قوة دفع لا قوة هدم. إنه العنف الأخلاقي المشروع، أو بعبارة أدق، هو المقاومة الواعية.

من هذا المنطلق، فإن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من النظريات التبريرية، بل إلى مشروع حضاري يعيد للإنسان معناه، ويواجه الاحتباس القيمي بمفاهيم نابعة من التجربة الحضارية للشعوب. أوروبا انتجت "الأوْرَبة" كرد على الأمركة. أما نحن، فيمكن أن نقترح "العَوْربة" كمفهوم تأصيلي جامع، أو "الأسلمة" الحضارية لا السّياسية، أو الانخراط في أفق شرقي أوسع بمسمى "الشرقنة"، كما تلمّس ذلك مالك بن نبي في مشروعه الأفرو-آسيوي. المهم أن نكفّ عن استهلاك مفاهيم الغير، وأن نبدأ بتوليد مفاهيمنا، من تجربتنا، ومن نصوصنا، ومن جراحنا.

الاحتباس الحضاري لن يُفكّ إلا إذا فكّكنا منطق السيطرة من الداخل، وحررنا العقل من هيمنة الواحد، والهوية من سطوة الاستعلاء. وهذا لا يكون إلا بفلسفة جديدة تنبع من صميم التعدد، وتنحاز إلى الإنسان بوصفه غاية، لا وسيلة. يومها فقط، يمكن أن نستعيد المعنى في عالم يسير سريعًا نحو نهاياته، ولكن ربما لا يزال في الأفق بصيص نجاة.

الجمعة، 25 فبراير 2022


الظاهرة الاجتماعية في فكر مالك بن نبي

-نقد المفاهيم والبراديغم والمنهج-

The social phenomenon in the thought of Malek Bennabi

Critique the concepts, paradigms, and Method.

                                                                أد/ عبد القادر بوعرفة

                                                                     جامعة وهران2

قبل أن أتحدث عن موضوع "الظاهرة الاجتماعية" في فكر مالك بن نبي، من خلال تحليلها وبسطها، ثم عرض أهم الانتقادات التي ارتأيت توجيها له، يجب الحديث قبلها عن أهم الظواهر التي اختص مالك بن نبي بدراستها، حيث كانت "الظاهرة القرآنية" أول ظاهرة انطلق منها لفهم ودراسة الذّات الإسلامية مقارنة مع الذّات الغربية بالخصوص، التي أراد بواسطة القول بأن القرآن الكريم يُمثل حقلا معرفيا يجب إعادة دراسته من جديد، وبأدوات الحاضر، فكلما قُرأ القرآن قراءةً علميةً جديدةً تجلت للأمة قيمه المخزونة، وتَكشَّفت كنوزه المخفية.

     يريد بأبسط العبارات وأقصر الجمل القول بأنه مثلما انطلقت الحضارة الإسلامية الأولى من كلمة "اقرأ" القرآنية فإنه يتحتم على الحضارة الإسلامية في دورتها الثانية أن تنطلق من القرآن ذاته ومن الآية نفسها. إن هدف بن نبي من "الظاهرة القرآنية" هو تجديد الصلة بكتاب الله، وفق رؤية معاصرة للقرآن الكريم، وقد حدد هو نفسه ذلك في قوله: " وهو منهج يحقق من الناحية العملية هدفاً مزدوجاً هو:

1 - أنه يتيح للشباب المسلم فرصة التأمل الناضج في الدين.

2 - وأنه يقترح إصلاحاً مناسباً للمنهج القديم في تفسير القرآن.

وهذه المهمة وتلك ترجعان إلى أسباب مختلفة، يتصل بعضها بالتطور الثقافي الذي حدث في العالم الإسلامي بصورة عامة، وبعضها يرجع إلى عنصر آخر، يمكن أن نسميه (تطور نظرتنا في مشكلة الإعجاز) بصورة خاصة."[i]

    إن كتاب "الظاهرة القرآنية" جعله مالك بن نبي مدخلا لتغيير الواقع الحضاري المنتكس للعالم الإسلامي، وأراد من خلاله الوصول إلى أمرين رئيسين، الأول هو تنوير المسلم بالمخزون القرآني القيم والثمين، الذي دفنته التفاسير القديمة، وسُيّج في كثير من الأحيان بالخرافات والإسرائيليات، وأصبح القرآن كتاباً مهجوراً وإن كان مقروءا، لأن قراءة القرآن دون تدبر لمعانيه وعدم العمل بمقتضاه هو هَجر للقرآن هُجرانا كبيرا. والأمر الثاني هو تثوير الذّات المسلمة بعد تنويرها لتُحدث الانقلاب التّاريخي للمرة الثانية بعد ما أحدثه النّبي (ص)، يقول مالك: "ومن المعلوم أن كل مجتمع يحتوي مشكلة أفكار دارجة محرك الجماهير، كما يحتوي مشكلة أفكار علمية تخص المثقفين، وكما أن هذه تحدد لدى القادة والعلماء حلولا نظرية لبعض المشكلات، فإن تلك تحدد السلوك العملي للجماعات إزاء هذه المشاكل التي تصادفهم في الحياة، ففي العالم الإسلامي توجد الآن طبقة مثقفة مقتنعة بحركة الأرض، ولكن هناك جمهورا كبيرا من الدّراويش، وشعبا من الجهال من كل نوع يصر على اعتقاده (بأن الأرض ساكنة تحملها العناية على قرن ثور). وهذه الفكرة الدارجة قد تؤثر في توجيه التاريخ أكثر من الفكرة العلمية، لأنها تستند إلى خُرافة مفسر غير موفق يرى الأرض على قرن ثور."[ii]

   تعتبر الظاهرة القرآنية أول محطة دشنها مالك بن نبي في معركته الحضارية ضد جبهتين، أولهما جبهة إنسان ما بعد الموحدين، والذي تحول بعد خروجه من الحضارة إلى مجرد كتلة من اللّحم تتحرك في أزقة الماضي السحيق، فأهملت حاضرها، وغفلت عن التفكير في مستقبلها، فأصيبت بسبات حضاري رهيب، والذي حوّل العلوم الدينية إلى علوم ميّتة. وثانيها جبهة الاستحمار الغربي بالخصوص، والذي يريد أن يحافظ على الوضع كما هو، وأن يُطيل زمن السُّبات.

      ومن أهم الظواهر التي تعرض لها أيضا الظاهرة الاقتصادية، والتي تحدث عنها في كتاب "المسلم في عالم الاقتصاد"، قدم بعمق الكيفية والطرق التي يجب أن يتعامل بها المسلم في القرن العشرين مع "عالم الأشياء"، ذلك أن الاقتصاد (المُعاش) له دورٌ كبيرٌ في بناء المجتمعات والدول، من خلال توفير عالم الأشياء الذي يحتاجه عالم الأشخاص بعد أن اكتسب عالم الأفكار.

    وسنركز في هذه الدّراسة على دراسة "الظاهرة الاجتماعية" دراسة نقدية، إيمانا منا بأن مالك بن نبي يجب حين دراسته أن نتجاوز مقامات التقريظ والمدح، وأن نتجاوز مقامات العرض والبسط، لأن مالكاً عاش لحظة تاريخية انقضت ومضت، وهو ذاته كان يكره أن يتحول المفكر والزعيم إلى وثن. إن الكاتب لن يخلد اسمه إلا بالنقد: "إن الكَاتبَ لا يحي ولا يُخَلَّدُ إلا من خلال القراءة النّقدية التّجاوزية، فكلما كثر النّقد لنصه كثرت مجالات تواجده واستمرار حياته المعنوية."[iii]



[i] - بن نبي، مالك، الظاهرة القرآنية، تر: عبد الصبور شاهين، دار الفكر المعاصر، بيروت، لبنان، ط4، 1987، ص ص: 53، 54.

[ii] - المصدر نفسه، ص: 58.

[iii] - بوعرفة عبد القادر وآخرون، تأملات في فكر مالك بن نبي، دار القدس العربي، الجزائر، ط1، 2014، ص:31.

الأربعاء، 28 أكتوبر 2020

 Victor Hugo chante le prophète de l'Islam

ترجمة عبد الكريم الوزاني

فيكتور هيجو 1802 – 1885

الشاعر والكاتب والمسرحي والروائي والسياسي الفرنسي الأكثر أهمية وشهرة في القرن التاسع عشر الميلادي .

من قصائده المشهورة " أوراق الخريف" ( 1835) " تأملات" (1856) " أسطورة القرون" (1859 – 1877)

ومن أعماله العملاقة "نوتر دام دي باري" (1831) والبؤساء (1862)

وقصيدته " السنة التاسعة للهجرة" (1858) تعد من أروع ما أنشد شاعر غربي في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم

تنويه: هذه القصيدة كتبت عروضيا على نمط الوزن الأسكندراني باثني عشر مقطعا. آثرت أولا ترجمتها عروضيا... ونظرا للغتها الفرنسية المتزاحمة المعاني على شاكلة عصر هيجو، أعدت ترجمتها كي يستقيم المعنى ما دام الشاعر هيجو في هذه القصيدة لم يستطع التخلص من مسيحيته وهو ما نلاحظه من خلال العبارات الواردة في القصيدة بالرغم من قراءته على ما يبدو لخطبة حجة الوداع.

*انظر خطبة الوداع صحبته موثقة من طرف المعهد الدولي لحقوق الإنسان بجامعة دي بول شيكاغو. الولايات المتحدة الأمريكية

*يتخلل النص الفرنسي الأصلي ــ الترجمة العربية المقترحة

Comme s’il pressentait que son heure était proche,

كمن خالجه الإحساس بدنوّ الموت منه.

Grave, il ne faisait plus à personne une reproche ;

فلم يُنْحِ أبداً باللاّئمة على أحد مهما كان.

Il marchait en rendant aux passants leur salut ;

مشى وهوّ يردّ على تحيّة العابرين بمثلها.

On le voyait vieillir chaque jour, quoiqu’il eût

A peine vingt poils blancs à sa barbe encore noire ;

ويوماً عن يوم خط الشيب سواد شعر لحيته.

Il s'arrêtait parfois pour voir les chameaux boire,

توقّف وهو يرى النوق تطفيء غلتها في الماء

Se souvenant du temps qu’il était chamelier.

كمن يتذكرّ ماضيّه إبّان رحلاته صحبة القوافل.

Il semblait avoir vu l’Eden, l’âge de d’amour,

بدا وكأنّه يرى زمن الحبّ في جنّات عدن

Les temps antérieurs, l’ère immémoriale.

وفي العهود السالفة التي لا تنسى.

Il avait le front haut, la joue impériale,

كان عاليّ الجبين، خدّاه ملائكيّان.

Le sourcil chauve, l’œil profond et diligent,

حاجباه غير كثيفين وعيناه عميقتان.

Le cou pareil au col d’une amphore d’argent,

عنقه أشبه شيء بمحبقة زهور فضيّة.

L’air d’un Noé qui sait le secret du déluge.

سَمْتُ نُوحٍ ذلك العارف بسرّ الطوفان.

Si des hommes venaient le consulter, ce juge

حاكم إذا احتكم إليه رجلان فإنّه بهيبته

Laissait l’un affirmer, l’autre rire et nier,

يترك المُدان معترفاً والمتضرّر مطمئنّاً

Ecoutait en silence et parlait le dernier.

يصغي بصمت ولا يتكلّم إلاّ آخر المتكلّمين.

Sa bouche était toujours en train d’une prière 

لا يجري على لسانه دائما غير ذكر الله.

Il mangeait peu, serrant sur son ventre une pierre 

قليل الميل إلى الطعام. يشدّ الحزام على بطنه.

Il s’occupait de lui-même à traire ses brebis 

يسهر بنفسه على حلب نعاجه.

Il s’asseyait à terre et cousait ses habits.

يجلس على الأرض ويرتّق ثيّابه.

Il jeûnait plus longtemps qu’autrui les jours de jeûne

كثير الصوم خارج الأيّام الرمضانيّة،

Quoiqu’il perdît sa force et qu’il ne fût plus jeune.

