الجمعة، 25 يناير 2019

المقامة الوَهْرَانِية

المقامة الوَهْرَانِية
عبد القادر بوعرفة
********
حدثنا عامر بن صعصعة فقال: حَالُ البلاد في الصّيف عَجبٌ، وأحوالُ العبادِ فيها عجبُ العجب، فكلما أبرق الصّيف، كثر العزف والزّف، والنّقر على الدّف، وأكل ما طاب ولذ من الطعام، ولُبس ما غلى وازّين من اللّباس. وكل ذلك من كثرة الأعراس، وأفراح النّاس، والتي تُعد بالأخماس والأسداس، ويُعلن عنها بالطبول والأجراس.
        ذات أمسية من الأماسي، بينما أنا جالس في بهو الاستراحة، تحت ظل شجرة فواحة، أقبل علي العم مفتاح، وقد بدت عليه تباشير الفلاح، وتقاسيم الانشراح، وتهَاليل النجاح، فلما دنا مني دنوا قال: السلام عليكم يا أهل الصلاح، شذاه عليكم حتى الصباح. فرددت عليه مداعبا: ومثله على أهل الفلاح، والناس الملِاح، أقبل فكل معي بعض التفاح، وكأس شاي بالنعناع، يزيل الصُداع، ويُهدئ الأوجاع.
   جلس العم مفتاح، وهو يداعب القدح لثما، ويقضم التفاح قضما، حتى أجهز على ما في السّلة، وشرب ما في الإبريق، وكأنني به لا يَمْضغ ولا يَصْمغ، والحمد لله أن الإنسان خُلق بفم لا بفمين.
   ولما بلع الكل شَبِع، ثم تربع وخشع، وابتدرني بالكلام: جئتك اليّوم في مسألة، مالها عندي ترجئه، فأرجو منك التّنوير، التوضيح ودقة التّصوير، وأنت كما نعلم ابن الجامعة، بخباياها ضليع، وبخفاياها سميع.
   قاطعته ساخرا قبل أن يسأل: خيرا يا حاج، لما اللجاجة، والتنميق والديباجة ؟، وأنا كما تعلم لا أملك بناتًا للزواج، ولا ديكة ولا دجاج....  قال غاضبا: كف عن المزاح، واسمع يا صاح، إني اليوم لفي سرور وانشراح، خاصة وقد نجحت بُنيتي صباح، وقد جنت غرس الكفاح، وسهر الليالي الجِماح، فتوجت مشوارها "بالباك"، وما أدراك ما "الباك"، وأريد تسجيلها بالجامعة، لأضمن لها مستقبلا ووظيفة ناجعة، تقيها شر الفاجعة، والفقر وكل قارعة.
قلت: أه الجامعة، بل قل يا حاج القامعة، ولا تخشى الصاعقة، فهي جامعة العطل، الفوضى والكسل، نهارها رحل، وكثرة الشلل، وتعدد النحل، وتنوع الملل ..... فيها لا تفرق بين المذكر والمخنث والمؤنث.
قاطعني الحاج: صه مه .... ما هذا الذي أردت، ولا الذي قصدت، ..... إنما سألتك عن الطلاب والآداب، والأساتذة الأحباب، العمال والمدراء، وكل ما يهم الوَالج دون الخارج، ولو تعلق الأمر بخم الدجاج، أو قطع الزجاج.  
قلت له عندئذ: مبارك عليك أولا النجاح، وأنعم الله على بُنيتك صباح. ولكن يا حاج مفتاح كلامي لا يُعجب، وللآذن لا يُطرب والسّمع لا يُطنب، فإلى غير اذهب، حتى لا تسمع ما يُغضب.
  فقال: والله لن أدعك، حتى استقي منك ما أريد، وعنك لن أحيد، فأخبرني عن الطلاب والآداب.
   قلت له دون تمهل ولا انتظار، وقد أخذتني العَبرة، وخنقتني الحَسرة: طلاب كالذباب، يحملون كل شيء إلا الكتاب، المعرفة مهجورة، والأقلام مكسورة، والأفكار مأسورة، والعقول محجورة. أَلبستهم غريبة، وأَسبلتهم عجيبة، فالسراويل مُقطعة مُمزقة، كسراويل المجانين، أو الضالين التائهين، وقمصانهم مرقطة، كتبت عليها عبارات منمقة، تخدش الحياء، وتروج للشواذ والشّذاذ.
فقاطعني ساخطا: حسبك ما وصفت، فما حال الطالبات وما أخبار البنات؟
قلت بنبرة كلها النكبة: كاسيات عاريات، غائبات حاضرات، راسبات ناجحات، ذائبات في حكاي الهوى وآساطير المعذبين بالنوى، وأحاديث الجوى. معاشرة أهل الفسق عندهن شطارة، ومواعيد الفسق عندهن تجارة.
فرأيت وجه الرجل قد تغير، فاصفر وتضمر، فسكت عن الوصف، برهة من الزمن، ثم خاطبني: أخبرني عن المدراء، والأساتذة النبلاء، والعمداء الفضلاء، وكل أسلاككم من الحُجاب إلى الوزراء.
قلت: يا مفتاح لا تكن ملحاحا، فتسمع مني ما لا تريد، وأرجوك ألا تزيد، فالطيور على أشكالها تقع، والأحجار على أجناسها توضع، والأسمال على خرقها ترقع، فالمدراء جياح، يقطفون التفاح، من الحدائق "الأح آح" ودكاترة شحاح، مُلاةُ لا شراح، بضاعتهم غير مجزاه، ترد لهم دون زكاة، ومن حاد عنها فالصفر لا محالة آت.
فقال مقاطعا: أخبرني عن العمال وهل عليهم المآل يوفون بالمنال؟ أجبته فورا: عمالها متخصصون في النطاح، كأنهم تيوس البطاح، البلبلة والصياح، والكلام اللامباح، وسب الرب عندهم مباح.
  فقال غاضبا: دعني من حديث الناس، فما أضنك إلا فاقدا للإحساس، حدثني عن الأكل والمبيت، والخبز والزيت، والتمر والثمر...
فقلت: تقصد الأحياء الجامعية، هي كالمحاشد النازية، والمداشر الترابية، أو المستشفيات العنابية، استعمرتها جحافل النّاموس، وما لا يخطر في أي قاموس. سكنتها الكلاب والقطط، الشواذ واللُّقط، ليلها شطح وردح، ......
   فقام الرجل وقال: والله لو كنت أدرى ما تقول، ما في الأصل عنك أتيت، لقد حبست البسمة في الثغر، وأوغرت الصدر.    فقلت له: لو عشت بها لعلمت بأن وصفي لها قليل، وعلمي بخباياها عليل، ألم تسمع قول أحد الطلاب:
يا معشر الطلاب لله خبروا      إذا حلت البلية بالفتى ما يفعل
فالناموس في سمانا كتائب      له مع الدجى في الاذان صلصل
أو قول متخرج منها شويعر:
آليت ألا آتي جامعةً بعدها       ولو كانت بدار خلود
حللت بها سعيدًا مُنعمــــــــًــا      وخرجت منها كآل ثمود
وما أن أتممت البيت، حتى قفل الرجل ناكصا، وهو يلعنني لعنا، ويسبني سبا، ناعتا إياي بالخبال والوسواس، وقلة الإحساس، والانطواء عن الناس.
       ضحكت ضحكا، حتى كاد القلب أن ينفطر، والبصر أن ينحسر. ولما غاب عن الأنظار، وتوارى خلف القفار، قمت من مكاني، وكنت لحظتها سيد زماني، أردد زهوا بعض الأغاني، ومن الحين للحين أنشد الأشعار، فأترنم بها ترنم الأحبار، ومنها ما أسرده في الحال، وهو من أجل الأقوال:
 أيها البدوي التائه في ظلمة الصحراء
ترجل عن فرس الكبرياء، فأنت في زمن الحيارى
 وفي درب السكارى، خانتك الذكريات
أيها النبي بلا كتاب ولا دعوة، والمحارب بلا عتاد ولا عدة
العيس ظمأى والصحراء عطشى، ويداك ضارعتان للسماء
 تستجديان قطرة ماء، من رحم غيمة صيفية
أيها البدوي ترجل عن فرس الكبرياء
فأنت لا تمتطى صهوة الداحس ولا الغبراء
أيها البدوي الموغل في المسير
أسمالك الرثة اشتكت منك، وسيفك تقزز من راحتيك
والبدوية القابعة في الخيمة، ملت من عينيك ... من شفتيك
ومن نتن فخذيك ...  وإبطيك
الشِّعر جفاك وكنت ترسله زهورا ربيعية
جفاك الشِّعر رفيق العمر... دفين الصدر
وتعصرن على إيقاع الروك والموسيقى العبثية
تهللت طلعته البهية... وارتدى أسمالا ليفية
فضاعت جهود الخليل... وتأوه المتنبي والبحتري
وقالوا جميعا من رمس الأبدية
جنون جنون وانتحار للقصيدة العربية
جفتك أبيات الشِّعر بعد بيوت الشَّعر
تمهل لقد سُرقت العربية
فلغة الضّاد صارت لها ألف ضرة
فافا وكيكي حبلى... فانتظر أبناء اللكنة العجمية
أيها البدوي، لم تعد لك اليوم دار ولا قرار
فالواحة الخضراء بيعتها بكؤوس خمر وردية
وبراميل النفط صارت مَنيا...
من خصيتك تسيل دون روية
أيها البدوي من غير عباءة ولا كوفية
أين الفرس والقوس والنخوة القيسية؟
أيها البدوي ... كعبتك صارت حانة
وعندما تسكر لحد الثمالة، تصيح خانقا أنفاسك قائلا،
كذاب كذاب أنا يا ابن الأمة العربية
في صلاتي في قنوتي، في خشوعي في دموعي
صدح بها نزار في ترانيمه الشعرية
وأُرسِلها اليّوم شجونا أبدية
أيها البّدوي ترجل عن فرس الكبرياء
فأنت يا صديقي متعب بالعروبة

فلقد صارت اليّوم لعنة وعقابا وأذية

المقامة الصَّفْراوية

المقامة الصَّفْراوية
عيد الأعياد يا سادة البلاد
 أد. عبد القادر بوعرفة
****
حدثنا عامر بن صعصعة فقال: أصابني ذات يوم الأرق، وأسرني القلق، من غلاء المعيشة، وارتفاع الضريبة، وكذب السّاسة، واعوجاج الرّياسة، وكثرة الغّطاسة والعّطاسة في خم مولانا الرئيس، فضجرت ضجرا من تبادل الأدوار، والضحك على الشعب والأخيار، وتمريغ رؤوس الرجال في وحل المزابل العمومية، وفي قمامات أثرياء الدولة الغُمومية، فلم أجد لنفسي سبيلا سوى الخروج من الدار، والتوجه صوب الجار، وأنا ألعن أبو النّار، الذي ورطني في الحديث عن الكبار.
     ولما اقتربت من الدّار، ولم يبق إلا بضع أمتار، صحت بأدب حتى لا أنعت بالحمار، فالنّهيق صار طبع الكثير، الصغير والكبير...
- يا همام يا همام .. أخرج إلينا أيها الجار.
فأجابني من الداخل: أقبل يا هلالي، استضاء بمطلعك الهلال، واستنارت بوجهك الأنوار، وتعطرت بمقدمك الأزهار، وتغنت بمقدمك الأطيار، فأهلا بك يا ابن الأبرار....
 فصحت: ويحك يا همام بن صعصعة، أتحسبني جِلْفَ فَلاة في قوقعة، ما حل بك اليّوم؟  أجننت أم تتجنى علي؟
فرد ولسان حال يقول: أهلا بك يا حبر زمانه، وعنترة أقرانه، إنك اليوم عندي حبيب، وأقرب من القريب، ومقامك السّاعة كالطبيب، لقد جئت في الميعاد، وأنا أحضر لعيد الأعياد، الذي أقسمت أن يحضره الأشراف والأسياد، والعجائز والأولاد، وحتى الأنذال والأوغاد....
فقاطعته غاضبا: عيد الأعياد!! والله ما سمعت به قط، ولا أرى منك سوى الخلط والهذيان والنّط، مابك يا رجل؟؟؟ أصابك اليوم مس؟ أم سكنتك صاحبة قيس؟
  فرد على دون روية: والله إني لفي أحسن الأحوال، وأهنأ بال، مذ بلغ سعر النفط مثقال، وارتفع العلف والغذاء، وشح الرئيس بالعطاء.... أما فَرحي بعد ترحي فيعود إلى الوفاء بالنذر، الذي قطعته على نفسي.
    اعلم يا جاري، ومكنون أسراري، أني قَطنت حي "القَرَابَه" في دار أحد القَرابة، وأنت ترى الدار أية في الخراب والدمار، فآلاف الجحور بين حنايا الصخور، حوت الأفاعي ذات اللدغات، والعقارب والحشرات، وما لا يخطر على بال .. وأنت تعلم حالي، أشتري الدقيق بالمكيال، والسكر بالأرطال، ولا تسأل عن البقية، التي أصبحت من خبر كان...
   آه ياجاري الكريم سُلط على "الزّلْطُ" فصبرت، والبرد فتحملت، والجوع فتضورت، والهم فتجملت، وقناةً يتيمة فتعللت، ومِيرا منافقا فتململت، وواليا متملقا فتنكرت، ووزيرا غائبا فتندرت، ورئيسا بعيدا عنا فتوكلت ... لكن لم يكن هذا مبلغ همي ولا مصدر غمي.
فقاطعته: ياهمام ما لي وهذا الكلام، لقد سمعته مذ أيام وأيام، فأوجز الحديث، وليكن خفيفا ظريفا، فما أسمع اليوم إلا قولا هزيلا ...
فأجابني ساخطا: الصبر الصبر، فالخطب فيما هو آت... فبالرغم من المصائب السالفة، وآرائي التالفة، وأحلام العزة الزائفة، إلا أن مصيبتي الكبرى تمثلت في كرب عظيم، أفقدني العقل الرزين، والصبر المتين، أغلى الدّم في عروقي، والثأر بين ضلوعي .. أنه خبيث لعين، مقيت مهين. أتلف قشي، وقيّض عَيْشي، ثم خرب عُشي، سرق الدقيق على قلته، وخبزي برغم يُبسه.... فكرت في أمره مِرارا، ونصبته له الفخاخ تَكرار، لكنها لم تنفع ولم تنجع ...
فصحت وقد نفذ صبري: ياهمام من يكن هذا اللعين؟؟؟
فرد دون اكتراث: صه، مه، لا تقطع حديثي يا هلالي، فالأخبار بنت الليالي... المهم والأهم يا جاري، مرت الأيام، وأنا أقاسي منه الآلام، وقد جَرَّعَني كؤوس العذاب، وعلمني شعر الهجاء والعتاب... وذات أمسية من الاماسي، من غير أمل ولا انتظار، وقع المِشْرار. لا تسألني عن الفرح والحُبور، ولا عن السعادة والسرور، لقد وقع اللعين الملعون أخيرا...
فسألت وقد حيرني أمره وشوقني مقاله: بربك يا همام، وتالله وبالله، أخبرني من ذا اللعين ؟؟؟ أو ذا المسكين ؟؟؟
فرد كالعادة غاضبا، منتشيا بنصره: على رسلك ما أعجلك!!! فما مقامك معي إلا كمقام موسى مع الخضر. أصبر فالصبر جُنة، والعجلة جِنة، ألا ترى أن البلاد ضيعتها العجلة، فأوردتها التهلكة.
  المهم يا جاري الكريم، رفعت هامتي، واعتدلت في قامتي، وتبخترت في مشيتي، ثم توجهت إليه، فنظرت إليه باحتقار ولوعة واحتسار. ثم شمرت عن ساعدي، وتناولت عصاي "مسعودة"، الموت الأحمر أريد أن أسقيه، والألم الدفين أرغب أن أريه، فلما اعتدلت للضربة القاضية قلت له: أيها اللعين!!! ألم تجد سوى هذا البائس المسكين، فتزيد غمه، وتعمق همه، أين تركت كبار التّجار؟ المتلاعبين بالأسعار، المكدسين للدينار والدولار.. أين تركت الأعيان، وأصحاب الوجاهة من ملاك الآبار.. أين تركت رَبْراب وأصحابه، وعمار وزبانيته، وغول وأحبابه، والعزيز وحاشيته ..؟
    وما إن أتممت الخطبة العصماء والبتراء، حتى رفعت مسعودة عاليا، وهممت ضربه ضربة قاضية، فسكت همام ....
   مما دفعني إلى السؤال والصياح: ثم ماذا ياهمام بن صعصعة؟ هل قتلته؟
فرد قائلا: كلا ورب الكعبة ما فعلت، لقد فكرت في قتله شر قتلة، لم تسمع بها العرب قاطبة، من طنجة إلى اليمامة، لكني يا هلالي استحيت...
    فلم أتمالك نفسي، وقد أسرني الرجل بخبره، فقلت: يرحمك الله، أكمل حديثك... ومما استحيت؟
  فقال متحسرا: آه يا جاري، حال بيني وبينه ملك الشعراء، فقد استحيت من أبي الطيب المتنبي أن يصدق وصفه على حين قال:
لقد أصبح الجرذ المستغير
أسير المنايا صريع العطب
رماه الكنـــــــاني والعامري
وتلاوة للوجه فــــعل العرب
كلا الرجلين أتـــــــــــلى قتله
فأيكما غـــــــــــــل حر السلب
وأيكما كـــــــــــــــان من خلفه
فإن به عضـــــــــــة في الذنب
                   
 وما إن أتم عجز البيت حتى كان جسدي على الأرض مُلقى من كثرة الضحك، وكاد أن يُغمى على مرتين. وشعرت ساعتها بالضجر قد ولى القهقرى. فقلت وغصة الضحك تكاد أن تقتلني: ثم ماذا حدث بعد ذلك يا صائد الفئران؟
  اغتاظ همام من ضحكي الذي بلغ العِنان، فنهرني نهرا .. ثم قال: اسمع أيها الغضنفر، لا تضحك على ما هو دونك فتلك مصيبة، وأن شر البلايا أصلها المنبوذ، ألم تر إلى النمرود قتلته ذبابة !! 
   أسمع لقد فكرت في أمره، ثم قررت نجدته. فامتطيت صهوة حماري، وزادي أشعاري، وجهتي شركة عمار بالقرب من مزرعة نزار، فلما وصلت قلت له: اسمع أيها اللعين، هذه الشركة دقيقها بالأطنان، ومن أجود الأنواع الحسان. وبها جرذان سمان، وقربك مزرعة سعدان وحمدان، فاتخذ لك عروسا وعش بأمان، ولا تعد لبيت رجل مثل "زْمَانْ". ثم رميته في الشركة وتمنيت له البركة، وعدت إلى الدار عفوا إلى الغار ولسان حالي يقول:
                       من مبــــــــلغ العزيز عني نصائح متوالية
إني أرى الأسعار أســــــــعار الرعية غالية
وأرى المكاسب نزره وأرى الضرورة قاسية
وسكت همام عن الكلام اللامباح، وهو عند خصومه نباح، يؤدي إلى الجنحة والعقاب، ولا ينفع معه تظلم ولا عتاب. حال الرعية يا رَيْس حال، لو تنطق الأرض لأبكت، ولو تشهد السّماء لأدمعت، فمن للمغبون والمظلوم؟، ومن للمقهور والمَحْقُورْ.؟
    استأذنته للخروج، وحال لساني يقول: لله درك ودر أبيك، لا يبرح السّاسة حتى يَسمدوا، والولاة حتى يَهمدوا، والعتاة حتى يَسمعوا، والطغاة حتى يَخنعوا .....
 وخرجت من عنده بدون ضجر ولا كدر، ولساني يُردد بيتا من الشعر:
                   ومن يك ذا لب سيفهم  ** أن الألفاظ تخفي دوما معانيا 

