الثلاثاء، 23 أكتوبر 2012

كتاب الحضارة ومكر التاريخ / أ.د عبد القادر بوعرفة


مقدمة كتاب الحضارة ومكر التاريخ (الجزائر)


    بيّنا في كتابنا الموسوم: الإنسان المستقبلي في فكر مالك بن نبي  بأن  الحضارة في العالم الإسلامي تتعلق أساسا بالإنسان أكثر من عنصري الوقت والتراب، ذلك أن التراب والوقت يرتبطان من حيث الوعي والحضور الفعال بالإنسان، وبالتالي يصبح المشكل الحقيقي في الحضارة هو الإنسان بالدرجة الأولى.
  وفي الكتاب الموالي، سنحاول قدر الإمكان، تحليل ظاهرة التَّحول الحضاري وأفول مسيرة الإنسان الشاهد، وفق فكر مالك بن نبي أولا ثم من خلال الفكر النقدي ثانيا، كما أنه لا بد أن نحدد أيضا الأبعاد الأساسية لمشكل الحضارة بغية وضع مشكلة الإنسان في حقولها المعرفية وأطرها الحضارية، عندئذ يمكن القول أن النقد الحضاري يتجه نحو غاياته الكبرى فقط عندما يعي الإنسان وضعه الحضاري في لعبة عالم الكبار.
      إن إشكالية الإنسان في الفكر البنابي تتخذ صورة عميقة وخطيرة، وتلك المسألة فرضت عليه عدم اللجوء إلى منهج التجزئة أو الذرية المعتادة من منطلق فهمه لمشكلات الحضارة، بل حاول أن يتجاوز - كما نرى- هفوات مفكري النهضة في معالجة مشكلة الحضارة عموما.
      ومن نَحو الحضارة نعتقد اعتقادا جازما أن الإنسان علة ومقياس كل الأشياء من باب الممكن والفعل، بغض النظر عن الحتميات الطبيعية والغيبية. ولست أريد من ذلك الرجوع إلى القول السفسطائي المُمَجد للإنسان، بل التركيز على أن قولهم لم يكن مخالفا للصواب لو وضع في باب الممكن و النسبي. فكل ما هو قوام الموجود في الوجود  يفتح إمكانية الممكن والمحتمل، وكل ما هو ممكن يرتبط بالفعل والقدرة، أو كما قال فيلسوف قرطبة ابن رشد بالاستطاعة.
      والمسلم كنموذج للإنسان العالمي من خلال أفق الغَدية [ نقصد بها الغدDemain ] المرتبطة بالنظرية السلفية استطاع في الماضي أن يُحرك ويتحرك نتيجة وعيه لحقيقة التدافع الحضاري ومبدأ الاستخلاف الإلهي، فاقتحم باب الممكن من خلال حركة الفتح العالمي واستند على الفعل [ التقوى ]* كمعيار التفوق.
       إن ما نلاحظه اليوم من أفول وانحطاط لحضارة الإسلام بعد عالميتها الأولى، هو مظهر من مظاهر سنن التداول الكوني، وهذه الأخيرة تفرض العودة المُتقدمة نحو أفق الحضارة المرتقبة، إنها تشبه دورة القمر تماما، فالحضارة تبدأ أول ما تبدأ كالهلال في يومه الأول، ثم تكبر حتى تصير بدرا مكتملا، لكن بعد الاكتمال تأتي مرحلة الأفول والعتمة. وإذا كانت دورة القمر تتحكم فيها سنن كونية بحتة فإن دورة الحضارة مرتبطة أشد الارتباط بالمحرك الذي يتحرك، الذي هو الإنسان، الخليفة في الأرض والموعود بالخلود في الجنة. وليس هذا التشبيه قياسا على ما قدمه أرسطو حول الصانع الذي وصفه بالمحرك الذي لا يتحرك، بل الغرض منه تحرير الإنسان من الحتميات المُحركة لمسيرته.
