الجمعة، 9 سبتمبر 2016

فلسفة الفعل




  تم صدور كتاب جماعي وسم ب" فلسفة الفعل" إشراف د. عبد العزيز العيادي  وأ. البشير ربوح
  وشاركت فيه بدراسة عنونتها " فلسفة الفعل الماهية والعوائق" من ص 33 إلى ص 60.
مقدمتها:
ينتصر تاريخ الفلسفة إلى فضاء النظر أكثر من فضاء الفعل، ويُعلي من شأن التجريد أكثر من شأن التّجريب، ويُشَّرِف الفلسفة النظرية على حساب الفلسفة العملية. ونتج عن هذه الرؤية المتعالية اعتقاد لدى أغلب الفلاسفة بأن الفلسفةَ تكمن عظمتها في التأمل العقلي الخالص، وأن الأممَ التي تقدس الفعل على النظر لا تدخل جغرافيا الفلسفة، كما اعتقد ذلك كل من هيجل وهيدجر، فهيجل يتصور بأن الشّعوب غير الأوروبية لم تصل إلى مرحلة الكهولة العقلية التي تعبر بعمق عن قوة النظر الفلسفي واكتمال اللّوغس. ثم صنف في المقابل الشعوب غير الأوروبية في مرحلة الطفولة العقلية، ويسوق مثالا على ذلك الأمم الشرقية، بينما الأمم الزّنجية بإفريقيا عنده لم ترتق مداركهم إلى ما فوق الحس، فهم أبعد النّاس عن الفلسفة والتفكير المجرد. ويسير في الاتجاه نفسه، مارتن هيدجر حيث أعلن بكل ثقة فكرة "المركزية الأوروبية" معتقدا بأن الفلسفة أوروبية بالماهية والعرض. 
انتبه إلى هذه المفارقة عبد العزيز العيادي في كتابه "فلسفة الفعل"، حيث نظر إلى العلاقة التاريخية بين النظر والعمل على أنها موطن من مواطن التساؤل الفلسفي:" لقد شكلت علاقة النظر بالعمل والنظرية بالممارسة والفكر بالفعل موطنا من مواطن تساؤل الفلسفة ما تزال توتراته مكررة حتى اليوم ليس في خطابات الفلاسفة وحدهم بل وعند الابستيمولوجين والاثيقيين وحتى السّاسة. والغالب في تباين الإجابات هو القول بأحد السبقيْن، إما سبق الفكر للفعل - وهو ما تتبناه كل المثاليات بما فيها الوضعويات بتنويعاتها التحليلية في اللغة وفي السياسة - أو بأسبقية الفعل على الفكر وهو ما تقول به الماديات سواء كانت ميتافيزيقية أو موضوعانية، أو جدلية، ولعل الحال في هذه الصراعات هو حال الفلسفة وقد أصابها شلل نصفي قليلا ما تعافت منه طيلة تاريخها، هذا الشلل النصفي لا يطال علاقة الفكر بالفعل وحدها بل علاقة الإنسان بالعالم وعلاقة الفردي بالجماعي، وعلاقة النفس بالجسد، وعلاقة لغة الفلسفة ذاتها بغيرها من ضروب التعبير كيف تستبعدها باسم الحصانة أو الصرامة أو علو المنزلة وما أعطاها ذلك إلاّ خسارا."[1]
 رافع عن هذا الشطط الفلسفي كثير من الفلاسفة، فأرنست باركرErnest Barker يعتقد بأن الفلسفة النظرية لم تنشأ إلا في الفضاء اليوناني باعتبارها تتطلب بلازما خاصة، ويعني أن أصل الفكر مرتبط بالعقلانية الهادئة والواضحة للفكر اليوناني، فبدل أن يلقي اليونانيون بأنفسهم في دائرة الدين، ويروا هذا العالم بعبارات إيمانية كما فعلت شعوب الهند ويهودا، اتخذوا مواقعهم في مملكة الفكر.[2]
      دافع جون جاك شوفاليه على فكرة باركر، بل أضاف في زعمه دليلا آخر على علو شأن النظر وتميّز اليونان على غيرهم من الشعوب، ويبدو ذلك من خلال الفقرة الآتية:" لقد هيأت الملكة العقلانية العجيبة لدى اليونانيين، وسمحت وهي تمارس على قضايا المدينة من حيث: أسسها وأخلاقها ومؤسستها وأمراضها المحتملة وعلاجاتها، بظهور تلك الصروح في الأدب السياسي العالمي، المتمثلة بأعمال أفلاطون وأرسطو."[3]
  تعتبر هذه الأحكام القاسية منذ عهد أفلاطون* إلى يومنا من أكبر العوائق التي لم تجعل الفلسفة العملية تتقدم وتتطور، ونستثني من ذلك العلم المدني (السّياسة والأخلاق) بالتّعبير الأرسطي الذي شهد تقدما معتبرا.
تخبرنا المدونات اليونانية أن اليونان كانوا يحتقرون العمل ويقدسون النظر، فالعمل كلفت الآلهة به العبيد فقط، وهذا ما عبر عنه أرسطو حين قال لا يمكن للمغازل أن تتوقف ما دام هناك عبيدا يحركونها بأيدهم. ولقد سار على تلك النظرة المتعالية المفكر الفرنسي أرنست رينان حين صرح بأن: "الطبيعة خلقت عرق (الشغيلة) إنه العرق الصيني ذو المهارة اليدوية المدهشة دون الإحساس بالمهانة من العمل. أحكموه بالعدل فسوف يكون راضيا، ثم خلقت عرق (عمال الأرض) إنه العرق الزنجي كن معه طبيا وإنسانيا وسوف تجرى الأمور كما ينبغي."[4]
  ومن زاوية أخرى، نعت جلّ فلاسفة الغرب الفكر الشرقي بالحكمة لا بالفلسفة، معتبرين إياها مجرد حكمة عملية لا ترقى إلى الحكمة النظرية، لأن الإنسان الشرقي ارتبط بالتراب أكثر من ارتباطه بالسّماء، فالارتباط بالتراب يجعل الإنسانَ يتأمل ما تحت قدميه فحسب، بينما من يرتبط نظره بالسّماء يجنح نحو التأمل العقلي الخالص. وعلى حسب تلك النظرة، فإن جل الحضارات التي نشأت على ضفاف الأنهار اتسمت بتقديس العمل على النظر، فالعمل هو القاعدة والأساس بينما الفكر يأتي في المرتبة الثانية من أجل ترشيد الفعل وتصويبه، فالتجربة هي محاولة اختبار العمل من حيث تطابقه مع الواقع المتصور. ويُفسر كل من باركر وشوفاليه ذلك بظاهرة الانفعال، فالشعوب الشرقية عاطفية ومنفعلة، في حين أن مملكة الفكر تتولد من رحم الهدوء وعدم الانفعال. 



[1]- العيادي، عبد العزيز، فلسفة الفعل، منشورات دار نهى للطباعة والنشر، تونس، ط1، 2007، ص ص 7، 8.
[2]- جان جاك، شوفاليه، تاريخ الفكر السياسي، ترجمة محمد عرب صاصيلا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط 1، 1998، ص14.
[3] - المرجع نفسه، ص27.
*-  ردّ ابن رشد على أفلاطون بأن الفلسفة تتوزع ولا تتوقع. راجع كتاب الضروري في السياسة.
[4]- أنظر: بن نبي، مالك، القضايا الكبرى، ص ص 77، 78. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق