الثلاثاء، 7 مايو 2013

التأويل: سلطة الفهم وتمثلات السيادة


التأويل: سلطة الفهم وتمثلات السيادة
                                                         أ.د عبد القادر بوعرفة
             كان الاعتقاد السائد لدى الشعوب القديمة أن الإله يجتبي من بين خلقه من يكون وسيطا بينه وبين مخلوقاته على السواء ، وكان الاجتباء مبنيا على جملة من الصفات والشروط يستأثر بها سدنة المعابد و الكهنة  فقط ، وقبلهم السحرة والمشعوذين .
    وبُنيت فكرة الوسيط البشري على فلسفة أسطورية محضة ، ترتَكن على أن الإله  كلامه ليس ككلام البشر وإن كان بلسانهم وألفاظهم ، بل عين كلامه تكمن وراء اللفظ ، والذي بالضرورة لا يعرفه إلا الكاهن أو السادن ، فالإله لا يلقى بحكمته إلا لمن ارتضاه صاحبا و ترجمانا.
    عندئذ يصبح السادن هو الوحيد الذي يمتلك الحقيقة ، والآخرون بحكم عدم الاجتباء والاصطفاء عليهم التصديق والتسليم بما يقوله من أقوال أو أحكام على لسان الإله .
    ويصبح صاحب مقام تفسير كلام الإله هو الحاكم  والمتسلط و السيد ، والآخرون هم العبيد ، وهو صاحب الأمر والنهي ، وهم أهل الطاعة و الامتثال ... وكان المقام الذي حصّله بالمكر والخديعة غالبا ما يُدر عليه بالأموال ما يفوق تصوره .
    وبالتالي ارتبط الوسيط منذ القدم بالسلطة و السيادة ، ولازلنا ونحن نعيش في القرن الحادي والعشرين نلاحظ استمرار الوسيط الأسطوري في أبجديات الجماعة البشرية ، ففي الأمة الإسلامية لازال أهل القبور من الأولياء يمثلون الوسيط السحري بين العبد والله ، ويؤمن الناس بقدرتهم على الوساطة لدى الله رغم كونهم أمواتا ورفاتا .. وبالرغم أن تلك الظاهرة ليست من الإسلام ( التوحيد) إلا أن المخيال الاجتماعي عبر الطفرة الطوطمية لم يتخلص من أولى معتقدات البشر ، ومن أولى تصورات مغامرات عقلهم البدائي. كما لازال الداعية يمتهن التفسير ليكون لذاته ونحلته سلطة الفهم وسيادة الحكم.
     فأسطورة هرمس تعكس أن الإله شاءت حكمته وعنايته أن لا يترك البشر دون تعاليم ومعرفة تنير دروبهم في الحياة ، وبما أنه متعالِِ عنهم تعال مطلق (ترنسندانتالي ) فلا يجوز في حقه أن يكلمهم تكليما ، أو أن يوحي إليهم وحيا ، بل تقتضي العظمة أن يختار من بين عباده من يكون همزة وصل بينه وبين مخلوقاته ، وبالتالي اختار الإله هرمس كوسيط ، إنه الوحيد القادر على تأويل كلام الإله ، وهو ليس بالمؤول بالمعنى المعاصر بل هو المترجم لكلام الإله.
    إن اليونان كمجتمع وثني جعلوا من هرمس قاعدة للخروج عن النص المُسيج ، إنه يجوز للعقل اليوناني أن يتفاعل مع النص من منطلق أن هرمس ليس هو الشخص الأسطوري فقط بل أن هرمس هو اللغوس .
    لقد استطاع هرمس أن يُحقق ضمن مجال الثقافة اليونانية منحيين مختلفين :المنحى الأول يكمن في كون المُؤهل لفهم النص الإلهي هو المتحكم و السيد ، لأن المعرفة سلطة والسلطة معرفة ، فكان أغلب الملوك والأباطرة تحت سيطرة الكهنة والسدنة من باب هذا ا المنطق ، والمنحنى الثاني يكمن في قدرة المفكر اليوناني أن يُخرج هرمس من المعبد إلى مجال الفلسفة ، ويصبح الفيلسوف من خلال اللوغس هو هرمس الحقيقي ، وبذلك انقلب الفكر اليوناني رأسا على عقب.
    لقد أصبحت الهرمسية مرتبطة في الفكر اليوناني بتأويل النص الديني ، وارتبطت بفلسفة اللغة وعلوم اللسان ، وعُرفت بالهيرمنونيطقا ، والتي نلاحظها اليوم تكتسي طابعا غير الذي نشأت فيه أول مرة ، وتكتسح من جهة أخرى أغلب الدراسات اللغوية واللسانية.
1-     لم يبق الوسيط مجرد خرافة أو حدث أنتجه المخيال الأسطوري ، لقد تحول الوسيط في الفكر الديني  إلى معتقد يتطلب وجوب الإيمان به ، فالنبي أو الرسول في الديانات الشرعية هو الوسيط بين الله و العباد ، ويكتسب الرسول والنبي قدرة خلاقة على تبليغ الوحي ( كلام الله ) أولا ، ثم قدرة فائقة على شرحه و تبسيطه للخلق.
    فبوجود النبي يكون عين اليقين ، لأن الوسيط مُصطفى من قبل الله، والله لا يصطفي من خلقه إلا من هو حق بذلك التكليف و التشريف معا ، كما أن شرح كلام الله من قبل النبي إنما هو شرح باللسان فقط ، أما المعنى فهو من الله ، وبالتالي لا مجال للاجتهاد .
   أما أهل حق اليقين، فهم أهل العرفان من اجتهدوا في عبادة الخالق فوصلوا عن طريق المجاهدة و العبادة إلى معرفة حقائق النص المخفي وراء اللفظ ، ووصلوا  إلى هتك حجب الظاهر ، فذاك هو التأويل .
   أما أهل اليقين فهم أهل العقل والبرهان ، فهموا النص من خلال حركة العقل و التجربة ، وقاسوا الأشياء على نظائرها ، و الوقائع بتواريخها ، وحاولوا أن يقيدوا النص بالكلام وبنية الخطاب ، وذلك هو التفسير.
    ومن هذا التقسيم يتضح أن النص يخضع من حيث فهمه إلى ثلاث مستويات رئيسة ، مستوى يفرض التسليم بالشرح المقدم له باعتبار أن الشارح مُلهم من قبل الله، ومستوى نقبله قبول الإبداع باعتباره حالة وجد وخبرة فردية ، ومستوى نحمله محمل الاجتهاد، وكلها صور لسلطة الفهم.

تاريخ المقاومة الشعبية بين الاستلاب الغربي والوعي المحلي


تاريخ المقاومة الشعبية بين الاستلاب الغربي والوعي المحلي
                                                أ.د.  عبد القادر بوعرفة
       يرى كثير من فلاسفة التاريخ ، أمثال هيجل وهيربرت ماركيوز ..أن الثورة ليست تلك الوقائع الماثلة للعيان ، وإنما حقيقة الثورة تكمن في الروح التي تسكن الأحداث، فالنبيل (الإنسان المتفوق)عند هيجل هو روح التاريخ كما تمثله في شخص نابيون بونابرت ، أما ماركيوز راهن على الطلبة كقوة مُغيرة ومُؤطرة لروح الثورة .. ولعل غوسيت أورتيجاس كان أكثر جرأة من غيره حين أكد في كتابه (ثورة الجماهير) أنها الثورة ليست من صنع الكتل اللحمية (الجماهير) وإنما الثورة يصنعها الرجال الملهمون فقط. وهذه المقولات يمكن أن نعكسها على واقع الكفاح الجزائري منطلقين من مقولة أن الجهاد الجزائري روحه العلماء وقادته الأبطال وغايته الله والوطن، وبالتالي فالجهاد صنعه رجال ملهمون حقا  بسواعد الشعب.
   ويمكن القول أن دراسة تاريخ الجزائر الحديث والمعاصر ، ينبغي أن تُدرس ضمن ما يسمى فلسفة التاريخ، التي تبحث عن اللامنطوق خلف الحدث والواقعة والظاهرة التاريخية، وتحاول أن تستقرأ العبرة منه، وأن تكتشف الأطر المؤطرة له.
      والتاريخ الجزائري لازال في كثير من كتاباته رهين الآخر (الغرب)، فعندما يؤرِخُ الآخر للحدث الوطني، ويتولى مهنة أرشفة الحاضر فإنه يستلبه استلابا ويُغربه تغريبا، فيصبح التاريخ عندئذ مطية للمغالطة، وجسرالتمرير خطاب الاحتواء، ويحاول آخر الأمر تدجين الأمم المغزوة  وفق ما يريد كغازي متعالي حاضريا.
     وليس الأمر بغريب ، لأن أغلب الأمم الغازية دأبت على تولي مهنة تأريخ للأمم المغزوة ، لعلتين هما على النّحو التّالي:
1 ـ التاريخ يمثل الذاكرة الحقيقية للجماعة والأفراد، ومنه يصبح التاريخ الخطر الأول على الوجود الاستيطاني، لكونه يحمل الخصوصية الثقافية، ويعطي البعد الحقيقي للهُوية، ومن ثمة يغدو المعلم الثابت لرفض المحتل والمرجعية الأولى للجهاد. ولتفادي أي احتمال للرفض يسعى الآخر إلى توجيه التاريخ وفق ذرائعيته وفلسفته، وذلك من خلال تمر يره لخطاب تاريخي يحمل ظاهريا معالم العلمية والموضوعية، لكن محتواه الحقيقي ينم عن نزعة استحمارية بغيضة.
إن الصراع الحضاري يفرض على الأطراف منهج تغليب الرؤية التاريخية، وجعل الأخر معلم الحدث، و تقديمه للأنا في صورة المتحضر ذو النزعة الإنسانية العالية، وفي المقابل إبراز الشخصية المحلية كنموذج متخلف وهمجي( أنديجان)، مما يوحي للفرد الناشئ أن بقاء الأخر في بلده أولى من جلائه.
   ولهذه الغايات وغيرها أسس الاستحمار  الأوربي الحديث علم الإناسة [ الأنثربولوجيا] لأجل تسهيل عملية استحمار شعوب الجنوب، فأغلب الحملات العسكرية إلا وتصحبها جحافل من علماء الأنثربولوجيا، يندسون في شرائح المجتمع المدني مقدمين أنفسهم كأصدقاء للأهلي، والخطورة تكمن هنا بالذات ، فالأنثربولوجي يستطع اختراق المحظور، والتوغل في الثقافة الشعبية، ويربط علاقة تضايفية معها، فيتحول من عدو إلى صديق، ومن الأخر الغريب إلى الأخر الحميم، والنّموذج الذي يمكن أن نستدل به على صحة المعطى ما فعله كل من الأب شارل دو فوكو، إيدمونت ديوت، لويس رين ......
 إن الاستئناس الذي يحصل عليه الأنثروبولوجي مع الأهالي ، يُمَكنه من توجيه أذهانهم وسلوكهم من خلال تشكيله لخطاب تاريخي يمس صميم عمق الجماعة، فيؤثر سلبا على الوعي الجمعي ويقضي على بقايا معالم الاعتزاز لديه.
   وحتى في حالة عدم القدرة على البقاء في البلاد المحتلة، فإن الخطاب التاريخي المؤسس من طرف الكولونيالي ـ الضابط ، القديس ، والعالم سيعمل فيما بعد على صبغة التاريخ المحلي صبغة حربائية، يتلون بلون الثقافة المحلية في القضايا الهامشية المشبعة بالخرافة والأساطير، أو كما نطلق عليها اليوم بالثقافة الفلكلورية،  أما عند تناول القضايا الجوهرية والمصيرية يتلون الخطاب بثقافة الاستلاب والتغريب.
   ومشكلة المؤرخ الجزائري اليوم سواء كان مؤرخا رسميا أو محترفا، تكمن في اعتماده الكلي على ما كتبه الفرنسيون حول الجهاد الشعبي. ومن هنا نريد  توضيح تهافت الخطاب التأريخي الكولونيالي وعدم استقلالية، وأصالة  الخطاب التأريخي الجزائري من خلال نصوص صانعيه وليس مذكرات الضباط والقساوسة.
      فلو افترضنا أن التعصب نال منا حظه، والمخيال المتعالي جنح بنا في سماه، بالرغم من ذلك فإننا لا يمكن أن ننكر حقيقة ماثلة للعيان كون الفرنسي سواء كان أبا أو ضابطا أو عالما أنثربولوجيا هو الذي تَصَدر كتابة ما نسميه اليوم بالمقاومة الشعبية، ليس من باب الروح العلمية أو النزعة الإنسانية ولكن من أجل استكمال المخطط الاستيطاني الذي قسم كما يلي:
1 ـ احتلال الأرض.
2 ـ احتواء العقل.
3 ـ اجتثاث الّلسان.