      ومما سلف يبقى الإنسان عند الفلاسفة والعلماء حجر الزاوية في الوجود كله، فلا حضارة بدون بنائه، ولا فلسفة بدون مركزيته، ولا تكنولوجيا بدون إنجازاته.
    وعلى هذا الأساس، استحق الإنسان الاستخلاف في الأرض، والأمانة المذكورة في القرآن[1]  لم تكن أمانة العبادة فحسب بل كانت أمانة الفكر والتدبير، الحضارة والعمارة.. لأن المُخاطب هو الإنسان المُستخلف في الأرض، واللفظ في الآية الكريمة يفيد العموم لا الخصوص.
    وإذا كنا اليوم نقر بتراجع المسلم عن الخط الإستخلافي الذي خُلق من أجله أصلا ( الشهادة الحضارية )، فإنه يتحتم علينا اليوم وغدا أن نعود إلى ذاته دراسة و تحليلا من أجل معرفة إمكانية البعث و الإحياء، والتمهيد للعالمية الإسلامية في دورتها الثانية أو الخاتمية المنشودة لأمة الرحمان، لأن القاعدة الأكيدة في معادلة الحضارة هي كل أفول للحضارة يعني بالضرورة أن أفول الإنسان كان السابق عنها، وبالتالي فإن البناء الحضاري يستوجب الرجوع إليه أولا لكونه الرأسمال الحقيقي والرمزي لكل أمة تحمل أبعاد الوجود.
    ولا بد أن نعترف منذ البداية أن الدراسة ليست قراءة تفسيرية لفكر مالك بن نبي بل هي دراسة نقدية لمرجعياته الفكرية ولنظرياته المتنوعة، التي تخص على العموم موضوع الإنسان والحضارة، وبالتالي فالموضوع المقترح اخترنا أن يكون حول الحضارة ومكر التاريخ لما للموضوع من علاقة وطيدة بفلسفة التاريخ.
     إن أزمة الإنسان العربي المعاصر، ينبغي أن تعطي لها الأولوية التامة والهامة، من خلال وضع الأعمال الفكرية بمنأى عن الإيديولوجية الظرفية الحانقة والمترعة بالشك والحقد، والذرية الفكرية القاتلة التي لم تزد الأزمة إلا اتساعا والانحطاط إلا ترسخا. فنحن لا نريد أن يُدرس الإنسان مفككا ضمن حركة الحضارة ومكر التاريخ، بل ينبغي أن تكون الدراسة شاملة لكل مناحي الحياة والوجود. فلقد بات واضحا أن طريقة التجزئة لا تنفع في تحقيق العالمية الإسلامية الثانية من الأندلس إلى أندونسيا، بل هي تفيد التاريخ في تجسيد مكره وبقاء عصر دويلات الأعراب على حالها منذ عهد التشرذم الأول.
      وتكمن المفارقة في الفكر العربي المعاصر على الخصوص والإسلامي على العموم عندما يعمد البعض إلى دراسة العقل فقط، والبعض الآخر القلب والإيمان، و طرف ثالث اليد والإنتاج.. فهذا يعني أن العقل لا يزال تحت نير المكر والوهم، لأن العقل المتحرر من مكر التاريخ هو الذي يلج و يلح على ضرورة دراسة الإنسان كوحدة متكاملة، و كذات شاعرة بوجودها في أبعاد التاريخ الثلاثة.
     إن الفكر الغربي أصبح سيد التاريخ والحضارة عندما استطاع أن يمكر فوق مكر التاريخ، لكنه حين جعل الإنسان مجرد رمز أو شفرة في عقل إلكتروني مُجَرَد من كل الصفات الإنسانية، بل هو آلة مزدانة بالشعور كما يرى العالم هوكسلي. عندئذ أصبح الفكر الأوروبي المعاصر ينزاح نحو مكر التاريخ، ويصحو على استشرافات أزفولد شبينغلر في كتابه  أفول الحضارة الغربية سنة 1924 أو رجاء غارودي في كتابه البنيوية موت الإنسان.
      إن أبرز ما نخلص إليه كبديهة هي أن  الإنسان الشاهد  يعتبر كنموذج مستقبلي في عالم قتل الإنسان وجرده من كل ما يحمل من إنسانية وأبعاد، وبالتالي فالشاهد حتما سيتحرر من مكر التاريخ في لحظة وعيه لتحديات الوجود، وسيكون معلما فكريا يمكن على ضوء النظرية البنابية أن يتجسد تاريخيا، وأن يجد لنفسه موضعا أساسيا و رياديا في حضارة العالم القادمة.
       كما نلاحظ وجود نزعة إنسانية مفتوحة لا مغلقة، لا يحدها خط طول و عرض ولا يأسرها مذهب أو دين، بل نزعة إنسانية عالمية منبثقة من المبدأ القرآني الشامل.
       ولعل أبرز سمة في الفكر البنابي مطابقة التاريخ لحركة الإنسان، فالإنسان لا يتعالى على التاريخ، بل ينسجم معه و فيه، و تتحد روحه به إتحادا وظيفيا. والإتحاد ليس من منظور الفلسفة الجبرية، بل الإتحاد يكون من منظور فلسفة التاريخ الحركية، التي لا تلغي حرية الإنسان وقوته في تحريك الحدث التاريخي.
         إن الفكر البنابي لا بد أن يدرس بمعزل عن الذهنيات والصراعات الوهمية، والغاية تأسيس فكر جزائري أصيل مرتبط بذاكرته التراثية ارتباطا شعوريا ووظيفيا، ومع حاضره فكرا وعملا، ومع مستقبله استشرافا واستعدادا، ومع العالم العربي حرقة وتلاحما، والعالم الإسلامي وعيا وتقدما.
    ولا بد في عملية الولوج الحضاري الجديد أن نصحح المفاهيم عن الفكر و العقل، عن الدين والفلسفة، وعن الهوية التاريخية، لأن أزمتنا الحقيقية أزمة مفاهيم وفعل. إن نقد العقل غير كاف لتجديد الإنسان، بل نحتاج في الوقت نفسه إلى نقد الفعل.
     كما أن مشاكل العالم العربي و الإسلامي لا تحل بالفكر المستورد فقط، وإنما تحل بالفكر المحلي الذي ينسجم مع روح الأمة، ويتطابق والتاريخ الحي للإنسان الشاهد.
     إن الفكر بصورة عامة، هو إعمال العقل في الأشياء للوصول إلى معرفتها، سواء بالنظر العقلي (REFLEXION )، أو التأمل (Méditation ). والفكر كما قال بن سينا: " وأعني بالفكر ها هنا ما يكون عند إجماع الإنسان، أن ينتقل عن أمور حاضرة في ذهنه متصورة أو مصدق بها تصديقا علميا أو ظنيا أو وضعيا و تسليما على أمور غير حاضرة فيه."[2]
      والفكر من خلال النظرة السناوية يعبر بكل وضوح عن انتقال الذات العارفة مما هو حاضر إلى ما هو ليس بحاضر، وعليه ينبغي على الفكر الإسلامي المعاصر أن يُفكر في المفتقد والغائب، وأن يُطور المستهلك والراهن لعدم نجاعته في كثير من الجوانب, ولا يكون ذلك إلا إذا كان الفكر يشك وينتقد، يحلل ويركب، يتخيل و يبدع...الخ. والهدف رد الكثرة إلى الوحدة، والكم إلى الكيف، والنظرة إلى الفكرة، والفكرة إلى العمل.
