السبت، 21 ديسمبر 2019

علاج طنين الأذن بالأعشاب


 تناول منقوع الحلبة أكثر من مرة في اليوم.
 قلي البصل في زيت الزيتون حتى يصبح احمر اللون ثم يُترك ليبرد ثم يُصفّى ويُقطَّر زيته في الأذن قبل النوم. 
نقع ملعقة من أوراق الزعرور لمدة ربع ساعةٍ في كوبٍ من الماء المغلي ثم يُشرب بمقدار ثلاثة فناجين في اليوم. 
طحن بذور الخردل طحنًا ناعمًا ثم وضعها في صرةٍ صغيرةٍ من القطن ووضعها داخل الأذن قبل النوم، وإزالتها في الصباح وتُكرر على ثلاث ليالٍ.
 هرّس الثوم الطازج ووضعه في الأذن. 
الريحان من الأعشاب الطبيعية القاتلة للجراثيم والميكروبات المسببة وتُستخدم بوضع أوراقها في الخلاط حتى تتكون عجينةً لينةً ثم بواسطة مصفاة الشاي يُستخرج عصيرها ثم يُسخّن قليلًا بالمايكروبف لمدة دقيقةٍ واحدةٍ وبواسطة قطارة الأذن توضع قطرتين منه في الأذن المصابة بالطنين مرتين في اليوم على مدار أربعة أيامٍ.
 قليّ الثوم المهروس والقرنفل المطحون في ملعقةٍ من زيت السمسم حتى يُصبح أحمر اللون ثم يُترك حتى يبرد ويُصفّى ثم يُقطر الزيت في الأذن قبل النوم لمدة أسبوعٍ.
 تناول مشروب الزنجبيل الطازج ويُحضر بإضافة ملعقةٍ مبشورةٍ منه إلى كوبٍ من الماء الدافئ مع ملعقةٍ من العسل الطبيعي ثلاث مراتٍ في اليوم لعدة أيامٍ، كما يُمكن مضغ شرائح الزنجبيل الطازج لتخفيف الضغط الواقع داخل الأذن. 
تناول الأطعمة الغنية بفيتامين أ كالقرع والأناناس.

إقرأ المزيد على سطور.كوم: https://sotor.com/%D8%B9%D9%84%D8%A7%D8%AC-%D8%B7%D9%86%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B0%D9%86-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B9%D8%B4%D8%A7%D8%A8/

الاثنين، 9 ديسمبر 2019

تبر الخواطر / مدونة أ.د عبد القادر بوعرفة Professeur Bouarfa Abdelkader: كارا دي فو ( كتابي الجديد)

تبر الخواطر / مدونة أ.د عبد القادر بوعرفة Professeur Bouarfa Abdelkader: كارا دي فو ( كتابي الجديد):        البّارون بيرنارد كارا دي فو؛ رحّالة ومفكر موسوعي، وأحد أهم رجالات الاستشراق الفرنسي في القرنين التّاسع عشر والعشرين...

كارا دي فو ( كتابي الجديد)






       البّارون بيرنارد كارا دي فو؛ رحّالة ومفكر موسوعي، وأحد أهم رجالات الاستشراق الفرنسي في القرنين التّاسع عشر والعشرين. ساهمت أعماله المُمَيّزة في التعريف بالحضارة الإسلامية بالغرب تعريفا علميا إلى حد كبير ومعقول جدا، وبيّنت في مجملها أسس الدّيانة الإسلامية من خلال المعتقدات، العبادات، والمعاملات....  غير أن بعض أعماله أثقلتها الهنّات والهفوات، وترديد بعض الشّبهات التي أثارها كبار المستشرقين. ولكن بالرغم من ذلك كله استطاع أن يُعرف المسلمين بتراثهم المنسي، وأن يُظهر للوجود كثيرا من الأعمال الجّيدة التي غمرها الماضي السحيق، ووأدها الجهل العريق.
تعريف بالمؤلف:
 أد/عبد القادر بوعرفة من مواليد سنة 1967 بالعين الصفراء، الجزائر، أستاذ التعليم العالي بجامعة وهران2. ألف ما يزيد عن أربعين كتابا، أشهرها: الإنسان المستقبلي في فكر مالك بن نبي (الجزائر)، الحضارة ومكر التاريخ (الجزائر)، المدينة والسّياسة(مصر)، العرب وأسئلة الماضي والحاضر والمستقبل(لبنان)، موسوعة الفرق والمذاهب والنّحل(لبنان)، التجربة الجمالية في الفن الإسلامي (ألمانيا)، (Paris)Malek Bennabi، .....

الخميس، 14 نوفمبر 2019

طابور الجنسية

تحدث مواطن فقال:
منذ أكثر من شهر وأنا أتردد على محكمة السّانية لأجل استخراج جنسية لأبني إياد بغية استخراج جواز سفره.  وكل مرة أقف في الطابور أنتظر دوري .... وكالعادة دائما المُكلف بتسليم الجنسية متجهم الوجه، مُكفهر السحنة، يشخط في الكبير والصغير، وأحيانا يتعمد إهانة النساء والعجائز، ويتلفظ بألفاظ نابية ك " أيا هبلتوني...."  "أيا باغي نقعد معاكم غير انتما" " وجعتو لي راسي" ..... وكان يردد عبارة حفظتها من كثرة التردد عليه: " مازال ما هيش واجدة ... وَلِي غدوة ولا بعد غدوة" أي "لم يتم استخراجها بعد ... عد بعد أيام" وكنت كل مرة أعود .... والجواب نفسه والحال ذاته.
في يوم 14 نوفمبر قررت أن أستفسر عن الأمر .... مررت به أولا وسألت .... كان الجواب نفسه، ولم يُكلف نفسه النظر في وجهي .... ولم يكلف نفسه أيضا النظر في الملفات الموجودة عن يمينه وخلفه. كان بجانبي شابين غاضبين، أفرغ غضبهما بالتنكيت، وكل مرة يُقِرَان بأن العيش بالبلد أصبح مرا ومُحالا، وكان أحدهما يخاطب صاحبنا ....: أعطني الجنسية والله لن تراني مجددا .... سيأكلني الحوت أو أعبر سالما إلى هناك... حينها أكون قد تخلصت منكم ومن إرهابكم الإداري، كرهتونا في البلاد ... الله لا يربحكم ....  لم يجب الرجل كان يفلي الملف بحثا عن شهادة الجنسية لامرأة يعرفها.
 بجانبي وقف شيخ قد أنهكته الأيام، وأتعبته الحوادث، سألني: كم مر على طلبك للجنسية؟؟ قلت: أكثر من شهر... ضحك: وقال: أنا تجاوزت الشّهرين... وكل مرة يقول لي الجواب نفسه.
  حينها قررت الدخول على مسؤول مصلحة الجنسيات، كان شابا وسيما وخلوقا، على عكس الأول تماما، وكان غارقا في العمل حتى أذنيه، ملفات كالجبل أمامه ...  وما أحزنني أنه تم حشره مع موظفات في غرفة لا تصلح للعمل، الجدران متأكلة، وضيق المكان، وقلة الموظفين، لقد علمت من خلال حديثه أن محكمة السانيا لا يمكنها أن تلبي طلبات ألاف الموطنين نظرا لكثرة الطلب وقلة الموظفين....   قدمت له بطاقة العضوية وأخبرته عن مشكلتي مع الجنسية التي مر عليها أكثر من شهر ..... أدخل اسم إبني في الحاسوب .... من كثرة الغضب الذي انتابني أعطيته اسم ابني الأكبر بدل ابني الأصغر .... لم يجد الملف .... بعدها تذكرت .... قلت اسمح لي .... إياد وليس أيمن .... نظر إلى معاتبا: أنت لم تستطع التثبت من اسمك ابنك ... فما حالنا نحن وقد استقبلنا أكثر من 3000 طلبا في ظرف وجيز ...؟؟؟؟
 وبعد أن أدخل المعلومات: قال لي شهادة تم توقيعها يوم 23 أكتوبر ..... قلت له: ولكن المُكلف بتسليمها كل مرة يؤكد أنه لم تجهز بعد؟؟؟ 
  قال: لديه ثلاث ملفات كبيرة الحجم خاصة بحرف " الباء"، ومن الممكن أنه تعذر عليه البحث ....  كما أن البحث فيها يستغرق أكثر من ساعة..... 
 ثم سرد لي جملة من المشاكل .... وكان محقا .... أيعقل في عصر التكنولوجيا والسرعة أن الإدارة الجزائرية لازالت تطلب وثائقَ لم يصبح لها أي دور مفيد .... أعطاني مثلا .... رجل من مواليد 1925 لديه بطاقة تعريف وطنية (خضراء السابقة) وأراد استبدالها بالبيومترية .... طلب منه ملفا .... بينما المنطق والتسهيلات تفرض أن يُقدم على الأقل شهادة ميلاد فقط ......
  طلب مني الجلوس ريثما يستخرج لي شهادة جنسية جديدة .... وبالفعل تم الأمر ... شكرته ووعدته بأن أقدم لمن أعرف من المسؤولين في القطاع عما تعيشه محكمة السانيا من ضيق المكان وقلة المرافق وشح الموارد البشرية ....  وأنا خارج مررت بصاحبنا .... نظر إلى وقال لي ماذا تريد...؟؟؟   أريته شهادة الجنسية وقلت له تم إنجازها منذ 23 أكتوبر .... وأنت في كل مرة تدعي أنها لم تجهز بعد .... ارتبك .... وقال من أين استخرجتها ...؟ قلت: له من الداخل .... قال: لم تسلم لي.... بنبرة استهزاء .... قلت جئت إليك أكثر من أربع مرات وأنت تردني دون التأكد ... بحجة إضراب القضاة ....  
 قال لي: أيَّا أمشي يَا خِي عباد ..... حينها غضبت من تصرفه الأرعن، قلت له: اسمع احترم نفسك واحترمني كمواطن لي كامل الحق.
  رد على بإشارة من يده تدل على التأفف والتململ وعدم الاكتراث، حينها قلت له: احترم نفسك ... أنا مواطن وإطار سام في الدولة.... وأريته بطاقة العضوية .... والتي كانت تحمل عبارة (على السلطات المدنية والعسكرية أن تسمح لحامل هذه البطاقة بالمرور الحر في كل الحالات مع تقديم المساعدة له) .... ربما لم يلق لها بالا، ولم يرمقها بنظرة، والدليل أنه اعتبرها بطاقة محاماة .... لوح بيده: قائلا: روح تمشي بالكارتا انتاعك ... عدت إليه بعد أن تمادى في الأمر ....  اعترض طريقي شرطي وقال لي: انصرف يرحمك الله وأمره بالدخول ..... وبعد هذه المناوشة الكلامية خرج الشاب المسؤول ... وراح يهدأ الوضع .... قال لي: سلمتك الشهادة فلما الغضب؟ قلت له لم أغضب، فقط أردت أن أعلمه ضرورة احترام المواطن .... قال لي: هذا من أحسن العمال لدينا .... قلت: بالعكس لم أر فيه ذلك ... وقد ترددت عليه أكثر من أربع مرات .... عليه أن يحترم المواطن مهما كان وضعه وصنفه وجهته.... قال لي ضابط الشرطة: أنت تُهدده .... وهذه جنحة ... قلت: لم أهدده أبدا .... وبما هددته؟؟؟ بل العكس تماما هو من أجرم في حقي ....  ضيع وقتي، وأفسد مصالحي، وعطل سفري، ثم تهكم وتهجم على ...
 دخل مقصورته ليمارس هوايته المفضلة تعذيب المواطن، وخرجت أنا حاملا هموم كل مواطن تعيس.
    زمن أرعن يأن تحت وطأته القاسية المواطن، يضيع من عمرك وقتا ثمينا من أجل أن يستخرج وثيقة ... كان من الواجب على حكومة تدعي الفورية والاقتصاد في الوثائق أن تعمل على أن تُسحَب تلك الوثيقة في اليوم نفسه، حتى لا أقول في الساعة ذاتها.
  الخميس 14 نوفمبر 2019م. الساعة الرابعة والنصف.
   

الخميس، 22 أغسطس 2019

النكتة السياسية.. الثورة الساخرة

بوعرفة عبد القادر

منشور بمدونات الجزيرة
لم يكن التّحول الذي حدث بالجزائر بعد وفاة الرئيس الهواري بومدين سهلا ولا مريحا، بل كان صعبا وخطيرا، حيث احتدم الصراع بين أجنحة السلطة والحزب الواحد، والكل كان ينتظر أن يكون خليفة الرئيس الراحل إما وزير الخارجية عبد العزيز بوتفليقة أو الرجل القوي في حزب جبهة التحرير الوطني محمد صالح يحياوي، بيد أن الواقع أفرز ما لم يكن متوقعا أصلا، حيث عمل رئيس المخابرات الجزائرية السيد قاصدي مرباح على تقديم الشاذلي بن جديد مرشحا للحزب العتيد والجيش معا، والذي كان آذاك شخصية عسكرية مغمورة، ولم يكن له باع طويل في السّياسة وفن الدبلوماسية.
 وإضافة إلى شخصية الشاذلي البسيطة واللينة أكثر من اللزوم، كانت التحولات العالمية المتسارعة في الثمانينات تدفع الجزائر إلى اتخاذ جملة من المواقف أقل سطوعا وجرأة مما كانت عليه في عهد الهواري بومدين. ويبدو أن الرئيس الشاذلي بن جديد كان ضحية مقارنات غير سليمة بين فترته وفترة بومدين الأكثر شعبية وإثارة.
كانت مشكلة الرئيس الشاذلي بن جديد تكمن في عدة جوانب، أبرزها أنه لم يكن خطيبا مفوها كبومدين، وكان يرتكب في الكثير من المواقف تناقضات وأخطاء لغوية، ومن ذلك قولته المشهورة التي تحولت إلى نكتة العصر: " الدولة التي ليست لها مشاكل ليست بدولة، والحمد لله الجزائر ليست لها مشاكل." هذه الجملة ذاتها، ذكرها الرئيس بوتفليقة في أحد حواراته الصحفية، وكان الغرض منها النيل من الرجل الذي سلبه خلافة بومدين سنة 1979. والمشكل الآخر للرئيس أن رئاسته تزامنت بعد الانفتاح والخروج من الاقتصاد الموجه بمرحلة ندرة السلع الأكثر استهلاكا، والتي لعب خصومه من أهل السياسة والمال دورا كبيرا في إثارتها كلما سنحت لهم الفرصة.

يجب القول بكل صدق أن الرئيس الشاذلي بن جديد لم يكن أبدا كما تُصوره النكتة في الجزائر، فلقد كان رجلا طيبا وبسيطا، لا يُحب المظاهر ولا يجري وراء الشهرة والنجومية
تهكم الجزائريون على الرئيس بن الشاذلي جديد زمن ندرة السّلع، خاصة مادتي السكر والزّيت، وهما مادتان ضروريتان لكل بيت جزائري. وندرتهما شكلت أزمة للأسر الجزائرية، خاصة أن أغلب الأكلات الجزائرية تتطلب مادة الزيت، كما أن ارتشاف القهوة والشاي تتطلب السكر.
 ابتكر الجزائري نكتا كثيرة، وأغلبها تصور واقع الندرة تصويرا بليغا، وتتهكم على رئيس الدولة تهكما مُزريا، أحيانا تصوره بصورة الذكي الذي يتعامل مع ظاهرة الندرة تعاملا خلاقا وذكيا، ومن ذاك أن الرئيس الشاذلي بن جديد كان يتجول رفقة السفير السعودي في سيارة غير رسمية، ومروا على طوابير لشراء الزيت والسكر فدار حوار بينهما:
السفير: إيش هذا الجمع يا طويل العمر؟
فرد الشاذلي: من أجل تقديم واجب العزاء لعائلة شخص توفي البارحة، وهو شخص مهم جدا. (وقد تحرج من إخباره أنها طوابير لشراء السّكر والزّيت)
وبعد عودتهما، قرر السفير السعودي أداء واجب العزاء، خاصة أن الرئيس قال له بأن الفقيد شخصية هامة ونافذة.
فقال للسائق: خذني إلى مكان ذلك الجمع، ولما وصل وجد طابورين، توجه للطابور الأول، وسأل رجلا: عَزيت؟ يعني (هل أديت واجب العزاء)، فأجابه الشخص: لا، أنا عالسكر. (يعني أنا أنتظر دوري لأشتري السكر).
   
انتشرت النكتة زمن الندرة انتشارا مريعا، وأخذت أشكالا من الاحتجاج على سياسة الدولة الفاشلة في توفير ضروريات العيش، ومن ذلك نكتة خلدت هذا المشهد المأساوي لأغلب الأسر الجزائرية، مفادها أن الرئيس بن جديد قرر ذات يوم الخروج في جولة تفقدية في البحر، فما أن توسطه حتى ظهر سمك السردين بالخصوص وهو يهتف: يحي الشاذلي، يحي الشاذلي .... فتعجب الرئيس كيف يهتف بحياته السمك ويأبى الشعب ذلك، فقال له أحد مستشاريه: سيدي الرئيس إن ندرة الزيت جعلت البحارة لا يصطادون السمك لامتناع الشعب عن شرائه لعدم وجود الزّيت، ولذا هو فرح مسرور.
  كانت كل سنة تشهد زيادة في قائمة السلع النادرة، فكانت دائرة المواد المفقودة في السوق تزداد يوما بعد يوم، ولعل أغربها انعدام " الشّمة" وهي نوع من التبغ يوضع تحت الشفة... وهي مادة يستهلكها الجزائريون بكثرة خاصة زمن الثمانينات، وأدى افتقادها إلى أزمة كبيرة لدى مستهلكيها خاصة أن الانقطاع عنها يُسبب الصداع وألم الرأس.
ذات يوم خرج الرئيس الشاذلي بن جديد وحيدا يتفقد رعيته خارج العاصمة، وأستوقفه في الطريق الجبلي شيخ قروي، فحمله واستأنس برفقته، وبدا في الطريق يسأله عن الأوضاع وعن البلاد والعباد ... والرجل يجيبه بما يعرف وهو لا يعرف أنه الرئيس.... فسأله الرئيس: هل تَشُم؟؟ (هل تتعاطى التبغ)، فقال له القروي: أجل. فقال له الرئيس: ولكن (الشّمة) التبغ نادر؟؟؟ قال القروي: استعمل بدل التبغ العرعار المُمَرد.
قال الرئيس: هل تعطني كمية أجربها؟؟ قال القروي: أه يا صاحبي إنه يدوخ ويُسكر من لم يعتاد عليه.
فقال الرئيس: لا عليك أخوك مجرب. فأعطاه كمية معتبرة، فشمها الرئيس دفعة واحدة. ثم التفت إليه ... وقال له: ألم تعرفني إلى الآن؟؟؟ فقال القروي: لا والله ما عرفتك؟؟؟ قال: سبحان الله.. هل تشاهد التلفزيون؟ قال: أجل. قال له: ومع ذلك لم تعرفني؟؟  أنا الرئيس الشاذلي بن جديد. فرد عليه القروي ضاحكا: قلت لك يا رجل بأن العرعار يُدَوِخ..... ولو زدت منه شمة أخرى لادعيت بأنك عمر بن الخطاب.
    
بالرغم من النكت التي ألفت عن الشاذلي بن جديد، لا زال الشعب الجزائري يحمل لهذا الرئيس محبة واحتراما، وخاصة بعد إقالته سنة 1992، ودخول الجزائر في نفق مظلم
ذهب بعض المعلقين إلى أبعد من ذلك، حيث أن الشاذلي بن جديد غضب غضبا شديدا من النكت التي تُنسج حوله وتصوره بالمعتوه والغبي، فأمر المخابرات بجمع كل النكت ورميها في البحر حتى تُمحى محوا، لكن الغريب أن الضحك تعالى من أعماق البحر، والأسماك تراقصت على سطحه من شدة الضحك.   
يجب القول بكل صدق أن الرئيس الشاذلي بن جديد لم يكن أبدا كما تُصوره النكتة في الجزائر، فلقد كان رجلا طيبا وبسيطا، لا يُحب المظاهر ولا يجري وراء الشهرة والنجومية، وكان يميل في كل حياته إلى ترفيه الشعب ومحاربة الفاسدين الذي استفادوا من الحزب الواحد، وتحولوا إلى كبار الأثرياء، ولقد قام هؤلاء الفاسدين بتشويه شخصية الشاذلي بن جديد عن قصد، نظرا لتعرض مصالحهم للخطر. 
لقد تفنن أعداء الشاذلي في نسج النكت من أجل ترويج فكرة سيئة عن الرئيس، ولقد وصل هؤلاء إلى ذلك الهدف، وخاصة بعد 1987 حين بدأت الأوضاع المعيشية في التقهقر والسلع في الاختفاء، وخاصة مادة "السميد" أي الدقيق الأبيض، والذي كان الشرارة الأولى التي أدت إلى انتفاضة شعبية يوم 5 أكتوبر سنة 1988. لقد أدت أحداث 5 أكتوبر 88 إلى تغيير الوضع السياسي والاجتماعي بالجزائر، حيث عمد الرئيس الشاذلي بن جديد إلى إجراء إصلاحات سياسية كبرى، نقلت الجزائر من الأحادية الحزبية إلى التعدد والانفتاح. 
وبالرغم من النكت التي ألفت عن الشاذلي بن جديد، لا زال الشعب الجزائري يحمل لهذا الرئيس محبة واحتراما، وخاصة بعد إقالته سنة 1992، ودخول الجزائر في نفق مظلم دام أكثر من عشر سنوات، وقد صرح في كثير من المرات أنه عارض بشدة الانقلاب الذي حدث بعد انتخابات 1991 والتي فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ. وكان يعتقد بأن الشعب هو الذي يستطيع أن يَحكم على الممارسة السياسية وليس ضباط الجيش.