لهذا ضعفت قوّته حتّى كأنّه غير شاب.

A soixante-trois ans une fièvre le prit.

داهمته حمّى وهو ذو ثلاثة وستّين عاماً

Il relut le Coran de sa main même écrit,

قرأ القرآن وبيده كتبه

Puis il remit au fils de Séid la bannière,

ثمّ أسلم البيْرق إلى "ابن السيد"

En lui disant : ' Je touche à mon aube dernière.

قائلا له: أنا قريب من فجريّ الأخير.

Il n’est pas d’autre Dieu que Dieu. Combats pour lui.

ليس هناك من إله إلاّ الله فجاهد من أجله.

Et son œil, voilé d’ombre, avait ce morne ennui

وبما أن ظلاًّ حجب النظر عن عينه كان

D’un vieux aigle forcé d’abandonner son aire.

شبيهاً بنسر عجوز مرغم على هجران الطيران.

Il vint à la mosquée à son heure ordinaire,

أتى إلى المسجد في الوقت العاديّ

Appuyé sur Ali le peuple le suivant ;

متكئاً على عليّ ووراءه أنصاره

Et l’étendard sacré se déployait au vent.

بينما يخفق البيْرق المقدّس تُحرّكه الريح.

Là, pâle, il s’écria, se tournant vers la foule ;

متعباً شاحباً اِلتفت الى الجموع.

' Peuple, le jour s’éteint, l’homme passe et s’écroule 

أيّها الناس. النهار إلى انطفاء والإنسان إلى زوال

La poussière et la nuit, c’est nous. Dieu seul est grand.

نحن كالغبار وكالليل، والله وحده الأكبر.

Peuple je suis l’aveugle et suis l’ignorant.

أيّها الناس، أنا الجاهل وأنا الأعمى

Sans Dieu je serais vil plus que la bête immonde.

بدون إله لن أكون غير كائن من كائنات الغاب.

Un cheikh lui dit : ' o chef des vrais croyants ! le monde,

قال له شيخ: "يا أمير المؤمنين الحقيقيّن: إنّ العالم

Sitôt qu’il t’entendit, en ta parole crut ;

بمجرّد ما يسمع قولك يومن به

Le jour où tu naquit une étoile apparut

ففي يوم ميلادك أشرق نجم

Et trois tours du palais de Chosroès tombèrent.

وتهدّمت ثلاثة أروقة من إيوان كسرى".

Lui, reprit : ' Sur ma mort les Anges délibèrent ;

وتابع قوله: قد تداول الملائكة شؤون موتي

L’heure arrive. Ecoutez. Si j’ai de l’un de vous

الساعة دقّت. أنصتوا. إذا كنت قد ذكرت أحدكم بسوء

Mal parlé, qu’il se lève, ô peuple, et devant tous

فليقف أمامي وليسبّني وليشهّرْ بي أمام الجميع

Qu’il m’insulte et m’outrage avant que je m’échappe

قبل أن تفيض روحي.

Si j’ai frappé quelqu’un, que celui-là me frappe.

وإذا كنت قد اعتديت على إنسان فليقف ويعتد عليّ.

Et, tranquille, il tendit aux passants son bâton.

وهادئاً يشهر على المارّة عصاه.

Une vieille, tondant la laine d’un mouton

عجوز تجزّ صوف خروف

Assise sur un seuil, lui cria : ' Dieu t’assiste !

جالسة على عتبة قالت له صائحة : "أعانك الله".

Il semblait regarder quelque vision triste,

بدا وكأنّه رأى رؤيا حزينة

Et songeait ; tout à coup, pensif, il dit : ' voilà,

ومباشرة تأمّل كمن يفكّر وقال: انظروا كلّكم:

Vous tous, je suis un mot dans la bouche d’Allah 

أنا كلمة على لسان الله.

Je suis cendre comme homme et feu comme prophète.

أنا رماد كإنسان ونار كنبيّ.

J’ai complété d’Issa la lumière imparfaite.

أنجزت ما بقيّ غير كامل من نور عيسى.

Je suis la force, enfants ; Jésus fut la douceur.

أنا القوّة وطفلاً كان عيسى صاحب السلوك الحلو.

Le soleil a toujours l’aube pour précurseur.

كان الفجر للشمس رديفاً.

Jésus m’a précédé, mais il n’est pas la Cause.

سبقني عيسى ولم يكن السبب

Il est né d’une Vierge aspirant une rose.

بل كان ابن عذراء يفوح منها عطر زهرة.

Moi, comme être vivant, retenez bien ceci,

احفظوا ما أقول جيّداً، أنا لست إلاّ مخلوقاً حيّاً

Je ne suis qu’un limon par les vices noirci 

ما أنا إلاّ طميٌ متكوّن من سوابق مسودّة،

J’ai de tous les péchés subi l’approche étrange ;

لقد عانيت من فرط الذنوب كلّ أنواع الضنى

Ma chair a plus d’affront qu’un chemin n’a de fange,

ليس لإهابي من ميزة غير طريق لا دليل لها

Et mon corps par le mal est tout déshonoré ;

وجسدي بالشر ملوّث.

O vous tous, je serais bien vite dévoré

يا أنتم عن قريب سوف أصبح سهل الالتهام

Si dans l’obscurité du cercueil solitaire

وأنا في ظلام النعش وحيد

Chaque faute engendre un ver de terre.

كلّ خطإ تتولّد عنه دُودة تراب.

Fils, le damné renaît au fond du froid caveau

إنّ المعذّب في عمق مغارة باردة

Pour être par les vers dévoré de nouveau ;

ولد من أجل أن يكون من جديد غذاء لدُود الأرض،

Toujours sa chair revit, jusqu’à ce que la peine,

أبداً يتجدّد إهابه إلى حدّ أن الشقاء النهائيّ

Finie ouvre à son vol l’immensité sereine.

يفتح المدى الصاحيّ أمام تحليقاته.

Fils, je suis le champ vil des sublimes combats,

أبنائي، ما أنا إلاّ حقل وضيع تجري فيه معارك ساميّة

Tantôt l’homme d’en haut, tantôt l’homme d’en bas,

حيناً يعلو فيه الإنسان وحيناً آخر يسفل فيه.

Et le mal dans ma bouche avec le bien alterne

الشرّ على لساني يوازيه الخير.

Comme dans le désert le sable et la citerne ;

شبيه بالصحراء تجمع بين الرمال والآبار،

Ce qui n’empêche pas que je n’aie, ô croyants !

الشيء الذي لا يمنع من أنّني ولدت يا أيّها المؤمنون

Tenu tête dans l’ombre au x Anges effrayants

لأجابه في الظلّ ملائكة مرعبين

Qui voudraient replonger l’homme dans les ténèbres ;

يريدون إعادة إغراق الإنسان في الدياجير،

J’ai parfois dans mes poings tordu leurs bras funèbres ;

أحياناً تكون قبضتا يديّ ملتويّتين وساعداهما ميّتتين.

Souvent, comme Jacob, j’ai la nuit, pas à pas,

وشبيهاً بيعقوب، كثيراً ما كنت خطوةً إثر خطوة

Lutté contre quelqu’un que je ne voyais pas ;

أقاوم في الليل إنساناً لا أراه،

Mais les hommes surtout on fait saigner ma vie ;

ولكن الناس على الأخصّ هم من تسبّبوا في نزيف حياتي،

Ils ont jeté sur moi leur haine et leur envie,

فقد انقضّوا عليّ وأثقلوني بكراهيّتهم وشراهتهم،

Et, comme je sentais en moi la vérité,

وبما أنّني أحسست بالحقيقة في ذاتي

Je les ai combattus, mais sans être irrité,

فإنّني قاومتهم دون أن أصاب بسوء،

Et, pendant le combat je criais : ' laissez faire !

وأثناء المعركة صرخت: اتركوه يفعل.

Je suis le seul, nu, sanglant, blessé ; je le préfère.

أنا الوحيد العاري الدامي المجروح: أنا أفضّل ذلك.

Qu’ils frappent sur moi tous ! Que tout leur soit permis !

ليضربني أعدائي كلّهم وليكن مسموحاً لهم بفعل كلّ شيء.

Quand même, se ruant sur moi, mes ennemis

فهم مهما يكن الأمر أعدائي الذين يتّجهون صوبي

Auraient, pour m’attaquer dans cette voie étroite,

من أجل أن يهاجموني في هذا الدرب الضيّق

Le soleil à leur gauche et la lune à leur droite,

الشمس على يسارهم والقمر على يمينهم

Ils ne me feraient point reculer ! ' C’est ainsi

إنّهم لم يستطيعوا إجباري على التقهقر. هكذا

Qu’après avoir lutté quarante ans, me voici

وبعد كفاحي مدّة أربعين عاماً ها أنذا

Arrivé sur le bord de la tombe profonde,

قريب من وهدة القبر العميق

Et j’ai devant moi Allah, derrière moi le monde.

وأمامي الله وخلفيّ العالم.

Quant à vous qui m’avez dans l’épreuve suivi,

أما أنتم يا من وضعتموني موضع اختبار

Comme les grecs Hermès et les hébreux Lévi,

مثل "هرامسة" الإغريق و"لاوي" العبريّين

Vous avez bien souffert, mais vous verrez l’aurore.

فقد عانيتم الألم، لكنكمّ ستشاهدون الشروق.

Après la froide nuit, vous verrez l’aube éclore ;

بعد الليل البارد، سترون الصبح يتفتّح.

Peuple, n’en doutez pas ; celui qui prodigua

أيّها الناس لا تشكّوا في هذا، فالذي جاد

Les lions aux ravins du Jebbel-Kronnega,

بالسباع على خندق الجبل الشامخ

Les perles à la mer et les astres à l’ombre,

وباللؤلؤ على البحار وبالنجوم على الظلال،

Peut bien donner un peu de joie à l’homme sombre. '

لقادر على منح قليل فرح إلى الإنسان الكالح،

Il ajouta ; ' Croyez, veillez ; courbez le front.

وأضاف قائلاً: آمنوا. تمنّوا. طأطئوا الجباه،

Ceux qui ne sont ni bons ni mauvais resteront

فالذين ليسوا أخياراً ولا أشراراً سيبقون

Sur le mur qui sépare Eden d’avec l’abîme,

محاصرين بالسور الفاصل بين الجنّة والنار،

Etant trop noirs pour Dieu, mais trop blancs pour le crime ;

لأنّهم قاتمو السواد عند الله وشديدو البياض عند اقتراف الجريمة.

Presque personne n’est assez pur de péchés

إنّه ليس هناك إنسان منزّه عن ارتكاب الخطايا

Pour ne pas mériter un châtiment ; tâchez,

فلا يستحق العقاب. حاولوا

En priant, que vos corps touchent partout la terre ;

وأنتم تصلّون أن تجعلوا أجسادكم تلمس كلَّ أنحاء الأرض

L’enfer ne brûlera dans son fatal mystère

فالنار لن تحرق بأسرارها القدريّة

Que ce qui n’aura point touché la cendre, et Dieu

غير الذين لم يمسّوا الرماد، والله

A qui baise la terre obscure, ouvre un ciel bleu ;

بسط الأرض المظلمة وفتح سماء زرقاء.

Soyez hospitaliers ; soyez saints ; soyez justes ;

كونوا كرماء. كونوا أتقياء. كونوا عادلين.

Là-haut sont les fruits purs dans les arbres augustes,

في الأعالي هي الفواكه الخالصة سليلة الأشجار المهيبة

Les chevaux sellés d’or, et, pour fuir aux sept dieux,

والجيّاد سُرُوجُها ذهبيّة، ولكي تـنأون عن الآلهة السبع

Les chars vivants ayant des foudres pour essieux ;

فإن المدرّعات الحيّة ليس في أحشائها غير حمم صاعقة،

Chaque houri, sereine, incorruptible, heureuse,

كلّ حوريّة، صاحيّة مطمئنّة سعيدة

Habite un pavillon fait d’une perle creuse ;

تسكن مقصورة بنيّت من جمانة مجوّفة،

Le Gehennam attend les réprouvés ; malheur !

أمّا جهنّم فهيّ في انتظار الأشقيّاء المدانين.

Ils auront des souliers de feu dont la chaleur

ينتعلون نعالاً ناريّة حرّها

Fera bouillir leur tête ainsi qu’une chaudière.

يغْلي رؤوسهم غليان فرن.

La face des élus sera charmante et fière. '

بينما وجوه الصالحين رائعة ومعتزّة بنفسها.

Il s’arrêta donnant audience à l’espoir.

توقّف متيحاً فرصة الكلام إلى الأمل.

Puis poursuivant sa marche à pas lents, il reprit :

ثمّ وهوّ يتابع سيره بخطىً بطيئة قال:

' O vivants ! Je répète à tous que voici l’heure

أيّها الأحياء أقرّ للجميع بأنّ دُنُوّ الساعة التي

Où je vais me cacher dans une autre demeure ;

سأكون فيها ضيفاً على سكن آخر.

Donc, hâtez-vous. Il faut, le moment est venu,

إذن عجّلوا، فهذه هيّ اللحظة الموعودة

Que je sois dénoncé par ceux qui m’ont connu,

التي تسنح للذين فضحوني عن طريق الذين عرفوني

Et que, si j’ai des torts, on me crache aux visages. '

بأنّني إذا ارتكبت خطأً فليبصقوا في وجهي.

La foule s’écartait muette à son passage.

انفرط الجمع صامتين عند مروره

Il se lava la barbe au puits d’Aboufléia.

بلّل لحيته بماء بئر "أبوفيليّة".

Un homme réclama trois drachmes, qu’il paya,

طالبه رجل بثلاثة دراهم دفعها قائلا:

Disant : ' Mieux vaut payer ici que dans la tombe. '

خير لي أن أؤديّها هنا من أن أؤديّها في القبر.

L’œil du peuple était doux comme un œil de colombe

كانت عيون الحاضرين عذبة كما لو أنّها عينا حمامة.

En le regardant cet homme auguste, son appui ;

Tous pleuraient ; quand, plus tard, il fut rentré chez lui,

بكوا جميعاً لمّا رأوه بعد ذلك يدخل إلى بيته

Beaucoup restèrent là sans fermer la paupière,

كثير منهم لزموا المكان دون أن يغمض لهم جفن

Et passèrent la nuit couchés sur une pierre

قضوا الليل نائمين على الأرض

Le lendemain matin, voyant l’aube arriver ;

وفي الغد عندما طلع النهار

' Aboubékre, dit-il, je ne puis me lever,

ذكر أبو بكر أنّ محمّداً لم يستطع أن يقوم من فراشه

Tu vas prendre le livre et faire la prière. '

وقال له: خذ المصحف وأقم الصلاة

Et sa femme Aïscha se tenait en arrière ;

تراجعت زوجته عائشة إلى الوراء

Il écoutait pendant qu’Aboubékre lisait,

ومحمّد ينصت إلى ترتيل أبي بكر

Et souvent à voix basse achevait le verset ;

وكان غالبا ما يخفض صوته عن نهاية الآية

Et l’on pleurait pendant qu’il priait de la sorte.

شوهد محمّد يبكي وأبو بكر يرتّل بهذه الطريقة.

Et l’Ange de la mort vers le soir à la porte

كان ملاك الموت عند المساء وراء الباب.

Apparut, demandant qu’on lui permît d’entrer.

أهلّ طالباً أن يسمح له بالدخول.

' Qu’il entre. ' On vit alors son regard s’éclairer

ليدخل، بدا نظر النبيّ يشعّ

De la même clarté qu’au jour de sa naissance ;

بنفس الإشعاع الذي كان له يوم ميلاده.

Et l’Ange lui dit : ' Dieu désire ta présence.

فقال له الملاك: يريد الله حضورك.

- Bien ', dit-il. Un frisson sur les tempes courut,

قال النبيّ نعم. رعشة علت صدغيه

Un souffle ouvrit sa lèvre, et Mahomet mourut.

نفحة فتحت شفتيه ومات محمد.

Victor Hugo, le 15 janvier 1858.

15 يناير 1858 فيكتور هيجو