الخميس، 10 يناير 2019

قراءة في رواية "وشيء آخر" للروائيّ العربي عبد الملك مرتاض


 أد. عبد القادر بوعرفة
*****
   عبد الملك مرتاض ناقد وروائي جزائري معروف على المستوى العربي (10 أكتوبر 1935 بتلمسان)، ألّف ما يربو عن سبعين كتاباً، أبرزها: نظرية الرواية، نظرية البلاغة، نظرية القراءة، نظرية النقد، نظريّة اللغة العربيّة ... كما له اثنتا عشرة روايةً، أشهرها: نار ونور، وادي الظلام، رباعية الدم والنار، الخنازير، صوت الكهف، حيزية، ثلاثية الجزائر (الملحمة، الطوفان، الخلاص).
   يدل عنوان الرواية على مقام فلسفي ذي منعطف أدبيّ، حيث تنبلج الرُؤَى الوجودية وهي تتشابك تشابكاً بلاغياً مع المنعرج الميتافزيقي، فتحدث سجالاً غير ظاهر، ولكنه يختبئ وراء الجمل والعبارات.
   رواية أجمل ما فيها اللغة التي نمنمها نمنمة لا مثيل لها، وأغرب ما فيها المزاوجة بين عوالم الإنس والجن، وبين أفق البرهان وتسابيح العرفان، وبين الماضي العتيق والحاضر المُهمل، والمستقبل المجهول. إنها وَشم في جبين الأمة المتهالكة في غياهب الذاكرة، وفوضى الكلمات المنمقة برائحة العتاقة والمُنتفضة بزفرات المعاصرة.
ابتدأ روايته بمشهد نقدي صارخ، ينم عن وعي بفلسفة التاريخ، وفهم عميق لبشاعة التخلف والانحطاط. خلق من رَمزية القطار صورةً فنيةً ليُعبر عن واقع الأمة العربية والإسلامية، فهي من حيث التمثيل لا تختلف عن صورة القطار العتيق، قطار نهاية الألفية الأولى: "ولا يزال القطارُ يندفعُ نحو الأمام اندفاعا شديدا. يعدو لاهثًا. يَصْفر بصوت محموم. بصوت ينتشر دويُّه في الفضاء. ينبثُّ امتدادُه في الأرجاء. كرَجْس الرّعد القاصف. كهدير البحر الطافح. كان هَدِيره ينبعث في كل الأفضيَة المحيطة بالسّكة الحديدية الممتدة إلى ما لا انتهاء. كان ينهب الطريق نهبا سريعا. كان طائرةً تسير. بل كان قطارا يطير." (ص:3)
 لكن هذا الإطراءَ ما ينفك يتحول إلى قدح وذم: «... مسكينٌ قطارُكم إذ ْ كان يلهثُ من تقادمه وبلاَهُ لهثاً. كان عِظاما رميما. لم يكن قادرا على الصُعود في العِقاب. كان عاجزا عن الركض في السُهول والهضَاب. أيضاً. حتى كأنه شيخٌ خَرِعٌ هَرِم.... يسعل فيقذف دخاناً  كثيفاً...» (ص:4)
    إن الأمةَ أصيبت بالوهن والعجز، فهي تشبه الشيخ الخَرع الهرم، الذي لا يستطيع أن يُحرك ساقيه أو يمدهما مدا، له جعجعة وهدير ودخان كثيف، لكنه لا يستطيع أن يصعد هضبة صغيرة ...
   يريد عبد الملك مرتاض من خلال تلك المقابلة الرائعة، أن يقارن حال المسلمين بغيرهم، وخاصة بلاد الغرب، فَقُطُرهم اليوم أشبه ما تكون بالطائرات من حيث السرعة والراحة، ولم تعد قُطر الأربعينيّات سوى خردة في متاحفهم، وهذا يدل على سرعة التغير والتحول، فالإنسان مثل القطار.
   يغوص الروائي في جَلْد الذّات، لكنه جلد موضوعي، فالذات العربية انسلخت عن حاضرها وهربت نحو ماضيها، فسكان الزيتونيّة (اسم قرية الرواية) يعيشون وسط ركام من الأبنية، القبور أجمل منها بكثير، فالأبنية لا حياة لها، بل هي كالظلام والرميم، وهي أشد وحشة من القبور، فيا له من زمن غريب حين تكون قبور الموتى أفضل من منازل الأحياء...
    تنعطف أحداث الرواية، فيدخلنا الروائي بأسلوبه المتميز في فضاء العجائبية، حيث يتداخل الواقع مع الخيال ضمن جدلية الرموز والتمثلات، فسكان الزيتونيّة يتقاسمون البئر والقرية مع الجن، فاعتقد عقلاؤُهم بأن الجنّ تزاحمهم المكان والبئر، فقسموا اليوم، لهم النّهار والمنطقة العلوية، وللجن اللّيل والمنطقة السفلية.
   لكن البئر الوحيدة، كانت آية في الاتقان، وأجدادهم لم يكونوا بالبراعة الكافية لاحتفار مثل تلك البئر المرصعة بأنفس الأحجار، فكيف ترك الجن البئر لهم: «وكيف تركت الجن بئرها للأنس تستقي منها فتروَى، ولم تحرك لذلك ساكنا؟ ولم تتدخل لحماية مُمتلكاتها؟ مع ما خُصَّ به الجن من شدة البطش والعتو، ورغْبتهم في الانعزال، وغيرتهم على ممتلكاتهم، وحرصهم على أن لا ينال غيرهم منها ...»، (ص:15).
يأخذنا الروائي إلى عالم التأويل والتفسير، حيث يختلط العرفان بالبرهان، والحقيقة بالخيال، بين تفسير الشيوخ وبين رؤى الشباب، ويحتدم النقاش بينهم، ويكثر التحدّي، ... لقد أبدع عبد الملك مرتاض في تصوير الجدل حول الجن والبئر، ولعله يريد أن يصور ذلك الجدل الحاصل منذ عصر النهضة إلى اليوم بين أنصار الحداثة وبين حماة الأصالة، ذلك الجدل الذي لم يثمر يوما، بل تحول إلى سفسطة بائسة كان آخر فصولها هل البئر احتفرها الجن أم الولي الصالح الراقد في تربتها؟
  في هذا السياق الجدلي الرائع، من حيث لغة الحوار وأسلوب التصوير، تغيب الحقيقة عن الجميع، ولم تكن الحقيقة إلا سارة تلك المرأة الجميلة، التي أحبها عمر الفقير، وهي نفسها أحبته حباً خالصاً، تزوجها رغم الدسائس، لكنه أراد ان يُسعدها كما أسعدته، وليس لديه أي شيء ليقدمه لها ... فقرر الرحيل عن القرية ... إنه البحث عن الذات في زمن الكينونة المترعة بالبؤس والخيبة.
   ترك عمر سارة وحدَها، كما ترك المسلمون حضارتهم وإرثهم، لكن سارة الطيبة والجميلة ناضلت نضالاً كبيراً، من أجل أن تعيش بشرف وكرامة، وألا تبيع نفسها لوحوش القرية الطامعين في جسدها الجميل، الكل كان يحلم بأن يتزوجها، وأن يطفأ ظمأ السنين في حرّ فرجها، وشذى شفتيها، وأن يرضع من ثديها حليب الخلود، تماماً كأسطورة ينبوع الحياة.
   استطاع مرتاض أن يَحبك الرواية، وأن يعقدها تعقيداً لا نظير له، فسارة المرأة الجميلة حالها غريب وأمرها عجيب، كلّ يوم تزداد غنى وثراءً، كثر عنها السؤال، والظن والارتياب، وبعضهم رماها بما ترمى به النساء، خاصة الشيطان المُسمى زعرور أحد أبناء أثرياء القرية.
تنساب أحداث الرواية انسياباً، وتأخذ منعرجاً عجيباً، فسارة الحسناء سبب سعادتها وثرائها يكمن وراء أفعال الجنية خناتيتوس، التي أحبت سارة، فأغدقت عليها بأجود ما يمكن أن تجود به، الذهب والمرجان، وأغلى الثياب... ولم يقف الأمر عند الجود، بل تدخل في سجال رائع مع سارة حول الشعر والشعراء. يقودنا عبد الملك مرتاض إلى إشكالية خطيرة في تاريخ الأدب، فالجنية تنفي وجود شعراء عرب، فكلهم يقولون ما تجود به قرائح شياطينهم، فلكل شاعر شيطان.
   يعود عمر للحسناء والقرية، وهو ذاته لا يدري كيف عاد، لقد عاد كما عودتنا شهر زاد في قصص ألف ليلة وليلة.
  تتابع قصص الحسناء وعمر، وكل يوم هو أعجب وأغرب من اليوم الذي أمسى، وحال الزيتونيّة ما زال كحاله لم يتغير كثيراً، ما زال الماضي العتيق ينفث تعويذته، ويعقد عقده.
   ينقلنا الروائي في الصفحة 368 إلى مولج جديد، فابن الحسناء سارة، سيأخذ دور البطولة، فابن الحقيقة كغيره من فتية الزيتونيّة سيتابع الطريق ذاته، التعلم في الكتّاب، ثمّ التعلم بالمدرسة، والأم سارة في الحقيقة هي المعلم الأول، تصحّح بذكاء ونباهة ما يقترفه المعلم بالمدرسة من أخطاء.
   لم يكن ابن الحسناء إلا الفيلسوف الأديب، فهو الطفل الذي تعلم بالزيتونيّة مسقط رأسه، ثم يسافر إلى أوروبا، ويقطن بباريس عاصمة الجن والملائكة.
   يعود مرتاض إلى القطار من جديد، مازال قطارنا بطيئاً، وئيد الحركة، في حين أنّ قطارهم فاق الحدود وتصورات، إنها إشكالية التقدم.
   تظهر شخصيتان كاترين وسوزان، كاترين المُغرمة بعبق الشرق، تتزوج عربياً، وتهيم حباً بتراث الشرق، لكن الروائي يختم روايته بمنظر رهيب، موت العِرسان في برج نيويورك بعد انفجارات 11 سبتمبر 2001.إنها نهاية الحب والحكمة، وعودة الظلام وقطعان الذئاب.

     

الأربعاء، 19 ديسمبر 2018

العالم بين الاحتباس الحراري والاحتباس الحضاري

شهد كوكب الأرض تغيرات إيكولوجية خطيرة جدا، قد تقضي على الكوكب الأزرق في غضون قرون قريبة، وفي المقابل، يتجه العالم في الوقت نفسه إلى بؤر التجاذب الحضاري، وهي تجاذبات خطيرة للغاية، قد تشكل في الأفق القريب ثقبا حضاريا خطيرا ومرعبا، يشبه ثقب الأوزون. إن الحياة مرتبطة أشدد الارتباط بالبيئة، وهذه الأخيرة أصبحت اليوم تقرع ناقوس الخطر بعد أن فقدت الغابات كثيرا من مساحتها الخضراء بفعل النهم الصناعي وأحلام تجار الموت، وأصبحت المحيطات ملوثة بكل أنواع النفايات، البشرية والنووية والصناعية، وأكبر من ذلك كله ما طرأ مؤخرا على الغلاف الجوي من تحولات رهيبة على مستوى طبقات الجو.
إن ظاهرة الانحباس الحراري برهان على طغيان العقل التقني، حيث أصبحت الأرض مهددة بالزوال كما يقول المختصون في أي لحظة. إذ يكفي أن تتبخر جبال الجليد القطبية ليغمر الماء كثير من أجزاء القارات، ويكفي أن تختل الأحوال الجوية فيفقد الشمال الأمطار والثلوج ويعود التصحر كما كان في العصور الأولى الجليدية، كما تفقد الدول الاستوائية مناخها، فتشقق الأرض عطشا وتتصحر مساحتها الخضراء. وعلى الأرجح أن الانحباس الحراري سيجعل الأمطار الطوفانية تجتاح كثير من مناطق العالم، ونعود إلى نقطة الصفر تماما كما حدث لنوح مع قومه.
وإذا كان الاحتباس الحراري يؤرق العلماء بالخصوص، فإن الاحتباس الحضاري سيكون خطره أكثر من الانحباس، لأن الاحتباس الحضاري يخضع لأهواء البشر ومصالحهم أكثر ما يخضع للطبيعة. ويبدو أن الاحتباس الحضاري بدأت تباشيره تتجلى من خلال الصراعات العالمية، والتي ستهدد الجميع دون استثناء، فالعولمة والأمركة وكل المصطلحات التي تظهر باستمرار تعكس أنانية السّاسة وصناع القرار، ولن تكون النهاية إلا الخراب والدمار، ونهاية حلم تعمير الأرض، وهو إعلان أن الأمانة التي حملها الإنسان منذ الخلق قد ضيعها لحظة انغماسه في شهوة الثيموس، ويكون بذلك الإنسان قد أعطى لنفسه صفة الظالم الجهول. 
العولمة من منظور فلسفة التاريخ هي فكرة تغيّيب العقل والوعي، وتجعل غاية التاريخ مرتبطة بتحقيق شهوة عقيمة يمليها الثيموس "القوة الغضبية في الإنسان"
يعيش العالم الإسلامي في هذا الوضع الخطير وضعا تعيسا للغاية، فالصدام المفروض عليه من قبل القوى العظمى يجعل الصراع غير متكافئ ضمن دائرة التركيب سواء بالمفهوم الهيجلي أو الماركسي. فالعنف الغربي لا يظهر فقط من خلال احتلاله للأوطان فحسب، بل من خلال تركعيه للآخر اقتصاديا وسياسيا وثقافيا، فأمام ابتسامة المكر التي ترسمها السياسة الغربية العالمية تظهر ابتسامة الوهن والتبعية والغثائية لساسة العالم الإسلامي، وخاصة وهم يشترون الحماية والأمن بأموال طائلة، لو خصصت للتنمية لكانت بلدانهم في مراتب الدول الرائدة. 
وبالرغم مما سبق، أجد نفسي أميل إلى تشبيه الوضع العالمي اليوم بالوضع الإيكولوجي، فمصطلح الاحتباس الحضاري أنسب لما نعيشه الآن، لأنه ناتج عن فقدان التوازن الحضاري، فالحضارة الكونية اليوم لا تعيش لا حالة صدام ولا حالة حوار، بل هي تماما تشهد احتباسا حضاريا نتيجة وجود منطقة أوزون في بلازما الثقافة العالمية، هذا الانحباس ستكون نتائجه كارثية على مستقبل الأرض وليس الإنسان فقط. فمقولة صدام الحضارة أقل خطورة من مقولة الاحتباس الحضاري، لأن الصدام ينتهي عند نقطة تغلب طرف ما على الند أو النقيض، بينما الاحتباس يقود إلى الدمار الشامل مثلما سيحدث للبيئة في حالة ما لم يتصالح الإنسان مع الطبيعة قبل فوات الأوان.

ويظهر الاحتباس الحضاري من خلال نتائج كل المؤتمرات العالمية في الألفية الثالثة، فالعرب لم يستفيدوا من التاريخ القريب ولا البعيد، فأوسلو لا تختلف عن أنابوليس مثلما لا تختلف عن كامب دافيد وغيرها من النماذج التاريخية. يعكس الاحتباس الحضاري مرجعية العنف الغربي الموجودة في كنه الثقافة الغربية ذاتها، من خلال الأدب أو الفلسفة، والأفلام السينمائية التي تمجد الثيموس الغربي وتستهين بالإيزو الشرقي. إن العولمة عنف توجهه عقيدةٌ متخلفة وعدائية، ورثتها الحضارة الغربية من إرث الإمبراطوريات الاستعمارية الغربية، والذي تُمثل الإمبراطورية الرومانية قمته الكبرى.

تحاول بعض الإمبراطوريات الغربية المعاصرة فرض نفسها بفعل القوة العسكرية والتقنية، وتتوهم من خلال بعض الانتصارات في العالم النامي أنها استكملت عملية استحمار العالم، وأن الطبيعة اصطفت وانتقت الإنسان الغربي لينهي التاريخ لصالحه، وتلك الدعوة لم تفارق الفكر الغربي منذ أن صدح بها أرنست رينان في كتابه سيكولوجية الاستعمار، والذي اعتقد بأن الطبيعة اختارت الإنسان الأبيض ليكون سيدا، فوهبته كل الأجناس غير البيضاء لتكون خادمة له. تنحت العولمة الأمريكية مفهومُها الصِّدامي من عصور الحروب الصليبية وعقليَّتها الأسطورية، ومن أسطورة الإنسان الأعلى، حيث يؤمن قادة وساسة الغرب بإمكانية إنهاء الصراع لصالحهم مثلما تخيل هيجل نابليون يُنهي التاريخ الغربي وهو يمتطي صهوة جواده الأبيض.
نهاية التاريخ مؤسسة على اعتقاد غربي، حوصله فرنسوا شاتليه في العبارة الأتية: "إن نهاية التاريخ هي نهاية الآخر الذي يقاتل الأوروبي." وبالتالي نحن أمام اغتصاب جديد لمفاهيم التاريخ
تقوم العولمة باعتبارها فلسفة على الصدام السلبي، وبذلك ستنتج العنف المضاد الناتج عن غريزتين تليدتين في الإنسان، الميغالو والإيسو، فالميغالو هو تلك القوة الغضبية المتطرفة التي ترى وجودها الأسمى في نزع الاعتراف من الآخر بالتفوق والغلبة، وتصر أن يعلن الأخر الاستسلام ويقسم على السيادة والطاعة. بينما الطرف الآخر يرفض منطق الغلبة وتقوده غريزة البقاء وشهوة الانتقام إلى نزع الاعتراف من الآخر بالندية والمساواة. أو أن ينزع نزوعا أكثر تطرفا من الأول، وهو نزع الاعتراف من الأول ليس بالندية بل بالتفوق والتعالي كما هو الحال في الخطابات داعش والقاعدة.
إن مقولة "نهاية التاريخ" و" الصدام" ليست من إبداع الثقافة الأمريكية كما يحاول الإعلام الغربي أن يقدمه للعالم بأسره، فكل الثقافات العريقة نلمس فيها فكرة العنصر المخلص وخاتم البشر. بيد أن الإعلام الغربي صدق فكرة أن العولمة في نسختها الأمريكية هي محاولة عولمة الديمقراطية والرأسمالية والإنسان ذو البعد الواحد. إن "مفهوم الأمن الإمبراطوري" بالنسبة للدولة اليهودية أو الأمريكية، بكلِّ وجوهه العنيفة المتلونة، والمتداخلة في المجالات السياسية والعسكرية والمالية، المشبعة بالصِّدامية الحضارية، خلق عالما مقسما إلى قسمين، عالم يبتسم ابتسامة شمشون في أبجديات الثقافة اليهودية، وعالم غارق في التمني وانتظار المهدي والمُخلص من دهاليز الموت وأنفاق الماضي السحيق.
وهكذا ستنتقم الأفكار من أصحابها، فمقولات النهاية أصبحت بدايات لكثير من المستضعفين في الأرض، وتحولت العولمة إلى عولمة الموت والرعب وليس لعولمة الديمقراطية وقيم الرأسمالية الغربية. نهاية التاريخ التي طرحها فوكو ياما وأُسست على أفكارها مشروع العولمة، هي مجرد فكرة إيديولوجية مبنية على أسطورة الهيمنة والسيطرة الشمولية، فالعولمة ما هي إلا مشروع تهجين الإنسان الذي يتدافع مع الرجل الغربي. إن العولمة من منظور فلسفة التاريخ هي فكرة تغيّيب العقل والوعي، وتجعل غاية التاريخ مرتبطة بتحقيق شهوة عقيمة يمليها الثيموس "القوة الغضبية في الإنسان". إن نهاية التاريخ مؤسسة على اعتقاد غربي، حوصله فرنسوا شاتليه في العبارة الأتية: "إن نهاية التاريخ هي نهاية الآخر الذي يقاتل الأوروبي". وبالتالي نحن أمام اغتصاب جديد لمفاهيم التاريخ. 
وسيتشكل صراع خطير في أفق التحولات العالمية المتسارعة، يُنذر بحروب قاتمة، قد لا تبقي ولا تذر، فالحضارات تعاني من حالة احتباس خطير، سيقوده النزق الغربي إلى إحداث ثقوب كبيرة في جدار الحضارات الأكثر تشكيلا للمشهد العالمي المعاصر. فيا ساسة العالم وفلاسفته ورجال الدين، اتحدوا لتنهوا الانحباس الحراري والاحتباس الحضاري قبل أن تكون الأرض مجرد ذكرى في تاريخ الكون.

الجمعة، 14 ديسمبر 2018

الأساس الأسطوري لنهاية التاريخ

الأساس الأسطوري لنهاية التاريخ
عبـد القـادر بـوعـرفـة
 مجلةInsaniyat / إنسانيات 
11  | 2000

مقولة "نهاية التاريخ" ليست وليـدة العصــر، بل هي قديمة قدم الإنسـان ذاته. الإنسان الأول من الوجهة الأنثربولوجية اعتقد وآمن بفكـرة نهاية العالـم التي ترتبـط بالتاريخ. ولم تكن النهاية تتعدى عنده اليوم أو الشهر، بل ارتبطت من حيث الفكرة بالساحر والمنجم، ولعبت النبوءة دورا بارزا في بلورة هذه الفكرة.
كما احتضنت أساطير الشرق فيما بعد، بقوة هاجس النهاية؛ فجلجامش يعتقد حصولها حين أكل نبتة الحياة، فيما تربطها الأسطورة اليونانية بالفعل الإنساني كما تعكسه أسطورة هيركيل والأعمال الاثنتا عشر.
وتدخل في الفكر الفلسفي مقولة نهاية التاريخ ضمن الأنساق الفكرية كمبدأ وغاية. فالفيثاغورية تربط نهاية التاريخ بالعدد ومبدأ الكثرة الذي يكون الكم المتصل والكم المنفصل.
أمّا أفلاطون فيرسي نهاية التاريخ على طرفي الجدل الصّاعد والنــازل، وانتصار المثال عـلى الشبح، والفكرة على المادة، والخير على الشر...الخ. أمّا أرسطو فيرسم نهاية التــاريخ على قــاعدة القوة والفعل. فتحقيق السيــادة العالمية وأنسنة الأمم المتوحشة هي عنده الغاية من التاريخ كأحداث، لذا دفع الإسكندر المقدوني إلى فتــــح العالم القديم وفق هاجس التعالي والجمع بين حكمة أثينا وقوة إسبرطة.
5لدى الفكر الديني كم ارتبطت فكـــرة نهاية التاريخ دوما بانتصار مبــدأ الخير على الشـر، وقيام مدينة الأخيار على أنقاض مدينة الأشـرار. ونلاحظ ذلك جليا في "مدينة الإله" للقديس أغسطينوس (Saint Augustinأو "آراء أهل المدينة الفاضلة" للفارابي.
ونجد في الفلسفة الحديثة تجلى فكرة نهاية التاريخ وبخاصة في الفلسفة المثالية الألمانية عند هـيجل (F. Hegel) الذي بناها على مبدأ الديالكتيك الذي ينتهي باتحاد الأنا المتفوق بالعقـل في أكناف دولة العقـل1.ومن خلال التوطئة السابقة حاول فوكو ياما أن يقدم عملا نظريا، حول نهاية التاريخ والرجل الأخير.
إن مقولة نهاية التاريخ لم تكن نظرية فلسفية بحته، بل كانت لها جذور في الفكر الأسطوري الشرقي والغربي على السواء، لذا نطرح الإشكالات التالية:
ما الأساس الأسطوري لنهاية التاريخ كمقولة أو كفكرة؟ وفيما يتجلى الحضور؟ وهل يمكن أن نؤسس مقولة على قاعدة أسطورية؟ وهل غاب الإيديولوجي وحضر المعرفي أم أن العكس صحيح؟ وكيف يجب أن يتعامل العقل العربي مع مقولات النهاية؟ أم أن كل قول بالنهاية هو إقرار بالبداية؟
الأسطورة (Mythe) لفظة غير عربية على الأرجح تدل على الخرافة أي القول الذي لا صلة له بالواقع. ويعتقد دارسو اللغة أن أصلها فارسي، غير أن البعض يردها إلى اللغة العربية ويجعل اشتقاقها من الفعل الثلاثي سطّر بمعنى دوّن أو ألّف الخبر العجيب، وعليه فالأسطورة لغة هي التي تحمل سمة العجائبية. أمّا اصطلاحا، فهي تمثلات المخيال الثقافي، الذي ينبثق من صـراعات اللاّوعي البشري، كما يحاول، أن يعرفها غوستاف يونغ (K.G. Jung). وإذا كان يـونغ يربطها باللاّشعور الجمعي، فإن جورج سوريل (G. Sorel) ينظر لها على أنها تمثلات الوعي البشري أو بالأحرى الوعي الاجتماعي. أما كلود ليفي شتراوس ((C.L. Strauss فإنه ينظر لها من خلال البنية المزدوجة التاريخية واللاتاريخية.
ولخص الدكتور خليل أحمد خليل ما سبق في قوله «إن الردود الأسطورية بكل صورها، شكلت مرتكزا للفكر الغيبي، وكونت نوعا من العقيدة الكونية ومن ميتافيزيقية المطلق ومن فلسفات مثالية اقترنت بالسياسة والديانات»2.
ومن هنا تنشأ العلاقة بين الأسطورة وفلسفة التاريخ، باعتبار الأسطورة هي ثالث وجه لرواية الحدث التاريخي بعد الكتابة الحجرية والفن التعبيري(الرقص) (السحر). فالأسطورة كحقل فكري له خصوصياته لم يبرز للوجود إلاّ بعدما مهدت له فنون وعلوم، خاصة السّحر، الذي يعتبره أغلب من درسوا الفكر الميثولوجي على أنه حجر الزاوية في بناء هيكل الأسطورة. تصبح الأسطورة نفسها بعد ذلك إحدى أهم الممهدات للفكر الفلسفي، عندها نشأت علاقة بين الفكر الأسطوري والفكر التجريدي، يقول محمد عابد الجابري في السياق نفسه: «إذا كانت مرحلة السّحر قد مهدت لظهور الأسطورة، فإن هذه بدورها تمهد للفلسفة، وللفكر الفلسفي المتميز بالقدرة على التجريد والتعميم، والمنطقية والانطلاق من السببية والنقدية»3.
لعل هذا القول يحاول أن يبين العلاقة الموجودة بين الأسطورة والفلسفة والتي لا يمكن أن تنفصم بتباعد الزمان. فزمانية الأسطورة غير متوقفة عند نهاية معينه، بل زمانتيها تجري مع كل نهاية، لتجعل من النهاية بداية أخرى، ولقد عبر عن هذه الحقيقة عزيز العظمة حين قال: «...تجري في زمانية أسطورية تؤكد أسطوريتها وخرقها للعادة بالوحدات القياسية التي تستخدمها»4.
 والوحدات القياسية التي تحكم السياق السردي في الأسطورة، تشكل الرابطة أو الصلة بين حلقتي التاريخ: البداية والنهاية. ففلسفة التاريخ حاولت أن تضع البدايات الأولى للتاريخ، معتبرة ان الحدث البشري لمّا أصبح محكوما بالغاية أصبح حدثا تاريخيا. أما الفكر الديني فإنه يجعل من خطيئة آدم بداية التاريخ، كما يجعل من نزول المهدي المنتظر أو المسيــح معلما لنهايته، في حين يرى ماركس أن بداية التاريخ بدأت حين قال الإنسان: هذا لي (ملكي)، وسينتهي حين يقول: هذا لنا (شيوعية الكل).
إذن الأسطورة مرتبطة بالتاريخ، ارتباطا عضويا، ويقول عزيز العظمة في هذا المجال: «فالتاريخ ليس إلا تلك الصّلة الدّنيوية بين البداية والنهاية»5.
لكن ما الدافع إلى إعادة تشكيل الأسطورة كخطاب معرفي في عصر ذروة العلم؟
عودة الأسطورة إلى الحقول المعرفية في أواخر القرن العشرين له ما يبرره. فالأسطورة تـحمل الفرض العلمي الذي يتحول إلى موضوع للمعرفة من باب الممكن. فالاستنساخ-مثلا- احتضنه المتن الأسطـوري قبل أن يثبته المخبر العلمي.
إن إشكالية مستقبل الإنسان والمجتمع هي التي جعلت الأسطورة تعود من جديد لكي تؤسس خطابات بعضها إيديولوجي والآخر معرفي .و نستشف ذلك من خلال ما أكده سير إدوارد كار في قوله :» ليس أحد مضطر للإيمان سواء بمستقبل التاريخ أو بمستقبل المجتمع، ومن الممكن أن يتعرض مجتمعنا للتدمير أو يهلك نتيجة عملية تعفن بطيء، وإن التاريخ قد يرتد إلى وضعية الثيولوجيا-أي إلى دراسة الفرض الإلهي بدلا من دراسات الإنجازات الإنسانية الأولى-أو إلى الأدب أي سرد الروايات والأساطير »6
إن المجتمعات الاستهلاكية ذات البعد الواحد، لما استنفذت الحكمة من حضارة الطين، لم تجد بدا من الرجوع إلى الأساطير لتؤسس إيديولوجية التفوق، وتصنع من فكرة النهاية لحـظة الولادة الجديدة7. إن مقولة النهاية سلـوك سحــري، يلعب اللاّشعور الجمعي الـدور البارز في تشكله. فكلنا نضع للتاريخ نهاية ونرسم الرجـل الأخير. إن الطقوس التعبدية والرموز الثقافية حبلى بفكرتي النهاية والبداية. يقول مرسيا إلياد:» الإنسان إذ يشترك طقسيـا في" نهاية العالم" وفي تجدد خلقـه يصبح معاصرا له ذلك الزمان، وبالتالي يولد ولادة جديدة، ويعود إلى بداية وجوده مع ذلك الاحتياطي من القوى الحيوية، دون أن يمسها شيء، مثلما كانت في لحظة ولادته»8.
إن ولادة الإنسان الرمز في المجتمعات الأكثر تقدما، تحاول أن تتجدد مع ولادة الكون سنويا، وأن تخلق لنفسها مجالا حيويا يسع انتشار مخيالها الثقافي لذا تترابط ثلاثة عناصر أساسية: الإنسان/ الزمن/ العالم.
ومن أجل دراسة نموذج حي، يعكس حضور الأساس الأسطوري في مقولات النهاية، اخترت كتاب فرانسيس فوكو ياما)) (The end of history and the last man) نهاية التاريخ والرجل الأخير ((الذي يحلو للبعض ترجمته بخاتم البشر.
لم يكن الكتاب في بدايته سوى زمرة من المقالات صدرت في بداية الثمانينات، لكن السلطة الأمريكية استطاعت أن تخلق لها جوا مشحونا، أكسبها الرواج والانتشار.
ومن ثمة شغلت الناس وخاصة النخب المفكرة التي انقسمت إلى ثلاثة أقطاب:
1.    القطب المؤيد: يرى أن ما قدمه فوكو ياما يتطابق مع حركة التاريخ، وأن العالم فعلا يتجه نحو نظام عالمي جديد، تنصهر فيه كل النقائض، وسيتحقق بفعل الدّمقرطة كهدف والأمركة كحافظ (حارس).
2.    القطب المعارض: يرى أن الكتاب لا يغدو أكثر من كونه مجرد مشروع مفبرك، يتخذ شكل» سندويتش أمريكي» على شاكلة «حرب النجوم» التي ابتدعت في عهد رونالد ريغان9، أو فكرة «سد الفراغ» التي ابتكرها هاري ترومان10. إن نهاية التاريخ مجرد مقولة تتأرجح بين الثيولوجي والفلسفي، بنيت على أساس دياليكتيكي مستوحى من فلسفة كانـط (Kant) وهيجل والتي تستمد جذورها من الفلسفة الأفلاطونية والمسيحية.
3.    القطب المتذبذب: لم يتخذ موقفا من المؤلف والمؤلف. وحضوره سيكون على هامش البحث.
وإذا كان كتاب فوكو ياما أحدث جدلا واسعا في أوساط الأنتلجنسيا العالمية فإن النقد والحفر في طبقات نصوصه تكشف عن معالم اللاّعلمية، وحضور الإسقاط الإيديولوجي المباشر، الذي جعل من الأسطورة مولجا لعالم الأفكار والأنساق الفلسفية الكبرى، وفي هذا الصّدد سأحاول وضع بعض المراجعات، معتمدا على عمل أركيولوجي، حافرا في طبقات النّص الفوكوي، قصد استنطاق اللاّمنطوق.
أشرنا سابقا إلى كون فكرة نهاية التاريخ ليست جديدة، بل قديمة قدم الإنسان نفسه، تتجلى بشكل واضح في الفكر الميثولوجي، لأن البحث عن فكرة الاعتراف بالكمال (ثيموس أنتلانشي) [Thymmos entelenche] تتخذ معنى البحث عن نهاية التاريخ.
الحضارة الميزوبوتامية، تقدم جلجامش كنموذج عن الإنسان الشرقي المتطلع للكمال. إن البحث عن نبتة الحياة، إنما هو تعبير عن رغبة نيل الخلود، والقضاء على الموت، لأن اكتساب صفة الأبدية هو في ذاته إعلان عن نهاية التاريخ.
إن جلجامش حاول أن ينهي التاريخ، لمّا وجد نبتة الحياة، لكنّه سرعان ما ييأس، لمّا أكلت أفعى الثرى النبتة، ويعبر عن فشله بالبكاء على ضفاف البحيرة:
رأى جلجامش، بركـــــــــــة ماء
نزل فيها واستحــــــمّ بمائــــــــــــــها
فتشممت الحية رائحــــــــة النبتة
تسللت صاعدة من الماء، خطفتها
وفيما هي عائدة، تجدد جلدها
وهنا جلس جلجامش وبكى11
إن هذا المقطع من ملحمة جلجامش يصور بوضوح فشل جلجامش في تحقيق مبدأ الاعتراف بالكمال والخلود، فيما نرى أن الأفعى هي التي تفوز بالنبتة وعندما تأكلها يتجدد جلدها إعلانا عن اكتسابها الخلود-الأفعى التي ترمز إلى الموت-.
أما الأساطير الهندية فإن أغلبها يصب في فكرة اتحاد الأرواح الخيرة في روح واحدة تمثل النـور، تتحد الأرواح الشريرة مع بعضها مكونة روحا شريرة تمثل الظلمة، ويحدث صراع بين النور والظلمة، وينتصر آخر الأمر النور. وبالتالي ينتهي الحدث التاريخي كـــروح وكغاية. وتصور أسطورة هنغنتاري محاولة هذا الأخير الوصول إلى ماء الخلود عن طريق التصوف باعتبار هنغنتاري حامل لروح الأحياء.
يؤمن الفكر الشرقي عموما بفكرة نهاية التاريخ، لكنه لا يفصح عنها إلاّ في متون الترانيم، ذات الطابع الميتافيزيقي والأخلاقي.
كما آمن الفراعنة بفكرة النهاية، لأن الموت هو نهاية الزمن البشري وبداية السّرمدية أي اللاّزمن، فالفرعون يمثل الخلود، حتى في حالة موته لا يعتبر موته فناءاُ بل وجها آخرا للخلود.
ولذا كانت العقائد الوثنية الفرعونية، تؤكد في طقوسها على ضرورة دفن الفرعون مع ماله وخدمه وحشمه في أهرامات مميزة، معتقديـن أن الموت مجرد حلقة بين الفرعون كنصف إلــه والفرعون كإله12.
وفي هذا الصدد أكدت الأساطير اليونانية على مقولة وفكرة نهاية التاريخ والعالم، ثم جاء الخطاب الفلسفي ليعطي لها أبعادا ومميزات جعلت من الفكرة قاعدة ومبدأ لكل خطاب مـيتافيزيقي أو ثيولوجي. وهكذا فإن أفلاطون في محاوراته استعمل الأسطورة كبرهان وبيان، ووظّف المفاهيم الميثولوجية توظيفا مثاليا. فهو يجعل من نهاية التاريخ حتمية ديالكتكية، تحدث عندما يختفي «الشبح» ويبرز» المثال» متعاليا عن كل ما هو مادي، إن نهاية التاريخ لا تكون بالحرب - كما يعتقد أهل اسبرطة - بل تتم عندما يحدث التطهير الذاتي المبني على مبدا التأمل العقلي الخالص، والجدل الصاعد والنّازل. فالدّيالكتيك هو صعود أو تقدم نحو الـكمال، عندما يصل إلى نقطة الاكتمال يتحد الفرد مع الجوهر مشكلا المطلق الذي هو الخير، يقول فتحي التريكي في هذا الصدد: «فالديالكتيك هو الصعود الذي يصل بنا درجة فدرجة إلى معرفة الجوهر في حدّ ذاته، نعني الخير المطلق»13.
أمّا أرسطو طاليس، فيجعل نهاية التاريخ حتمية اجتماعية، مبنية على قاعدتين الأنا المتعالية والتي يمثلها المواطن الأثيني فقط، علما أن الإنسان خارج حدود أثينا يمثل اللإنسان أي التوحش والبربرية.
والقاعدة الثانية، مؤسسة على القوة التي تتجلى في الحرب العادلة التي تهدف إلى أنسنة المتوحش.
وبناء على ما سبق فإن أرسطو جعل من الإسكندر المقدوني النموذج الذي يحقق فكرة نهاية التاريخ، وأغرقة (نسبة إلى الأغريق) العالم القديم مثلما يحاول الساسة الأمريكيون اليوم فـعله أي أمركة العالم. إن غزو الإسكندر للعالم القديم كاد أن يحقق أهدافه لو لم يمت الإسكندر في الثلاثين من عمره.
وبعد محاولة اليونان لإنهاء التاريخ جاء دور الرومان وقد داعبهم حلم رومنة العالم عن طريق القوة ومبدأ السيادة على الأرض، غير أن ظروفا اجتماعية وأخرى كونية منعت الرومان من تحقيق مقولة «الأرض للرومان» ذكرها مونتسكيو في كتابـــه «أسباب عظمة وانحطاط الرومان».
أما الديانة اليهودية، فنهاية التاريخ مرتبطة لديها بفلسفة التفوق المؤسسة على قاعدة ثيولوجية «الاصطفاء الإلهي» وبالتالي برزت مقولة شعب الله المختار.
إنّـه تعال جمعي لعرق يعتقد في ذاته الصفوة والخيرة، وبالتالي إن الأرض لم تخلق إلا للشعب اليهودي، وأن نهاية التاريخ قائمة على مبدأ تحقيق العالمية اليهودية، وفق الوعد الإلهي، والعالمية اليهودية تتجلى كحقيقة في مملكة إسرائيل الكبرى. إن هذا الهاجس التاريخي، جعل اليهود على مر الزمان بؤرة الحدث التاريخي، ولعل هتلر لم يكن مدفوعا إلى التنكيل باليهود إلا لكونهم أكثر حضورا في التاريخ البشري (·).
أما المسيحية فتجعل فكرة نهاية التاريخ مرتبطة بفكرة الخلاص التي تحدث فقط عندما تتحد الأقانيم الثلاثة مشكلة المطلق14.
وفي الفكر الإسلامي، فكرة نهاية التاريخ تتبلور في تيارين: السني والشيعي.
ينطلق الفكر السني من فكرة التمكين لله، وتجسيد مقولة «أنتم الأعلون»، والاستعلاء لا يتحقق إلا بالفتح وقواعد الفتح تتضمن ثلاث حالات:
1.    الإسلام: ذوبان الفرد في الفكرة. (محاولة دحض النقائض).
2.    الجزية: إعلان الولاء للأقوى(السيادة)
3.    القتال: نزع الاعتراف بالتفوق والاستعلاء من الآخر (أسلمة العالم).
إن خروج الجيوش الإسلامية في كل الاتجاهات، لم يكن في حقيقته إلا محاولة أسلمة العالم، وتحقيق العالمية الإسلامية، لم يكن الدافع أو الباعث المعلل على الفتح عرقيا بل عقائديا، قائما على ثنائية النصر أو الشهادة، وكلاهما يترجم مقولة النهاية.
إن النصر هنا هو تعبير عن قمع الآخر، أي القوة المعارضة والفكرة النقيضة، وعندما ينتفي النقيـض والمعارض يدل ذلك دلالة قاطعة على انتصار الفكرة وبالتالي إعلان عن نهاية العالم والتاريخ والإنسان وبداية العالم الآخر الذي يمثل الخلود. وما الشهادة لإنها تعني الخلود لأن شهيد الفكرة حي يرزق15.
أما الطرح الشيعي فتتجلى نهاية التاريخ لديه في نظرية الإمامة على الخصوص. فالإمام المغيب هو الذي يحقق نهاية التاريخ، وأن التاريخ ما هو إلا في نطاق محنة الانتظار.
إن حضور الإمام المنتظر ما هو في حقيقة الأمر إلا إنهاء للشر والقضاء على مجتمع الأشرار، والإمام كما ترويه الأساطير الشيعية على الخصوص يحمل كل مقومات القوة والقدرة لتغيير العالم.
إن العالم لابد أن ينتهي عند نقطة ما، يسود فيها الخير المطلق من جدلية» ما ينبغي أن يكون من معكوس ما هو كائن»، فالإمام المعصوم والمنتظر في نفس الوقت مؤيد، واستعلاؤه حتمية، وانتصاره مسلمة، وعالميته قضاء وغاية. ونهاية التاريخ عند الشيعة مرتبطة بالرجاء لا اليأس، فالمعذبون في الأرض سيحققون الاستعلاء حتما.
في الفكر الحديث، حاول الإنسان الغربي، بسط أناة والبحث عن العالمية الثانية للإنسان الغربي، إن مقولة بوسييه (Boussuet) تجسد ذلك:» لم تخلق الأرض إلاّ للإنسان الأبيض».
إن الغزو الأوربي للعالم، والذي اتخذ في البداية سمة الاكتشافات الجغرافية، كان نابعا من بعدين: بعد ديني وآخر سياسي اقتصادي. كما لعبت الأسطورة دورا بارزا في دفع رواد الاكتشافات إلى الإبحار نحو عوالم مجهولة. فأسطورة ماء الحياة أو النبع الخالد، كان لها الدور البارز في تفعيل حركة الغزو الأوربي.
إن أسطورة ماء الحياة هي أسطورة ذات أصول شرقية ويونانية، وقد اعتقد اليونانيون أن جوفنس العذراء تحولت من عروس المياه إلى ينبوع الماء الخالد، وكل من شرب منها سترجع شبابه واكتسب الخلود، كما نلاحظ أن أسطورة كورنيس تحمل نفس المعالم.
إن أغلب المكتشفين الأوائل أمثال كوك، وأمريكوفسبوتشي تملكهم هاجس اكتشاف ينبوع جوفنس أو كورنيس16.
وينطلق هيجل في القرن الثامن عشر، من فكرة أن الصراع يقع ضمن مجال الأفكار، فكل فكرة لها نقيض. وأن التاريخ لا يتجلى كأحداث إلا في حركة الفكرة والنقيض. ونهاية التاريخ عند هيجل نفسها ترتكز على مبدأ مسيحي، فهيجل يرى أن نهاية التاريخ حدثت مرة في التاريخ، لما تجلى الإلــه (الأقنوم الأول) في الإنسان الذي جسده المسيح (الأقنوم الثاني)، وأنه سيحدث للمرة الأخيرة عندما يتحد الإله مع العرق الآري المتفوق، عندئذ نصل إلى إدراك المطلق داخل نطاق الدولة17.
في هذا الموضوع بالذات يقول مرسيا إلياد: «هيجل يعود فيتناول الإيديولوجية اليهودية المسيحية ويطبقها على التاريخ العالمي في مجمله، الروح العالمي يتجلى باستمرار في الحوادث التاريخية، ولا يتجلى إلا في هذه الحوادث، التاريخ يصبح في مجمله ثيوفانيا (تجليا إلهيا)»18.
أما في الحقبة المعاصرة، نلاحظ أن هيتلر حاول أن يجسد الحلم الألماني، ويحقق نهاية التاريخ وفق مبدأ نزع الاعتراف بالقوة والحرب الكونية، ويجعل نفسه نابليون أوربا الثاني، وبدل أن يمتطي صهوة جواده الأبيض19، يمتطي دبابته المدرعة.
وتحاول أمريكا كقطب سياسي واقتصادي في أيامنا هذه أن تحقق فكرة نهاية التاريخ من خلال مشروع «النظام العالمي الجديد». فالعولمة والدمقرطة والأمركة كلها معاني تصب في محاولة تحقيق التفوق المأخوذ بقوة الاعتراف، أي وفق ما يسميه أفلاطون الثيموس (Thymos).
وبعد هذا العرض التاريخي لمقولة نهاية التاريخ، نعود إلى موضوعنا الأساسي، والمتمثل في استخلاص الجانب الأسطوري من حنايا كتاب فوكو ياما (نهاية التاريخ).
يرتبط الصراع في الفكر الفلسفي والديني على العموم بالخير والشر كقيمتين متعارضتين. يؤكد كارل ماركس نفسه في هذا الاتجاه أن الصراع نشأ حين قال الإنسان: هذا لي، من هنا ابتكر الخير والشر.
وإذا كان الشر في أغلب الفلسفات العالمية هو أصل الحوادث، فإن فلاسفة اليونان لم يخرجوا عن هذا السياق. إذ يعتقد أفلاطون أن الثيموس مجرد رغبة غضبية، جامحة ترمي إلى نزع الاعتراف بالقوة، من منطلق أن النفس الغضبية تسعى دوما إلى انتزاع التفوق من الآخر، يقول فوكو ياما محللا ما سبق:» ثمة جانب مظلم للرغبة في نيل الاعتراف جعل الفلاسفة يرون في الثيموس المصدر الأساسي للشر بين البشر»20
إذن ففوكو ياما يحاول أن يؤسس مشروعه من خلال التناص مع الأسطورة، فالأسطورة تتخذ شكل الدليل الافتراضي.
إن الثيموس يتجلى في مبدأين: الميجالوثيميا والأيسوثيميا، وهما قيمتان متعارضتان. فالأولى تجنح نحو قوة غضبية عارمة، ترغب في نزع الاعتراف بالقوة وبالتالي تبدو أكثر شرية لارتباطها بالتعالي المفرط واحتقار الآخر.
إن الميجالوثيميا نوع من "جنون العظمة" تصيب خاصة الأنوات الأكثر بارانوياكيه. لقد حاول فرانسيس فوكو ياما أن يعممها على كل أنشطة الإنسان21. فعلاقة الرجل بالمرأة لا تخرج عن الميجالوثيميا، إنه عندما يغازلها أو يعاكسها، يريد أن يمتحن موقعه "كأنا" بالنسبة لها كآخر مؤنث. فإن استمالها يشعر بالتفوق خاصة إن حدثت منافسة على "هي». و"هي" نفسها ترغب أن تنتزع الاعتراف من الآخر المذكر "هو"، وأن معيار التفوق يختلف بين "هو" و"هي"، فهي تتخذ من "الجمال" كقيمة للاعتراف، وهو يجعل من "القوة" معيارا. وهكذا يعتقد فوكو ياما أن العلاقة الجنسية في حد ذاتها تجلّ واضح لنزعة الثيموسية، إن افتراش الرجل للمرأة هو انتزاع شهادة التفوق أكثر مما هو إشباع للرغبة الجنسية. إن الثيموسية في جانبها الميجالو، غايتها القصوى الشمولية، لذا فإن الليبيرالية الديموقراطية عند فوكو ياما غايتها الكبرى والفضلى هي الوصول إلى نظام شمولي.
إن النزعة الثيموسية الأكثر جنونا وشرية، تمثلها أسطورة لينتيوس، التي يحاول فوكو أن يسقط نموذجها على أمريكا، الدولة الأكثر ميجالوية، والمنتصرة دوما على أعدائها، منتزعة الاعتراف بالتفوق من الأنظمة الأخرى رغم وجود العوائق الكثيرة التي تقف أمام رغبتها الجامحة.
إن الثيموس الخرافي نجد حضوره متجليا في شخصية لينتيوس، يتحول في الفكر الديموقراطي إلى خير وبراغمه، نتيجة اعتقاد فوكو أن نظام دمقرطة العالم جعل من مبدئي الثيموس المتناقضين مبدأين متصالحين.
أما الثانية: الإيسوثيميا فهي نزعة تسيطر على شعـــور المستضعفين خاصة، ولذا نـرى هيجل يبرزها في جدلية العبد والسيد أو في قصة "التاجر" لهيجل نفسه. يقول فوكو ياما مـحللا رأي هيجل «يستعيد العبد في الواقع إنسانيته التي فقدها بسب خوفه من المـوت العنيف، بواسطة العمل، في البدء يجبر العبد على العمل من أجل إرضاء السيد بسبب خوفه الدائم من الموت»22.
وبالتالي يعمل المستضعف على نزع الاعتراف بالتساوي والنّدية، ومنه يصبح الإيسو مطلبا شرعيا في خطابات الثورات العالمية، إن آدم في الجنة دفعه الإيسو إلى مخالفة الإله (الله عند المسلمين) والأكل من الشجرة الممنوعة (عند البابليين واليونانيين، شجرة المعرفة)، والغاية من هذه الرغبة نزع الاعتراف بالتساوي مع الإله.
إن الإيــزوثيميا غالبا ما يتخذ قيما أخلاقية، كالكرامة، الاحترام، "احترام الذات"، و" تقدير الذات " والمساواة، العدالة، إلخ. وكلها كما يقول نيتشه (F. Nietzs‎‎che) قيم جوفاء وصنعها الضعفاء ليحدو بها من قوة الأسياد23.‎‎‎‎
وبعد هذا العرض الوجيز للمبدأين السابقين، نلاحظ أن فوكو يحاول أن يتجاوز الأطروحات السابقة لكي يصالح بين مبدأي الثيموس (الميجالوو الإيزو)، وأن التاريخ في رأيه لا يعرف غايته ولا نهايته إلا في تصالحهما. إذ يصبح الاعتراف بالتساوي مساويا للاعتراف بالتفوق، عندما يسود العالم نظام أمثل، يتجلى في النظام الشمولي الليبرالي، الذي يجهز على إمبراطورية الحقد24.
وإذا كانت الأسطورة الأولى، تترجم المبدأ الأكثر شرية في الثيموس، فإن أسطورة برومثيوس تمثل الجانب الآخر أي الإيزوثيميا. إن برومثيوس يحاول أن ينتزع الاعتراف بالندية من الآلهة، والطريق إلى ذلك يتمثل في سرقة النار من مجمع الآلهة. والعمل البطولي لبرومثيوس أخذ العقل البشري من دائرة العجز إلى دائرة الخلق والسلطة.
إن هاجس الاعتراف بالتساوي، نجده في كل الأساطير العالمية. إن الإنسان في جل الأساطير يتحول إلى بطل ثم إلى نصف إله.
إن هذه التراتبية تؤكد مسعى الإنسان في إيجاد صيغ تحقيق النّدية أو على الأقل الاعتراف بالتساوي من قبل الآلهة، كما نجدها في متون أسطورة كاليغولا أو هيركيل.
إن الأسطورة كحقل معرفي، تعبر في أغلب أشكالها عن الجانب اللاعقلاني، وبما أن الثيموس قوة غضبية، إذن فهو مفارق للعقل وليس منه، وهذا ما أكده فريد هاليدي في قوله: «في الإغريقية الكلاسيكية تعني كلمة التيموس الغضب أو الشهوة، وهي ملكة تخص الحيوانات والخيول المفعمة بالحيوية.»
إن مفارقته للغــوس جعـل أفلاطون يحكم العقل ويقدسه، وبالموازاة نلاحظ فوكو ياما يحكم النظام الليبرالي الذي يراه الوحيد القادر على المصالحة بين المبدأين المتناقضين.
إذن فالتاريخ منذ أن بدأ مع "الإنسان الأول" إلى أن ينتهي مع الإنسان الأخير (نهاية كغاية وليس كحدث) باعثه المعلل هو الثيموس أي اللاّعقل. ومعنى ذلك، حسب التحليل السابق، أن الوعي التاريخي يتضاءل ما دام يحركه اللاشعور أو التيموس. فهل يقبل مجتمع العقلاء، أن يكون تاريخهم المجيد والتليد عبارة عن تاريخ الّلاعقل؟!
إن ما نستنتجــه آخر الأمر، هو أن فكرة نهاية التاريخ مبنية أساسا على الفكر الأسطوري.
ومن منظور فلسفة التاريخ فهي فكرة تغيّب العقل والوعي، ثم هي تجعل غاية التاريخ مرتبطة بتحقيق شهوة عقيمة يميلها الثيموس القوة الغضبية في الإنسان.
فهل تقبل الأنتلجنسيا الّلاغربية أسطورة دمقرطة العالم وأمركته؟
وهل نقبل أن يكون الرجل الليبرالي الرجل الأخير؟
إن نهاية التاريخ مؤسسة على اعتقاد غربي، حوصله فرانسوا شتاليه في العبارة التالية:
«إن نهاية التاريخ هي نهاية الآخر الذي يقاتل الأوربي»25.وبالتالي فنحن أمام اغتصاب جديد لمفاهيم التاريخ، وندخل في النزعة التأويلية المبنية على الإيديولوجيا الانقلابية، ولعل هذا ما نلتمسه في قول مطاع الصفدي:» واضح أننا أمام اغتصاب جديـــد لمفهوم التـــاريخ. وحركته ونهايته، يأخذ شكل التأويل، ليبني مشروعا إيديولوجيا في عصر تـم الاتفاق على وصفه بأنه عصر انهيار الإيديولوجيات»26.
إن محاولة تهييئ العالم وتبيئته لقبول وهم انتصار الغرب، لا يخرج عن محاولة اعتباطية للإنسان الغربي من أجل انتزاع التفوق الوهمي من الآخر. إن الآخر حتى في حالة انحطاطه سيتمسك باعتقاد كونه هو ذلك الرجل الأخير. إذن لا بد أن نحطم إيديولوجية التاريخ الموجه، وتندمج في التاريخ الحي الذي يصنعه الجميع.

  
Notes
· نتقد باروخ سبينوزا (B. Spinoza) الفكر اليهودي السياسي وخاصة مقولة "مملكة إسرائيل الكبرى" وأراد أن يستبدلها بنظام سياسي قائم على الحق الطبيعي رغم كونه يهوديا ولعله تفطن أن رغبة في التفوق لن تتحقق بمشاريع قديمة.
1 - محمود، عبد القادر. - الفكر الإسلامي والفلسفات المعارضة. - مصر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط2، 1986.- ص.209.
2 -خليل، أحمد خليل. -مضمون الأسطورة في الفكر العربي. - بيروت، دار الطليعة، الطبعة 1 ،1986.-ص.ص. 48-49.
3 -نقلا عن: تركي علي الربيعو، الإسلام وملحمة الخلق والأسطورة، المركز الثقافي العربي، بيروت، الطبعة 1،1986، ص20.
4 -العظمة، عزيز. - الكتابة التاريخية والمعرفة التاريخية. - بيروت، دار الطليعة، ط1، 1983.- ص.125.
5 -المرجع نفسه. - ص.110.
6 -كار، إدوارد. - ما هو التاريخ؟ ترجمة ماهر كيالي وبتار عقل. - بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط2، 1980.- ص132.
7 -راجع قصة حي بن يقظــان لابن طفيــل كمثـــل.
8 - إلياد، مرسيا. - رمزية الطقس والأسطورة، ترجمة نهاد خياطة. - سوريا، دار العربي، ط1، 19، -ص.78.
9 -رونالد، ريغان (1911)، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ما بين 1981 إلى 1988، اشتهر بمحاولته بسط النفوذ الأمريكي على اغلب مناطق العالم، كما كان قبل ذلك ممثلا في أفلام «رعاة البقر»
10 -هاري، ترومان (1884-1972) تولى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية، وتولى عهدتي1945 -1948 و1948-1953.
11 -نقلا عن بشير، زهدي. - (مقدمة في الميثولوجيا). - سوريا، مجلة المعرفة، العدد،197 1978.-ص.115.
12 -تاتون، رونيه. - تاريخ العلم. - ترجمة علي مقلد، الجزء الأول، الطبعة 01، 1982. - ص.
13 -التريكي، فتحي. - أفلاطون والديالكتيكية. - الدار التونسية لنشر، ط1، 1985.- ص.61.
14 - راجع: محمود، عبد القادر. -مرجع مذكور، المعطيات نفسها.
15 - أنظر الآية «ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون» (آل عمران 169.)
16 -بشير، زهدي. - مقدمة في الميثولوجيا. - مجلة المعرفة. - ص.27.
17 - ياما، فوكو، فرانسيس. - نهاية التاريخ. - بيروت، ترجمة مركز الإنماء العربي،1993.- ص.ص. 144، 145.
18 -إلياد، مرسيا. - رمزية الطقس والأسطورة. - ص.107.
19 -اعتبر هيجل، نابليون بونابرت هو الرجل الأخير، والذي ينتهي بعمله التاريخ، وأن الجواد الذي يمتطيه ما هو إلا الروح والعقل.
20 -ياما فوكو. - نهاية التاريخ. - بيروت، ترجمة مركز الإنماء العربي، 1993.
21 -ياما فوكو، نهاية التاريخ. - ص.174.
22 -ياما، فوكو، فرانسيس. - نهاية التاريخ. - ص.190.
23 -راجع كتاب نيتشه:" الإرادة هي القوة "Will zur machat"
24 -أنظر نهاية التاريخ. - ص.225.
25 -شتاليه، فرانسوا، هيجل. -سوريا، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، ط2، 1976.- ص.200.
26 - المرجع الأسبق. - ص.15.