    والفكرة ذاتها تطرح عدة إشكاليات، فليس كل فكرة تتولد عنها أفكار نافعة وناجحة تعبر عن انسجام الذات والموضوع، لأن الفكرة تتمظهر في عدة مظاهر، فهنالك الفكرة العارضة (Idée ADVENTICE ) وهي لا تخدم مصالح الأمة لأنها مجتثة القرار، تتولد عن الحواس، وتكون أقرب إلى العقل الطبيعي.
     كما أن الفكرة المصطنعة (Idée FACTICE ) لا تحل الأزمات، لأنها مرتبطة بالحاجات الملحة لا بالغايات المقصودة و يمكن أن يكون لها بعض الأثر في التجديد لكن سرعان ما تنجذب نحو دائرة المكر التاريخي لعدم أصالتها.
    وينبغي أن يتفطن العقل إلى وجود أفكار قاتلة، تتجلى خاصة في الفكرة المتعالية (IDEE TRANSENDENTALE ) تجنح إلى المثل و الإيطوبيا، والأفكار المطلقة، مما تجعل العقل يبتعد عن واقعه ومتطلبات وجوده.
  وهناك الفكرة الكاذبة ( PSEUDO IDEE ) التي تتجه نحو الغموض واللاوضوح كما يكون اللبس و الوهم أبرز مظاهرها، وأغلب مصادرها الفكر السياسي المؤدلج، والتأويلات الدينية لكثير من النصوص المقدسة .
     وأخطر أنواع الأفكار تلك التي يتسم بها الفكر العربي المعاصر، الموسومة بالفكرة الثابتة (IDEE FIXE ) إذ هي صنوان المرض النفسي، تجعل الذات متسلطة، تتسم بالوثوقية و تتحول في أغلب الأحيان إلى ممارسة ذات طابع عنيف وترتبط بالفكر الدّيني والإيديولوجي.
       ومن خلال ما سبق نلاحظ أن الفكرة البنابية اتجهت نحو الفكرة المطابقة (IDEE ADEQUATE) التي تتميز بالانسجام التام بين الذات والموضوع، ومطابقة العقل للفعل، وملائمة المقال للمقام.
      إن أزمة الفكر العربي المعاصر تكمن في عدم تحديد طبيعة الفكرة التي تخدم القضية العربية خاصة والإسلامية عامة، ولازلنا نعيش صراعا فكريا نهايته القتل أو التكفير، وفي الجهة المقابلة الاعتقال أو الاغتيال.
    إن الفكر العربي انساق عموما وراء الفكرة العارضة ثم الكاذبة منتهيا عند المتسلطة، وبالتالي فإن الأزمة سيطول عمرها، وتزداد خيوطها تشابكا وتداخلا، ما لم نخرج من أسر الدوغمائية والإيديولوجية ونحطم أصنام العقل الجديدة. ولكي نتجاوز أمراض الحضارة وأصنام العقل لا بد أن نستعين بالفلسفة ولكن أي فلسفة لأية حضارة غَدية؟
      إننا نعني تلك الفلسفة الواقعية المرتبطة بحروف الحكمة العملية، والبعد النقدي الإحيائي، المتحررة من متاهات الميتافيزيقيا والطوباوية الحالمة. ولو أردنا تحديدا دقيقا، فنحن بأمس الحاجة إلى ما سماه أوغنست كونت بالفلسفة العامة (LA PHILO-GENERALE )، لأنها تتعلق بالمسائل العامة والمُعاشة، كمسائل النفس، المعرفة، التاريخ، المنطق، الأخلاق والجمال...الخ
      إن الشطحات الفكرية التي نسمع إيقاعاتها من حين لآخر، تزيد في تعميق المشاكل الراهنة، فعندما يظهر كتاب (الإيديولوجية العربية المعاصرة ) لعبد الله العروي ثائرا على النزعة التوفيقية الانتقائية، فإن عمله لا يخرج عن شطحة فكرية، تمخضت عن نشوة وترف فكري لا غير، إذ الكتاب لم يأت بجديد، فالمثقف العربي لا زال أسير الإيديولوجيات الماركسية بالرغم من لوجه الألفية الثالثة. والجابري في ثورته على الخطاب العربي المعاصر لم يخرج من دائرة النقد والاتجاه نحو نزعة ثيموسية فكرية، من خلال نحته مصطلحات فلسفية لا تؤثر في حركة التاريخ وإن فعلت فعلها في تحريك العقل السجالي.