الثلاثاء، 6 أغسطس 2019

النكتة السّياسية.. المرآة الضاحكة



أد. عبد القادر بوعرفة
تعد النكتة السياسية من أقدم وأطرف أشكال التعبير السّاخر، وأسرع الفنون في عملية التواصل والتخاطر الجماهيري، إذ تحمل معاني التذمر والمعارضة، ورفض أشكال الحكم القائمة، ولمز وغمز رؤوس الفساد الظاهرة... كما تعبر من وجهة أخرى عن رغبة في التنفيس عن كل مواطن تعيس، أتعسه قهر السّاسة، وإذلال كلاب الحراسة، وإفلاس الرياسة.
إن تفجير المكبوت السّياسي غالبا ما يكون بعدة وسائل وطرق، أعنفها الرفض القاسي الذي يضر بالبلاد والعباد معا، ونقصد العنف المادي الذي يترتب عن العصيان أو الثورة، إن المعاناة اليومية للمواطن، وخاصة البطالة والفقر والحرمان، والتهميش حتى الغليان، يُمهد دوما لظهور النكتة السّياسية كأولى علامة من علامات الرفض، وغالبا ما تسبق النكتة العصيان والتمرد، ذلك أن التمهيد للثورة يبدأ من خلال التمهيد لها من خلال النقد اللاذع الذي تُعبر عنه النكتة السّياسية بامتياز.
 إن النكتة السياسية منذ القدم تعتبر فلسفة العوام وسلاحهم اللاذع، والتي لا يستطيع إلجامها لا حاكم ولا إمام، ولا يقدر على مراقبتها لا جهاز أمن ولا جيش جرار ولا أي جهاز كان، فمنتجها غير معروف، ومروجها الشعب بكل أطيافه، فهي سلاح ظريف وطريف، تحمل نقدا لاذعا للساسة، الذي مارسوا السياسة بالجهل والصدفة، فهم أشبه بالجاهل الذي يُبحر بسفينة في عباب البحر. إن النكتة السياسية بالجزائر تاريخها قديم، ومفعولها بالرجال عظيم، رفعت البعض حتى أصبحوا كواكبا، ووضعت بالبعض حتى غدوا أوغادا وكلابا. نجد كثير من بقاياها في العهد العثماني، حيث عمل الجزائري على مجابهة التّكبر العثماني على سكان الجزائر بإنتاج النكت والطرائف التي في أغلبها تُقدم الأتراك غلاظ شداد، تنقصهم الحكمة، وتعوزهم الفطنة.
 إن أطرف النكت السياسية على الإطلاق ما حوته الأخبار، وتناقلته ألسنة العوام والأخيار، من عهد الأتراك إلى سعادة الرئيس عبد العزيز المبارك. وعليه، يبدأ العصر الذهبي للنكتة السّياسية بالجزائر ما بعد الاستقلال، وخاصة في عهد رئيس الهواري بومدين والشاذلي بن جديد بالخصوص، وهنا نميز بين نموذجين من النكت، ففي عهد بومدين أغلب نكت كانت في صالحه إلا بعضها، نظرا لشخصيته القوية، ومكانة الجزائر وسيادتها، وعهدنا القريب بالاستقلال والحرية، كانت النكتة السياسية بالسبعينات تحمل مدلولات ثورية، وجفريات اشتراكية، تترجم العزة والثبات، الدهاء والحيل المُغيّبات، وتعكس الصراع بين الجزائر ودول الجوار ... فأنتج الشعب الجزائري نُكتا ظريفة عن الهواري بومدين، تُبين حربه مع الجيران، وصراعه مع الفئران من ذوي البطون السمان، الذي أكلوا البلاد والعباد.
 ومن أشهر النكت السياسية، أن الملك الحسن الثاني صاحب العشر المثاني، دعا رؤساء المغرب الأعلى والأوسط والداني، إلى مأدبة عشاء، وقد وضع على السماط آواني من الذهب واللجين، ومن الطعام ما تشتهيه الأعين، ومن الخدم ما لم تسمع به الأذن، كانت الملاعق من الذهب الخالص، والأقداح من الفضة، والصحون من العاج الغالي، ... جلس الهواري بومدين وسط المائدة، عن يمينه الرئيس بورقيبة المُممط، وعن يساره المختار ولد دادة المننط... وبينما هم يأكلون ويتلذذون، أبصر الهواري كل من بورقيبة والمختار يضعان في جيبهما ملعقة الذهب، فأراد بومدين أن يحرجهما حرجا، فقال للملك الحسن الثاني، أيها الملك سأدخل ملعقتي في جيبي وسأخرجها من جيبي بورقيبة أولا، ثم أدخل أخرى في جيبي الآخر وأخرجها من جيب أخي المختار، فقال الملك: أو قادر على ذلك ... قال: بلى... فوضع الملعقة بجيب سترته ثم أخرج الملعقة الأولى من جيب بورقيبة، ثم أعاد الكرة فأخرجها من جيب المختار ولد دادة... فرجع بملعقتين من ذهب ورجع الأخران بخفي حنيين.
 هذه النكتة من عشرات النكت التي كانت تمجد الدهاء والحنكة لساسة الجزائر. وفي المقابل رويت نكت أخرى تقدح في عقيدته وأيديولوجيته الاشتراكية، ومن ذلك أن في عهد الهواري بومدين كثر تغيير الوقت، ونقصد التوقيت الصيفي والشتوي، فأنتج الجزائريون نكتة معبرة، مفادها أن شرطة الحدود المغربية ألقت القبض على ديك وحمار جزائريين، فأخذت في استنطاقهما بالعصا والمسمار، سائلة عن سبب الفرار، خاصة من أرض النار والماء والدينار، والعزة والشعار... وبعد تعذيب مروع، واستنطاق مؤلم، قال الديك: لقد اختلط علي الوقت بأرض الأحرار، والتبس على وقت الآذان، نظرا لتغيير الزمان، فما صرت قادرا على الصياح، فهربت عندكم لأحافظ على صياحي الذي هو سر نجاحي. أما الحمار، فبعد أن حمد رب القفار، والصحاري الكبار، قال: أما أنا يا سادتي الكرام، فقد هربت لكثرة الأسفار، وهول الأخطار في الليل أو النهار، فحملت من السلع ما لا يطيقه حمار، فعند المهربين حيوان مرغوب، وعند الجمارك حيوان مطلوب، وعند الحلابة حيوان محبوب، وعند "الزوالية" حيوان مريب.
 شهدت فترة بومدين إنتاج النكتة التي تعبر عن التفوق والنجاح، وخاصة تلك الثنائية التي ظهرت في الستينات بين جحا الجزائري وجحا الفرنسي، والتي تُسفر في كل الأوقات والأحيان عن تفوق جحا الجزائري على نظيره الفرنسي، لقد كانت تلك النكت مدروسة بعناية، فهي محاولة رفع معنويات شعب خرج من الاحتلال والاستحمار، خاصة وأن أذناب فرنسا كانت تشكك في قدرة الجزائري على تسيير البلاد بعد أن خرجت فرنسا. انتشرت نكتة ظريفة وطريفة عن الراحل هواري بومدين خلال زيارة الرئيس الفرنسي جيسكار ديستان إلى العاصمة، إذ عند مرور موكبه القادم من المطار على منطقة واد السمار، أين كانت تتواجد المفرغة العمومية، والتي كانت تنبعث منها روائح جد كريهة، فأمسك الرئيس بومدين بأنف ضيفه وقال له مازحا "أيها الشقي عندك زمن لم تزر الجزائر”، أراد الرئيس من خلالها سدّ أنف ضيفه كي لا يشتم رائحة "واد السمار" النتنة ليحافظ على صورة الجزائر.
 أما في مجال العقيدة، فقد أنتج خصومه عدة نكت تُبين عن تصوراته الدينية، والتي غالبا ما ارتبطت بالكفر، نظرا لنهجه الاشتراكي، وبالرغم أن الرئيس الهواري كان متدينا إلا أن خصومه حاولوا قدر الإمكان إظهاره بمظهر الزنديق، ومن ذلك انتشار نكتة بومدين وعزرائيل، حيث يقول منتجها بأن الرئيس بومدين وهو في جلسة حول الموت وملك الموت، قال لأصحابه لقد وجدت الحل والحيلة التي تُحررني من عزرائيل. قالوا: كيف ذلك يا زعيم؟؟. قال: حين أموت أحفروا قبري على شكل متاهات، فأني سأتوه عزرائيل في تلابيبها، حتى يبلغ التعب منه مبلغه.
 إن النكتة السّياسية في عهد الرئيس بومدين كانت جد هادفة، وتحمل كثير من قيم الشهامة والمروءة، وكان الجزائري يجد من خلالها شخصه الذي يريده أن يتجسد تاريخيا، وسنرى في عهد الشاذلي بن جديد تحولا رهيبا في النكتة السياسية، حيث بدأت تتجه صوب تصوير البلاهة والبلادة، الغباء والحمق، وهذا ناتج عن التحول الذي شهدته الجزائر سياسيا واقتصاديا، وأيضا التباين الشديد بين شخصية الهواري بومدين الحازمة والقوية وشخصية الشاذلي بن جديد الَحلِيمة والمتسامحة.
وسنرى في الحلقات القادمة كيف تحولت النكتة السياسية إلى أداة هدم ونقد لاذع، خاصة زمن ندرة السلع وظهور طبقة برجوازية في الجزائر متطفلة، لم يكن لها وجود في زمن الرئيس السابق، مما جعل الشعب يتجه صوب النكتة ليفرغ مكبوتاته، ويُترجم بها عن غضبه من سلطة أفقرته وأذلته.


الأربعاء، 22 مايو 2019

الإنسان وجدلية الحضور والغياب

الإنسان وجدلية الحضور والغياب

أد/ عبد القادر بوعرفة
موضوع الإنسان لا ينبغي أن يدرس بمعزل عن تاريخ الإنسانية جمعاء، ولا فلسفة التاريخ، فالظاهرة الإنسانية تحمل عموميات تشترك فيها جميع الفلسفات والمذاهب والأديان، دون أن ننسى النظريات العلمية التي أنتجها الإنسان على مر التاريخ. من المنطقي أن نتطرق إلى "الإنسان" في تاريخ الفكر الفلسفي بدءا من الأسطورة وما تحمله من فكر ميثولوجي، انتهاءً بحاضرنا وما يحمله من فلسفات وعلوم دقيقة. والغرض الكشف عن "فلسفة الإنسان" من جدلية أزلية: "ما ينبغي أن يكون عليه الإنسان من معكوس ما هو عليه."
 إنّ هذه الجدلية ولدت على مر تاريخ العقل، هاجسا في وعي كل مفكر مناضل، امتلك البصيرة والقوة على التأمل والتفلسف، والغرض من اللحظة الهاجسية انبثاق في كل عصر مفهوم جديد عن الإنسان. ولعل بول هازار لم يكن مخطئا حين قال: "إن أزمة الإنسان في كل مكان عصر تلد مفهوما جديدا عنه". انطبعت في ذهن كل مفكر منظومة نسقية ذات بعد فلسفي، تحاول التنظير "للإنسان الأنموذج" من فضاءات التأمل وحدّة السؤال، ولقد عبر عن هذه الحقيقة الأستاذ محمد محي الدين في قوله: "كان الفكر على مر العصور يجتذب لنفسه (الإنسان المطلوب) من معكوس الإنسان كما هو ونقيضه، فلم يكن يسمح لأهواء الإنسان العادية ونزواته أن تكون عنصرا داخلا في تكوين إنسانيته، في واجب وجوده، ولم يكن غريبا بعد هذا، أن يصبح الإنسان المطلوب مجرد دعوة قائمة في أذهان مبتكريته، بينما كان البشر العاديون يسبحون في تياراتهم الرتيب، رافضين بذلك الإنسان "المسلاة" والذي ظل يشنق في عقل كل مفكر على مدى الزمان".

بدأ الاهتمام الجدي بالإنسان مع سقراط الذي غير مجرى الفلسفة، فبعد أن كانت فلسفة تهتم بأمور السماء وتلج في متاهات السفسطائيين، جعلها فلسفة تهتم بأمور الأرض والإنسان خاصة
إنّ كل جيل في أي عصر كان، إلاّ ويسعى جاهدا أن يحقق الأنموذج الذي يجد لذاته فيه انسجاما ومع حاضره انعتاقا وتجسدا. حيث تعكس فلسفة التاريخ بوضوح حقيقة ماثلة للفكر، هي أنّ التاريخ لم يكن ليكون، لو لا وجود حركة الصراع بين النماذج المطلوبة والمرفوضة عبر تاريخ حركية الأفكار. إنّ صراع النماذج خلق توترا شديدا في عقلية كلّ شعب صنع لنفسه كيانا معنويا، وسياجا ثقافيا، مما دفع كل جيل أن يعمل لكي يكون أحسن وأفضل ممن سبقه أو ممن يعاصره. وعليه؛ سنرى من خلال الاستقراء الفلسفي للفكر البشري، مدى حضور الإنسان كمشكلة وأنموذج في أفكار كبار الفلاسفة والعلماء، وجميع من يمثلون الأنتلجنسيا أو النخبة المثقفة على العموم، وكما يقول مالك بن نبي في كثير من كتبه، لابد أن ننتج رجالا قبل أن نتج أشياءً، لأنّ إنتاج حضارة يبدأ أول الأمر من صناعة إنسان مُتكامل. ولم نقرأ أبدا أنّ أمة ما، أم شعبا، استطاع أن يدخل التاريخ ويوجهه ما لم يكن في البداية صنع "الإنسان النموذج".
 فكرة الإنسان النموذجي ليست فكرة جديدة، وإنّما فكرة قديمة قدم التاريخ، لقد ظهرت مع بداية القفزة التي شهدها الإنسان البدائي، فخروجه من حالة التوحش (Etat sauvage) إلى حالة التأنس (Etat sociable)، تعكس أنّ الإنسان البدائي (L'Homme primatif) رفض حالته البدائية التي لا تميزه عن الحيوان، لا من حيث نمط المعيشة ولا من حيث أشكال التكيف الطبيعي، فحلول فكرة الألفة والأنس وظهور المعاشرة كنظام وفن العيش، توضح بدون شك أنّ الإنسان البدائي بدأ عقله يعمل، وتأمله يحدس، ضرورة حضور الأنموذج، ولعل تلك القفزة جعلت فكرة النماذج تأخذ طابعا إيجابيا يتجه نحو المشهد الحضاري والحقل التاريخي. وعندما ندرس رواية ابن الطفيل "حي بن يقظان" ندرك أنّ الطفل لم يكن في بدايته سوى كتلة لحمية لكنه سرعان ما أدرك أنّه يختلف عن الغزالة الأم بعد موتها ببرهة، وشعر في لحظة ما، أنّ هناك فيض بداخله، يدفعه إلى أعلى، جعله يحدس في لحظة تأملية أنّه إنسان رسالي وليس مجرد حيوان وحشي، إنّها اللحظة نفسها التي شعر بها الإنسان البدائي. وإذا كان حي بن يقظان يعتقد أنّ ما ميزه عن باقي الكائنات هو مدى ارتباطه بالله عقليا، فإنّ الإنسان المُستأنس كان شعوره بالتميز يكمن في مدى رفضه للحال ومدى حضور صورة الأنموذج في ذهنه وتطلعاته.
 إن فكرة الطوطم يمكن اعتبارها فلسفة بدائية، تحاول أن تضع النموذج المطلوب في إطار من القداسة، إذ أن الطوطم إذ كان إنسانا، ينظر له نظرة تعظيمية، ظنا أنه الكمال المفقود والنموذج المأمول. منذ أن بدأ الفكر الإنساني ينضج ويرتقي، بدأت فكرة النموذج تأخذ أبعادا جديدة، تجاوزت ما هو طبيعي مادي إلى ما هو غيبي، أو بصورة أدق إلى ما هو خارق لطبيعة الإنسان الضعيفة، والعلة تعود إلى كون الإنسان بدأ يشعر أن الرقعة التي يقطنها ليست مغلقة بل مفتوحة لا تعرف الحدود، وأن العالم أوسع مما كان يتصوره بكثير، ومن جهة أخرى أن الإنسان لمّا خرج من البدائية، بدأ يعرف صعوبات ومشاكل في علاقاته ونظم حياته، فكان لزاما أن يتناسب التطور الفكري وحركية الإنسان النموذجي المطلوب.
 ومن جانب آخر، فإن أزمة العيش والحاجة وغريزة حب البقاء، دفعت الإنسان للبحث عن النموذج الذي يجد فيه ذاته المتوترة، فظهرت الأسطورة والخرافة لكي تترجم الهاجس السابق، رغم ما نعلمه الآن عنها، من مفارقة للواقع وما تحمله من تناقضات، وبتعبير أفضل إن الأسطورة تعكس سلوكا سحريا، وتكشف عن رغبة مكبوتة في اللاّشعور الجمعي، لقد كان الإنسان الغابر يبحث عن الكمال المفقود في كل شيء، المعرفة، الحكم، الإنسان، الخلق، الموت، .... فلم يجد مفكروه ومبدعوه إلا الأسطورة كحقل تزرع فيه الأفكار والمفاهيم، وما يعتقد أنه حقيقة بالماهية.
 لقد بدأ الاهتمام الجدي بالإنسان مع سقراط الذي غير مجرى الفلسفة، فبعد أن كانت فلسفة تهتم بأمور السماء وتلج في متاهات السفسطائيين، جعلها فلسفة تهتم بأمور الأرض والإنسان خاصة. فانبثقت عنه مجموعة من الرؤى والتصورات حول ما ينبغي أن يكون عليه الإنسان من معكوس من هو عليه، وحدد منهجا خاصا لبناء الإنسان النموذج، مرتكزا على مبدأ أخلاقي، مبني أساسا على الفضيلة وفكرة الخير لذاته. كان سقراط يؤمن أن تغيير الإنسان لا يمكن أن يحدث ما لم نقم بعملية تطهير لكل فرد، لذا سن شعاره المشهور "اعرف نفسك بنفسك"، محاولا من خلاله تنبيه الإنسان بأن ميلاده الماهوي بيده لا بيد غيره، إن سقراط كان يؤمن أن المجتمع اليوناني لن يتغير ما لم ننتج رجالا وفق ما يتصوره الحكماء، إن حضور النموذج أكيد في كل عمل تجاوزي يهدف إلى القطيعة.
ولقد تفطن أفلاطون أن نموذجه المُتخيل لا يمكن أن يتحقق إلا بوجود نظام سياسي يحميه من الطغمة الشريرة، فالنموذج الإنساني بحاجة إلى نموذج سياسي يواكبه ويحميه من المدن الفاسدة، فكانت "الجمهورية" في نظر أفلاطون السياج الأمثل لتحقيق نموذجه المفقود. إن جدلية الإنسان اتضحت بشكل مبهر وملفت للانتباه مع عصر النهضة بالخصوص، حيث تحول إلى مركز الأشياء بعدما كان مجرد كائن يعيش في الهامش وعلى تخوم الأحداث، إن مركزية الإنسان أدت إلى ظهور نماذج مفارقة للماضي، كان من أبرزها الإنسان المتفوق لفرديريك نيتشه.