      وتصطدم بالخيبة وأنت تطالع كتاب( الثابت والمتحول ) لأدونيس، ومؤلفات محمد أركون الخاصة بنقد العقل الإسلامي، وفؤاد زكرياء ... إذ تشعر بنفسيات منسلخة متصدعة، تريد أن تنبت في تراب لم تطأه قدم، فالقطيعة مع الذاكرة التراثية والوجهة الحداثية في رأيهم مطلب عاجل وضروري وكأن الأمة التي ينتمون إليها قد وصلت إلى أفق الحضارة مما يتطلب القول بالحداثة وغيرها....  وليس من باب السجال العقلي أن أخوض في ذكر التجارب الفكرية الأخرى في العالم الإسلامي بل سأكتفي بما ورد سالفا.
     وليس من التهكم والسخرية القول أن الفكر العربي المعاصر لا زال لم يدرك مشكلاته الحقيقية، بل يعيش لحظة ترف فكري في بعض المواضيع، ويعيش في مواضيع أخرى فقرا فكريا مدقعا ( الأنيميا الفكرية ).
        إننا كجيل دخل عتبة القرن الواحد و العشرين بحمولة من الهزائم المتكررة ونفسية متعبة من جراء الظلم والاستبداد و القهر الاجتماعي، نريد أن نتخلص من كل رواسب الفكرة العارضة والمتسلطة، ونضع الفكرة المطابقة طريقا للوجود.
       إن مالك بي نبي يمثل حلقة وصل بين جيل صنع الجهاد الشعبي وثورة التحرير وبين جيل يحمل تحديات المستقبل، ويستعد لخوض دوره الحضاري في القرن القادم.
    عندما نطالع التراث الإسلامي، نقف عند لحظة تاريخية تعكس مدى تطلع العلماء والمفكرين السلف للإنسان النموذجي، فلقد أكد الأستاذ زكي نجيب محمود في كتابه  تجديد الفكر العربي وخاصة الفصل الخامس عشرة المعنون:" نموذج الإنسان في تراثنا "، أن صورة الإنسان النموذج عند السلف ترتبط بالعقل دون أن يخوضوا في معانيه و مفاهيمه الفلسفية و لكن في صوره البسيطة، من معكوس ما يقتضيه مفهوم الهوى، فالكمال الإنساني عند السلف يكمن في العقل وحده.
    وهذا يدل على أن الذاكرة التراثية اهتمت بالنموذج الإنساني لكن دون أن تؤسس علما أو مذهبا يهتم بالإنسان من أجل حصانته وحمايته من جميع أنواع الانسلاخ والانحطاط المُلمة به، والتي هي من فعل مكر التاريخ.
      إننا كجيل، نعيش أصعب اللحظات وأمرها، فنحن نتقلب بين ماض يخط في نفوسنا صور الكمال النسبي للإنسان، وبين حاضر ينقش في شعورنا انطولوجيا الشك والوهم والغل[3]، ثم نعيش واقعا تجتر فيه الذات العربية، مرارة الانهزام المتكرر، وفظاعة الاستبداد والحكم.
    إننا كجيل نبحث عن خيط " أريان " يقودنا بعد المعركة مع ذواتنا إلى نقطة الانطلاق في متاهات الذاكرة المنسية والنصوص المقدسة وعودة عبادة الأوثان البشرية.
    إن الفلسفة أغرقت الإنسان في المفاهيم اللاهوتية و الوجودية ثم الحداثية، وبدأ الإنسان يشعر أنه غريب عن تلك النماذج التي أبدعها مفكرون أقل ما يقال عنهم المترفون فكريا.