استثمار الموتى بين الوعي والمخيال.. الأمير عبد القادر أنموذجا

استثمار الموتى بين الوعي والمخيال.. الأمير عبد القادر أنموذجا

أد/ عبد القادر بوعرفة
15/5/2019
يحظى أغلب الموتى بمراتب رفيعة في كل الثقافات العالم دون استثناء، قد لا يعود الأمر إلى أعمالهم البطولية فحسب؛ بل يعود الأمر إلى استثمار الميت رمزيا في الحياة السياسية والاجتماعية، لأن الموتى لا يُرافعون ولا يدافعون عن أنفسهم. كما أن التّاريخ في مجمله هو تاريخ الأموات، والكتابة التاريخية كفعل تأريخي يتجه صوب الماضي أكثر من الحاضر والمستقبل، ويكون موضوعه في الغالب ذكر أخبار الأموات. يلاحظ بأن المجتمعات الوثنية حولت الأموات إلى آلهة وأنصاف آلهة، ونسبت لهم من الأمور ما لا يخطر على بال أو يتصوره مخيال، ولقد قال الفيلسوف اليوناني زينوفانيس إن الأبطال والآلهة من صنع الناس عبر التاريخ، حيث يتم توظيف الميت توظيفا اجتماعيا، وسياسيا، وميثولوجيا.
إن أعظم الأعمال الفلسفية الكبرى لا تخرج عن قراءة أعمال الفلاسفة الموتى، فالتفكير الفلسفي هو قراءة آنية في موضوعات طرحها الموتى منذ قرون خلت. ولا أحد ينكر أن أفلاطون وأرسطو ظلا محور الفلسفة سواء الإسلامية أو الغربية في كل الأزمان تقريبا، حتى بات من المسلم به أنه لا يجوز للمتفلسف خوض غمار الفلسفة إن لم يُعرج على فلسفيتهما.

استثمار الميت ليس تشويها للتاريخ بل هو علة حركته، فعندما يتمثل المغامر شخصية صلاح الدين فإنها تساعده على الثورة وقلب ما هو كائن من معكوس ما ينبغي أن يكون
إن استثمار الرموز ظاهرة تاريخية تتجاوز الحقيقة ونظريات المعرفة في كل أطوارها التاريخية، فالجماعات البدائية كانت تستحضر الميت في طقوسها التعبدية من أجل رفع الضرر أو جلب المنفعة، بل أصبح الميت عند كثير من الشعوب البدائية طوطما تتناسخ روحه مع المخلوقات الحية، ويعود من جديد في دورة حياة ذات بعد ثيولوجي رهيب. والميت له حضور قوي في مجال التأويل والتفسير، فرؤية الميت كانت ولا زالت تلهم الأذكياء صيغ توجيه الكتل الجماعية إلى ما تريده أو صرفها عما لا تريده، إما عن طريق المنام أو النّص الذي تركه الميت، ونلاحظ ذلك بوضوح في الطرق الصوفية.

استطاع أفلاطون أن يستثمر سقراط بعد موته، فجعل لسانه ينطق باسمه ليس حبا في سقراط وتمجيده فحسب، بل احتيالا على السّاسة من أجل التحدث في أمور السّياسة، فلا يمكن أن يُجرِّم القانون الموتى، كما لا يمكن للحاكم أن يقتص من الفاني. إن أفلاطون أراد من خلال التخفي وراء سقراط استثماره لنقض نظرية المعرفة السفسطائية ليتسنى له هدم النظرية السياسية القائمة، والثّورة على الحكومة الديمقراطية الفاسدة، لقد كان سقراط هو الشّاهد وأفلاطون هو القائل، ونجح أفلاطون أيّما نجاح في استثمار سقراط في محاورته الفريدة التي لازالت إلى اليوم تثير نقاشا علميا كبيرا وحيا.
استثمرت الفرق السياسية والكلامية في الثقافة الإسلامية الموتى من أجل تأسيس المذاهب وإضفاء الشرعية، خاصة أهل السنة والجماعة في توظيفهم للنبي وبعض صحابته كالفاروق وأبي هريرة، ثم الشيعة في استثمارهم بالخصوص للحسين بن علي وبعض الأئمة.   لا أحد ينكر دور المخيال في صناعة النماذج (الصالح / الفاسد)، فالميت المُستحضر ليس بالضرورة تصوره كما يُقدم، بل كان في الحقيقة أبسط من ذلك بكثير، فالمخيال هو الذي يلبسه من الصفات التي لم تكن فيه، والسجايا التي لم يتصف بها، وذلك كله بغية رسم الإنسان الكامل الذي نفتقده في واقعنا المعاصر. ومن جهة أخرى، تفرض حركة التاريخ وجود المحرك الذي يتحرك (نقيض مبدأ أرسطو)، فالموتى يصنعون التاريخ من خلال ما نضفيه من قيم عليهم، فصلاح الدين الأيوبي نرسمه اليوم كما لو كان فريد زمانه ووحيد عصره، ونقدمه في الثقافة مثلما نقدم المستحيل أو المُمتنع، بينما كان صلاح الدين رجلا كباقي الرجال يأكل الطعام ويمشي في الأسواق.
إن استثمار الميت ليس تشويها للتاريخ بل هو علة حركته، فعندما يتمثل المغامر شخصية صلاح الدين فإنها تساعده على الثورة وقلب ما هو كائن من معكوس ما ينبغي أن يكون. إن التناقض بين النماذج العينية يفرض إيجاد النظير والنقيض كأنموذج يقلص مسافة التباين بين النماذج المتصارعة على ساحة التاريخ. إن إيديولوجيا المكر والمغالبة السياسية هي التي تستحضر بعض الأموات لتحقيق المكر التاريخي، قد يكون الميت المستحضر رجلا أثر في التاريخ بأعماله البطولية أو العلمية كما يمكن أن يكون مجرد ما نسجته مخيلة المتلاعبين بألباب الناس وعقولهم، فكثير من الأسماء المخترعة لم توجد أصلا.
ومن خلال ما سبق، لاحظنا أن الأمير عبد القادر كميت منذ أمد ليس ببعيد يُستحضر اليوم في اللعبة السياسية والثقافية من أجل لعب أدوار رمزية مهمة في تاريخ ما بعد الأمير. وبما أن السياسة تقوم على فكرة الممكن إذ يُسمح فيها بما لا يسمح في غيرها من العلوم العملية، لذا أعاد الساسة الأمير بقوة في الخطاب الرسمي الجزائري خاصة بعد الأحداث الدموية التي حدثت في بداية التسعينات، لكن هل عودة الأمير كانت عودة الذات لذاتها أم عودة الذات للعبة الطوطم الأبدية؟
 إن التوظيف السياسي للأمير يضعنا أمام إشكالية سياسية، تتفرع إلى قضيتين أساسيتين تنتهيان عند التناقض أو التداخل، فالقول بأن الأمير مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة يقود أول الأمر افتراض صدقها أولا قبل عكسها، وهذا يستوجب منا التعامل مع الأسئلة الآتية: هل يمكن اعتبار الأمير عبد القادر مؤسس الدولة الوطنية الحديثة؟ وما المعيار؟ ولما الرجوع إلى الأمير بذات؟ وأين يكمن اللامفكر فيه؟

أقطاب الحركة الإسلامية لم يعتبروا الأمير عبد القادر نموذجا للدولة الخلافية، ولم تُطرح تجربته كبديل يضفي الشرعية على القول السياسي لعدة اعتبارات وجيهة من حيث البعد السياسي
والقضية الثانية تتجه نحو القول بأن الأمير أسس إمارة دينية على شاكلة الإمارات الإسلامية الصغرى، فهي من حيث البعد الفكري لا تخرج عن تنظيم اجتماعي بسيط، ولهذا وذاك يستوجب منطق الجدل التعامل معها بطرح الأسئلة التالية: هل البيعة هي بيعة جهادية أم بيعة سياسية؟ وهل يصح سياسيا اعتبار إمارة الأمير نموذجا للدولة حديثة؟ ما المعيار؟ وأين اللامنطوق في نفي طابع الدولة الوطنية عنه؟

شهدت الجزائر قبل الاستحمار الفرنسي دولة قوية في أسطولها البحري ممثلة في حكم الدّايات، إلا أن الدولة الجزائرية لم تكن جزائرية بالمعنى التام للكلمة نظرا لارتباطها بالباب العالي، ومنه كانت مجرد ولاية عثمانية، مع العلم أن نجل الأمير عبد القادر السيد محمد عبد القادر الحسني قال في تحفة الزائر: " أول من أسس أمر الدولة في الجزائر رجل من قرية أجي باد، انتقل إلى جزيرة مثلين المعروفة لهذا العهد بالمدلي، واسمه عروج بن يعقوب ولقبه باربروس الأول، أي صاحب اللحية الحمراء."  ولقد لعب الفكر القومي في زرع ثقافة نفي الحقبة التركية واعتبارها مجرد احتلال، لذلك لا يمكن أن نسمي الأقطار الخاضعة لها دول أو إمارات، بل مجرد كانتونات تركية كما يقترحون.
 كان الفكر السياسي بعد استقلال الجزائر سنة 1962 يتجه نحو نمذجة الدولة الجزائرية ضمن المنظومة الأفروأسيوية، والتي تجعل الدولة الوطنية تتأسس على الفكرة الثورية المنبثقة من الشعب، فلم يكن للأمير في فترة الستينات والسبعينات من ذكر أو حضور، ولم يُذكر إلا في برامج التعليم على أنه شاعر جزائري وأديب.
  إن التحولات السياسية والاجتماعية التي حدثت بعد 5 أكتوبر سنة 1988 أخرجت للسّاحة السّياسية تيارات سياسية، تخندقت في خندق المعارضة الراديكالية، وكان أشهرها على الإطلاق التيار السلفي ممثلا في جبهة الإنقاذ. والتي طرحت نموذج الدولة الإسلامية كبديل عن الدولة العلمانية، وتبنوا فكرة إعادة الخلافة الإسلامية للوجود بعد أن تهاوت سنة 1924 بتركيا. 
إن أقطاب الحركة الإسلامية لم يعتبروا الأمير عبد القادر نموذجا للدولة الخلافية، ولم تُطرح تجربته كبديل يضفي الشرعية على القول السياسي لعدة اعتبارات وجيهة من حيث البعد السياسي، ولأسباب تاريخية وأخري دينية تتمثل في كونه متصوفا وطرقيا. وعليه، تم استثمار الأمير من قبل القوى الوطنية من أجل توجيه الصراع السياسي نحو فلسفة المغالبة بالمخيال.

عبد المجيد مزيان ومفهوم الانبعاث الحضاري

عبد المجيد مزيان ومفهوم الانبعاث الحضاري

أد عبد القادر بوعرفة
30/4/2019
لم يكن عبد المجيد مزيان مجرد رجل عابر لأتون الزّمن الحارق، ولا مجرد سياسي أثقلته هموم السّياسة وابتلعته تلابيب الدسائس، بل كان رجل فكر وتأمل، حلم وخيال، يتقد فكرا كلما انزوى في معبد الفكر، وتهجد في صومعة الفلسفة. لم يكتب كثيرا، ولم يترك إرثا ثقيلا، لكنه في المقابل ترك إرهاصات فلسفية، وتصورات اقتصادية، واجتهادات دينية ... تغدو عند نسجها ورصها مشروعا حضاريا، وعتبة من عتبات الانبعاث الحضاري المأمول في عالم إسلامي لم يرتق ويَعْتَل بعد أولى عتبات الحضارة، ولم يتخلص لحد الساعة من ضريبة الانحطاط الباهظة.
     
يجب أن نصرح أول الأمر بأن عبد المجيد مزيان لم يكن صاحب مشروع حضاري مقارنة بأصحاب المشاريع العرب، أمثال مالك بن نبي، محمد عابد الجابري، أو حسن حنفي ... ولكنه كان قد حمل هاجسا وهما حضاريا ثقيلا، عبر عنه في العديد من كتاباته ومحاضراته ولقاءاته التلفزيونية. وعندما ندرس تلك الهواجس والخواطر ندرك ملامح مشروع حضاري لم يكتمل بعد؛ ولم يُصرح بولادته لظروف لم يستطع عبد المجيد مزيان نفسه أن يتجاوزها.
   
تحدث عن الغد والمستقبل؛ وفي حديثه عن الغَدية نجده لا يختلف كثيرا عن لحبابي، فهو يصر على ضرورة التفكير في الغد والإعداد له إعدادا يليق بالمسلم في عالم يحتكره الكبار. وتحدث عن الحضارة ومشكلاتها، وهو في ذلك لا يختلف كثيرا عن مالك بن نبي، بل نجده أضفي طابعا خلدونيا جديدا على تصورات مالك بن نبي وأفكاره عن الحضارة. ومن خلال ما سبق، نجزم أن عبد المجيد مزيان تحدث بوضوح عن عملية إحيائية نوعية تخص الانبعاث الحضاري المرتقب، وقد حدد لها جملةً من الشروط، استطعنا من خلال دراسة مسحية لجل ما ترك من آثار في مجلة الأصالة بالخصوص، أن نحصيها ونرتبها ترتيبا تصاعديا، ونقصد الانتقال من الشروط الذاتية إلى الشروط الموضوعية.
    
مفهوم الانبعاث الحضاري
ينظر عبد المجيد مزيان للحضارة من منظور تركيبي لا هُوياتي، فالحضارة عنده هي كيان مركب يغذي الشّعور بالانتماء إلى فضاء عام جد متطور، حيث تتناسب فيه الإبداعات مع حركة التطور والرقي السائدة. وعليه، تغدو الحضارة تركيبا منسجما بين مظاهر التمدن الكبرى، أي كل الإبداعات الاجتماعية، الاقتصادية، السّياسة، الفكرية، التقنية، والفنية .... بحيث تشكل تلك الأنساق تميزا لأمة ما، وتجعلها تترك بصمةً تاريخيةً.
  
تتجلى الانطوائية الحضارية في رفض المسلم التعاطي مع التاريخ ضمن منطق التغير والتبدل والتحول، واعتقاده بأن الحضارة يمكن أن نؤسسها على الثابت والأبدي، إن هذا التفسير للحضارة يخالف طبيعة الإسلام ذاته
نلاحظ بأن مفهوم الحضارة عند عبد المجيد مزيان يرتكز جزئيا على الرؤية الخلدونية، فابن خلدون جعل الحضارة تتجلى في طبيعة العِّمران البشري، والذي يعكس بالضرورة التّمايز الحاصل بين المجتمعات البشرية في ظاهرة التمدن وطرق الاجتماع. ويعتبر المعاش وطرق تحصيله من أقوى الصفات الجوهرية للحضارة، وفي هذا المجال عرف ابن خلدون الحضارة فقال: " أن أحوال الحضارة ناشئة عن أحوال البداوة، وأنها أصل لها فتفهمه. ثم إن كل واحد من البدو والحضر متفاوت الأحوال من جنسه فرب حي أعظم من حي وقبيلة أعظم من قبيلة ومصر أوسع من مصر ومدينة أكثر عمراناً من مدينة، فقد تبين أن وجود البدو متقدم على وجود المدن والأمصار وأصل لها بما أن وجود المدن والأمصار من عوائد الترف والدّعة التي هي متأخرة عن عوائد الضروري المعاشية."
  
سيجعل هذا التصور الخلدوني اقتران بلوغ الحضارة أوجها بنهاية العمران وقمته، فإن أوج ما يصل إليه العمران هو ظهور سمات الحضارة من ترف في العيش، وكثرة الصنائع، وتنوع الفنون، واختلاط الأعراق والألسن، وعليه تصبح الحضارة هي منتهى الاجتماع البشري. ويبدو أن عبد المجيد لم يخرج عن السّياق ذاته، ففي مقاله "طريق الذهب وطريق الثقافة" يرى أن طريق الذهب حين استغنى عن الثقافة أنتج حضارة بائسة، فبالرغم من تطورها وترفها إلا أنها مهدت لزوالها وفنائها:" نحن نعلم أن طريق الذهب الذي عُبد في قرون قد أكلته صحراء التبذير والملذات والانحطاط في سنيين وذهب أدراج الرياح بين الجواري والقصور والخمور في غرناطة وتلمسان وفاس. هكذا دُمِرت هذه القرى الفاجرة لأن مترفيها فسقوا فيها."
  
ويبدو من خلال ما سبق، أن عبد المجيد لا ينظر إلى الحضارة من حيث هي ترف ومكتسبات مادية فحسب، بل الحضارة تكمن في الوعي بالتقدم نحو الأفضل مع الحفاظ على الإرث والقيم الروحية التي تحفظنا من الانزياح نحو مزبلة الحضارة، كما حدث لحضارة الأندلس وبلاد المغرب الكبير. إن الحضارة هي إرث متواصل يتطلب عملا آنيا وتطلعا مدروسا نحو المستقبل، عندئذ يتطلب منا تجسيد هذا الأمل ثورةً عارمةً تمكننا من الإقلاع الحضاري وفق سنن الكون وفلسفة التاريخ.
     
لا تنطلق عملية الإقلاع الحضاري من فراغ، ولا يجب أن تتأسس على قطائع لن تجعل الحضارة بمأمن من مكر التاريخ، بل يجب أن تنطلق من أبعاد الزمن الثلاثة معا، فالماضي تراث وجذور، والحاضر وعي وعمل، والمستقبل أمل ومصير. يفرض الإقلاع الحضاري أن تكون عملية الإعداد له مدروسة وهادفة، ويجب على الجيل الذي يحمل رسالة الاستخلاف والشّاهدية أن يوفر جميع الشروط الضرورية للقفزة الحضارية المأمولة.

ينطق المفكر عبد المجيد مزيان في تأسيسه للمشروع الحضاري من قاعدة إبستيمة هامة؛ تقوم على ضرورة تجاوز كوجيتو حضاري سلبي، تمثل في مقولة: " أنت منطوي إذن أنت منحط حضاريا" إلى كوجيتو إيجابي، يتمثل في:" أنت منفتح حضاريا إذن أنت إنسان سوي."  تدل هذه المقولة على أن الحضارة لا يمكن أن تتأسس على الفكر السّحري الذي يعيش في أتون (موقد) الماضي ومتونه فقط، بل الحضارة تتأسس على مجموعة من الشروط الذاتية والموضوعية. وأول شرط من شروطها؛ ضرورة أن يكون المسلم منفتحا سويا، وألا يكون شخصية منطوية مريضة، والغاية من هذا الكوجيتو تحرير المسلم من ذهنية الرجوع إلى الوراء (الماضي)، فالحضارة لا تُبنى من خلال قانون العودة إلى الوراء بل الحضارة دوما تتشكل من خلال قانون التقدم نحو المستقبل، ولا يمكن أن يصل المسلم إلى هذا الوعي إلا إذا تحرر من وهم وسحرية الماضي، فلا العصر الذهبي للإسلام ولا صدر الإسلام يمكِنهما أن يحلا مشاكل المسلم في أي قرن قادم.
  
تتجلى الانطوائية الحضارية في رفض المسلم التعاطي مع التاريخ ضمن منطق التغير والتبدل والتحول، واعتقاده بأن الحضارة يمكن أن نؤسسها على الثابت والأبدي، إن هذا التفسير للحضارة يخالف طبيعة الإسلام ذاته كما يقول عبد المجيد مزيان نفسه: " حينما نتكلم عن الإسلام فهناك أناس يفسرون الإسلام تفسيرا تعسفيا أو غير لائق. الإسلام ومعنى السلفية هو الرجوع إلى الظروف الاجتماعية السياسية الثقافية التي كانت موجودة في عصر هارون الرشيد أو غير ذلك، أي هناك رجوع إلى الوراء، هذا النوع من التحديد الضيق للإسلام سيبقيه إسلاما منقولا عن عصور أخرى. هذا التفسير للإسلام ضيق ومنحرف. لماذا؟ لأني أعتقد كذلك من جانب آخر، أن الإسلام في بداية أمره، وخصوصا في الأربعين الأولى كان ثورةً بأتم معنى الكلمة."
  
وتقتضي ثورية الإسلام أن يظل المسلم ثائرا مُغيرا مبدلا، ففي كل عصر إلا ويقتضي مقام الشّاهدية أحوالا غير التي كانت في العصر الذي سبقه، وإذا انحرف المسلم عن المنهج الثوري سيكون الانطواء والانحطاط محطته ومرتبته، ويكون بذلك فقد رسالته بأن يكون شاهدا على الناس في الدنيا والأخرة معا.