    إن الفكر العربي المعاصر موازاة بالفكر الغربي تخطى لحظات الميلاد، بل الحقيقة أنه ولد منذ عهد قريب، و هو يعيش مرحلة الفطام, أعني الفطام من التبعية للفكر الغربي بجميع أشكاله والفكر العربي القديم من جانبه السلبي واللامعقول.
       عندما يتحدث مفكر مخضرم، عن نهاية التاريخ ويُنَّظر للرجل الأخير، تشعر أن العالم أصبح لا يسع إلا رجلا واحدا، يعتبر نموذج زمانه في كل مجالات الحياة، لكن هل انتهى التاريخ كغاية؟
        إننا كجيل، سنحطم تلك الرؤى الفلسفية التي تبحث عن منفذ يُشل قدراتنا الإبداعية، ويعرقل نهضتنا الفتية، لكي يصبح العالم وحيد القرن، وتظل الليبرالية الفلسفة المهيمنة.
     إننا كجيل سنضع من فلسفة الرفض سلاحا، نخوض به معركة الوجود، ونعمل على أن نكون أول من يبدأ التاريخ الجديد، ولن يكون هناك رجل أخير إلا الإنسان الشاهد خاتم البشر.
          إن أول خطوة، ينبغي عملها الوعي التام بضرورة إعادة بناء الإنسان الجديد والتحرر من مكر التاريخ عن طريق وعي حركته.
     إن جهود التنمية في البلاد العربية، تصطدم دوما بالعوائق المشلة، التي تفرزها الأمراض الصبيانية المورثة منذ عصور الدروشة والشطحات الصوفية، فأوهام العقل لا زالت تحجرنا وتفقدنا أمام المواقف الحرجة التفكير الجاد والعمل الفعال، بل تعلو الرومانسية الحالمة في شعورنا فوق كل اعتبار، وننفخ ذواتنا القزمية حتى نخال أنفسنا عمالقة لكن مجرد نسمة هواء تسقطنا أرضا ، ولعل نموذج العراق خير دليل.
     إني أومن أن العمل الحقيقي يكمن في تحرير الإنسان من تلك الأمراض النفسية، فالتغير وفق المبدأ القرآني يبدأ من النفس قبل كل شيء.
    إن أحبولة التاريخ تتمثل في نرجسية الذات، وذهان السهولة والمستحيل، والفخر بالإرث التليد، وغيرها من الصفات، التي هي العدو الحقيقي للشاهدية.لأننا لم نهزم كأمة، إلا بعد أن هُزمنا في ذواتنا فتكونت في أذهاننا قابلية لكل أشكال الإستحمار والغلبة.
   إن الأمة التي لا تأكل مما تزرع، ولا تلبس مما تنسج، هي حتما محكوم عليها بالانقراض الحضاري، أو على الأقل بالبيات الحضاري عند أدنى درجات مكر تاريخ.
   إن الفرد عندما تُهان كرامته، وتُهدر حقوقه وتُقيد حريته من طرف أولي الأمر والغلبة فلن يطول الأمر به حتى يفقد وجوده الحضاري ويغدو مجرد عالة على مجتمعه.
        إن مالك بن نبي لم يكن مفكرا شعبويا، أمثال علماء الدين والأئمة الذين شغلوا الناس و سدوا الأفق، لكن رغم نخبويته نعتبره أكثر فاعلية وديناميكية من أولئك الذين حركوا الأجساد البشرية في مظاهرات حاشدة، لكنهم لم يحركوا أبدا عقولهم، و لم يهزوا أنفسهم المريضة،  بل الأدهى والأمر أضافوا إلى أمراضنا أمراض التعصب و التطرف.
   إن الياباني يحمل بين جوانبه دوافع روحية مصدرها عقيدته الوثنية، لكن كما يقال في المثل الشعبي " عقله حامي وقلبه بارد " أما نحن معشر العرب فنملك العكس " القلب الحامي " و" العقل البارد "، مما جعل كل عمل مجرد ثورة ظرفية تخنقها بعد لحظة الفورة القلبية، ثم الهدوء والسكون القاتل.
     إننا نأمل أن يكون القرن الحادي و العشرين، قرن الميلاد و التجدد، و ظهور العالم الإسلامي كقوة أولى أمام الوحش الرأسمالي، الذي يعد أيامه الأخيرة على حسب كثير من فلاسفته و مفكريه كشبنجلر وكاريل.
و ختام القول يمكن الجزم أن الدراسة رغم ما بذلت فيها من جهود وتقصى، قد تكون مجرد نقش على الرمل أو خط على صفائح يّم، لكنها تمثل بادرة صغيرة، ونورا خافتا، إذا وجدت العقول المستنيرة قد تصبح بعد أمد نورا يشع على العالم كله. فإذا كانت شمس الله قد سطعت على الغرب في عصور الإسلام المنيرة، فإنها ستعود لكي تسطع ليس على الغرب فقط بل على العالم كله.
       قد لا أكون وفيت مالك بن نبي حقه، بل يمكن أن أكون قد حملته ما لم يقل، لكن عذري قد يقبل إذ ما علم نيتي، وما يخامرني من غربة واحتراق، ومن معاناة ومكابدة، وسؤال يتلوه سؤال، يلج في ذهني كما يلج السهم في الهدف، وألم السؤال أصعب من ألم الجراح.
       إن السؤال هو الذي أخرج آدم من جنته، ولعل الشيطان في أفق المجاز الرباني لم يكن إلا مجرد وسوسة السؤال.. ونحن نأمل أن نعيش السؤال بكل أبعاده، لعل وعسى تنبثق عنه الدوافع والمسوغات التي تخلق ميكانزمات الانبعاث الحضاري، وتحرر العقل من جموده، والنص من قداسته، والاجتهاد من آسره، والإنسان من كبوته وغفلته.
       إن وجودنا مرتبط بمدى تفكيرنا، فعلى قدر ما نفكر على قدر ما نكون. وسنحاول أن نُكَوّن مدرسة بنابية مع المثقفين الخيرين من أبناء العالم الإسلامي، ليس من أجل تريد ما قاله بن نبي في القرن العشرين ولكن من أجل البحث والاستشراف والعمل على التنظير وفق روح مالك بن نبي لا وفق منهجه ونسقه ونصه ،لأن الإبداع الحضاري يتطلب من الأجيال التواصل كشرط للتمدن لكن تتطلب أيضا التحرر من السلف .
   وإذا كان لكل جيل نوع من الكوجيتو الذي يحدد معالم هُويته في لحظة ممارسة التعبد  الحضاري في هيكل الخلافة الربانية ،فإن الكوجيتو الذي نتمثله في لحظة التدافع الإنساني  هو : " أنا أشهد إذن أنا موجود ".



* -  التقوى تعني في اللغة الاتقاء والحذر والمكر الإيجابي ، ونحن نعتقد أن الله كان يقصد بها في النص القرآني معنى الحذر من الفعل وضرورة النظر في عاقبته على مستوى الفرد الشاهد أو الجماعة.
[1]- الآية الكريمة: {إننا عرضنا الأمانة على السماوات و الأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها.وحملها الإنسان أنه كان ظلوما جهولا } الأحزاب: 72.
[2] صليبا، جميل، المعجم الفلسفي،دار الكتاب اللبناني،بيروت،ج 2، ط 1 ، 1982،ص 155.
[3] - لقد حاول صديقي د. الحسين الزاوي أن يعالج تلك الأزمة الحضارية في كتابه الرائع و الممتاز " الشك ومكامن الغل - قراءة في فلسفة المشهد الجزائري " المنشور برياض العلوم للطبع والتوزيع بالجزائر 2005.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق