الأربعاء، 22 مايو 2019

الإنسان وجدلية الحضور والغياب

الإنسان وجدلية الحضور والغياب

أد/ عبد القادر بوعرفة
موضوع الإنسان لا ينبغي أن يدرس بمعزل عن تاريخ الإنسانية جمعاء، ولا فلسفة التاريخ، فالظاهرة الإنسانية تحمل عموميات تشترك فيها جميع الفلسفات والمذاهب والأديان، دون أن ننسى النظريات العلمية التي أنتجها الإنسان على مر التاريخ. من المنطقي أن نتطرق إلى "الإنسان" في تاريخ الفكر الفلسفي بدءا من الأسطورة وما تحمله من فكر ميثولوجي، انتهاءً بحاضرنا وما يحمله من فلسفات وعلوم دقيقة. والغرض الكشف عن "فلسفة الإنسان" من جدلية أزلية: "ما ينبغي أن يكون عليه الإنسان من معكوس ما هو عليه."
 إنّ هذه الجدلية ولدت على مر تاريخ العقل، هاجسا في وعي كل مفكر مناضل، امتلك البصيرة والقوة على التأمل والتفلسف، والغرض من اللحظة الهاجسية انبثاق في كل عصر مفهوم جديد عن الإنسان. ولعل بول هازار لم يكن مخطئا حين قال: "إن أزمة الإنسان في كل مكان عصر تلد مفهوما جديدا عنه". انطبعت في ذهن كل مفكر منظومة نسقية ذات بعد فلسفي، تحاول التنظير "للإنسان الأنموذج" من فضاءات التأمل وحدّة السؤال، ولقد عبر عن هذه الحقيقة الأستاذ محمد محي الدين في قوله: "كان الفكر على مر العصور يجتذب لنفسه (الإنسان المطلوب) من معكوس الإنسان كما هو ونقيضه، فلم يكن يسمح لأهواء الإنسان العادية ونزواته أن تكون عنصرا داخلا في تكوين إنسانيته، في واجب وجوده، ولم يكن غريبا بعد هذا، أن يصبح الإنسان المطلوب مجرد دعوة قائمة في أذهان مبتكريته، بينما كان البشر العاديون يسبحون في تياراتهم الرتيب، رافضين بذلك الإنسان "المسلاة" والذي ظل يشنق في عقل كل مفكر على مدى الزمان".

بدأ الاهتمام الجدي بالإنسان مع سقراط الذي غير مجرى الفلسفة، فبعد أن كانت فلسفة تهتم بأمور السماء وتلج في متاهات السفسطائيين، جعلها فلسفة تهتم بأمور الأرض والإنسان خاصة
إنّ كل جيل في أي عصر كان، إلاّ ويسعى جاهدا أن يحقق الأنموذج الذي يجد لذاته فيه انسجاما ومع حاضره انعتاقا وتجسدا. حيث تعكس فلسفة التاريخ بوضوح حقيقة ماثلة للفكر، هي أنّ التاريخ لم يكن ليكون، لو لا وجود حركة الصراع بين النماذج المطلوبة والمرفوضة عبر تاريخ حركية الأفكار. إنّ صراع النماذج خلق توترا شديدا في عقلية كلّ شعب صنع لنفسه كيانا معنويا، وسياجا ثقافيا، مما دفع كل جيل أن يعمل لكي يكون أحسن وأفضل ممن سبقه أو ممن يعاصره. وعليه؛ سنرى من خلال الاستقراء الفلسفي للفكر البشري، مدى حضور الإنسان كمشكلة وأنموذج في أفكار كبار الفلاسفة والعلماء، وجميع من يمثلون الأنتلجنسيا أو النخبة المثقفة على العموم، وكما يقول مالك بن نبي في كثير من كتبه، لابد أن ننتج رجالا قبل أن نتج أشياءً، لأنّ إنتاج حضارة يبدأ أول الأمر من صناعة إنسان مُتكامل. ولم نقرأ أبدا أنّ أمة ما، أم شعبا، استطاع أن يدخل التاريخ ويوجهه ما لم يكن في البداية صنع "الإنسان النموذج".
 فكرة الإنسان النموذجي ليست فكرة جديدة، وإنّما فكرة قديمة قدم التاريخ، لقد ظهرت مع بداية القفزة التي شهدها الإنسان البدائي، فخروجه من حالة التوحش (Etat sauvage) إلى حالة التأنس (Etat sociable)، تعكس أنّ الإنسان البدائي (L'Homme primatif) رفض حالته البدائية التي لا تميزه عن الحيوان، لا من حيث نمط المعيشة ولا من حيث أشكال التكيف الطبيعي، فحلول فكرة الألفة والأنس وظهور المعاشرة كنظام وفن العيش، توضح بدون شك أنّ الإنسان البدائي بدأ عقله يعمل، وتأمله يحدس، ضرورة حضور الأنموذج، ولعل تلك القفزة جعلت فكرة النماذج تأخذ طابعا إيجابيا يتجه نحو المشهد الحضاري والحقل التاريخي. وعندما ندرس رواية ابن الطفيل "حي بن يقظان" ندرك أنّ الطفل لم يكن في بدايته سوى كتلة لحمية لكنه سرعان ما أدرك أنّه يختلف عن الغزالة الأم بعد موتها ببرهة، وشعر في لحظة ما، أنّ هناك فيض بداخله، يدفعه إلى أعلى، جعله يحدس في لحظة تأملية أنّه إنسان رسالي وليس مجرد حيوان وحشي، إنّها اللحظة نفسها التي شعر بها الإنسان البدائي. وإذا كان حي بن يقظان يعتقد أنّ ما ميزه عن باقي الكائنات هو مدى ارتباطه بالله عقليا، فإنّ الإنسان المُستأنس كان شعوره بالتميز يكمن في مدى رفضه للحال ومدى حضور صورة الأنموذج في ذهنه وتطلعاته.
 إن فكرة الطوطم يمكن اعتبارها فلسفة بدائية، تحاول أن تضع النموذج المطلوب في إطار من القداسة، إذ أن الطوطم إذ كان إنسانا، ينظر له نظرة تعظيمية، ظنا أنه الكمال المفقود والنموذج المأمول. منذ أن بدأ الفكر الإنساني ينضج ويرتقي، بدأت فكرة النموذج تأخذ أبعادا جديدة، تجاوزت ما هو طبيعي مادي إلى ما هو غيبي، أو بصورة أدق إلى ما هو خارق لطبيعة الإنسان الضعيفة، والعلة تعود إلى كون الإنسان بدأ يشعر أن الرقعة التي يقطنها ليست مغلقة بل مفتوحة لا تعرف الحدود، وأن العالم أوسع مما كان يتصوره بكثير، ومن جهة أخرى أن الإنسان لمّا خرج من البدائية، بدأ يعرف صعوبات ومشاكل في علاقاته ونظم حياته، فكان لزاما أن يتناسب التطور الفكري وحركية الإنسان النموذجي المطلوب.
 ومن جانب آخر، فإن أزمة العيش والحاجة وغريزة حب البقاء، دفعت الإنسان للبحث عن النموذج الذي يجد فيه ذاته المتوترة، فظهرت الأسطورة والخرافة لكي تترجم الهاجس السابق، رغم ما نعلمه الآن عنها، من مفارقة للواقع وما تحمله من تناقضات، وبتعبير أفضل إن الأسطورة تعكس سلوكا سحريا، وتكشف عن رغبة مكبوتة في اللاّشعور الجمعي، لقد كان الإنسان الغابر يبحث عن الكمال المفقود في كل شيء، المعرفة، الحكم، الإنسان، الخلق، الموت، .... فلم يجد مفكروه ومبدعوه إلا الأسطورة كحقل تزرع فيه الأفكار والمفاهيم، وما يعتقد أنه حقيقة بالماهية.
 لقد بدأ الاهتمام الجدي بالإنسان مع سقراط الذي غير مجرى الفلسفة، فبعد أن كانت فلسفة تهتم بأمور السماء وتلج في متاهات السفسطائيين، جعلها فلسفة تهتم بأمور الأرض والإنسان خاصة. فانبثقت عنه مجموعة من الرؤى والتصورات حول ما ينبغي أن يكون عليه الإنسان من معكوس من هو عليه، وحدد منهجا خاصا لبناء الإنسان النموذج، مرتكزا على مبدأ أخلاقي، مبني أساسا على الفضيلة وفكرة الخير لذاته. كان سقراط يؤمن أن تغيير الإنسان لا يمكن أن يحدث ما لم نقم بعملية تطهير لكل فرد، لذا سن شعاره المشهور "اعرف نفسك بنفسك"، محاولا من خلاله تنبيه الإنسان بأن ميلاده الماهوي بيده لا بيد غيره، إن سقراط كان يؤمن أن المجتمع اليوناني لن يتغير ما لم ننتج رجالا وفق ما يتصوره الحكماء، إن حضور النموذج أكيد في كل عمل تجاوزي يهدف إلى القطيعة.
ولقد تفطن أفلاطون أن نموذجه المُتخيل لا يمكن أن يتحقق إلا بوجود نظام سياسي يحميه من الطغمة الشريرة، فالنموذج الإنساني بحاجة إلى نموذج سياسي يواكبه ويحميه من المدن الفاسدة، فكانت "الجمهورية" في نظر أفلاطون السياج الأمثل لتحقيق نموذجه المفقود. إن جدلية الإنسان اتضحت بشكل مبهر وملفت للانتباه مع عصر النهضة بالخصوص، حيث تحول إلى مركز الأشياء بعدما كان مجرد كائن يعيش في الهامش وعلى تخوم الأحداث، إن مركزية الإنسان أدت إلى ظهور نماذج مفارقة للماضي، كان من أبرزها الإنسان المتفوق لفرديريك نيتشه.

استثمار الموتى بين الوعي والمخيال.. الأمير عبد القادر أنموذجا

استثمار الموتى بين الوعي والمخيال.. الأمير عبد القادر أنموذجا

أد/ عبد القادر بوعرفة
15/5/2019
يحظى أغلب الموتى بمراتب رفيعة في كل الثقافات العالم دون استثناء، قد لا يعود الأمر إلى أعمالهم البطولية فحسب؛ بل يعود الأمر إلى استثمار الميت رمزيا في الحياة السياسية والاجتماعية، لأن الموتى لا يُرافعون ولا يدافعون عن أنفسهم. كما أن التّاريخ في مجمله هو تاريخ الأموات، والكتابة التاريخية كفعل تأريخي يتجه صوب الماضي أكثر من الحاضر والمستقبل، ويكون موضوعه في الغالب ذكر أخبار الأموات. يلاحظ بأن المجتمعات الوثنية حولت الأموات إلى آلهة وأنصاف آلهة، ونسبت لهم من الأمور ما لا يخطر على بال أو يتصوره مخيال، ولقد قال الفيلسوف اليوناني زينوفانيس إن الأبطال والآلهة من صنع الناس عبر التاريخ، حيث يتم توظيف الميت توظيفا اجتماعيا، وسياسيا، وميثولوجيا.
إن أعظم الأعمال الفلسفية الكبرى لا تخرج عن قراءة أعمال الفلاسفة الموتى، فالتفكير الفلسفي هو قراءة آنية في موضوعات طرحها الموتى منذ قرون خلت. ولا أحد ينكر أن أفلاطون وأرسطو ظلا محور الفلسفة سواء الإسلامية أو الغربية في كل الأزمان تقريبا، حتى بات من المسلم به أنه لا يجوز للمتفلسف خوض غمار الفلسفة إن لم يُعرج على فلسفيتهما.

استثمار الميت ليس تشويها للتاريخ بل هو علة حركته، فعندما يتمثل المغامر شخصية صلاح الدين فإنها تساعده على الثورة وقلب ما هو كائن من معكوس ما ينبغي أن يكون
إن استثمار الرموز ظاهرة تاريخية تتجاوز الحقيقة ونظريات المعرفة في كل أطوارها التاريخية، فالجماعات البدائية كانت تستحضر الميت في طقوسها التعبدية من أجل رفع الضرر أو جلب المنفعة، بل أصبح الميت عند كثير من الشعوب البدائية طوطما تتناسخ روحه مع المخلوقات الحية، ويعود من جديد في دورة حياة ذات بعد ثيولوجي رهيب. والميت له حضور قوي في مجال التأويل والتفسير، فرؤية الميت كانت ولا زالت تلهم الأذكياء صيغ توجيه الكتل الجماعية إلى ما تريده أو صرفها عما لا تريده، إما عن طريق المنام أو النّص الذي تركه الميت، ونلاحظ ذلك بوضوح في الطرق الصوفية.

استطاع أفلاطون أن يستثمر سقراط بعد موته، فجعل لسانه ينطق باسمه ليس حبا في سقراط وتمجيده فحسب، بل احتيالا على السّاسة من أجل التحدث في أمور السّياسة، فلا يمكن أن يُجرِّم القانون الموتى، كما لا يمكن للحاكم أن يقتص من الفاني. إن أفلاطون أراد من خلال التخفي وراء سقراط استثماره لنقض نظرية المعرفة السفسطائية ليتسنى له هدم النظرية السياسية القائمة، والثّورة على الحكومة الديمقراطية الفاسدة، لقد كان سقراط هو الشّاهد وأفلاطون هو القائل، ونجح أفلاطون أيّما نجاح في استثمار سقراط في محاورته الفريدة التي لازالت إلى اليوم تثير نقاشا علميا كبيرا وحيا.
استثمرت الفرق السياسية والكلامية في الثقافة الإسلامية الموتى من أجل تأسيس المذاهب وإضفاء الشرعية، خاصة أهل السنة والجماعة في توظيفهم للنبي وبعض صحابته كالفاروق وأبي هريرة، ثم الشيعة في استثمارهم بالخصوص للحسين بن علي وبعض الأئمة.   لا أحد ينكر دور المخيال في صناعة النماذج (الصالح / الفاسد)، فالميت المُستحضر ليس بالضرورة تصوره كما يُقدم، بل كان في الحقيقة أبسط من ذلك بكثير، فالمخيال هو الذي يلبسه من الصفات التي لم تكن فيه، والسجايا التي لم يتصف بها، وذلك كله بغية رسم الإنسان الكامل الذي نفتقده في واقعنا المعاصر. ومن جهة أخرى، تفرض حركة التاريخ وجود المحرك الذي يتحرك (نقيض مبدأ أرسطو)، فالموتى يصنعون التاريخ من خلال ما نضفيه من قيم عليهم، فصلاح الدين الأيوبي نرسمه اليوم كما لو كان فريد زمانه ووحيد عصره، ونقدمه في الثقافة مثلما نقدم المستحيل أو المُمتنع، بينما كان صلاح الدين رجلا كباقي الرجال يأكل الطعام ويمشي في الأسواق.
إن استثمار الميت ليس تشويها للتاريخ بل هو علة حركته، فعندما يتمثل المغامر شخصية صلاح الدين فإنها تساعده على الثورة وقلب ما هو كائن من معكوس ما ينبغي أن يكون. إن التناقض بين النماذج العينية يفرض إيجاد النظير والنقيض كأنموذج يقلص مسافة التباين بين النماذج المتصارعة على ساحة التاريخ. إن إيديولوجيا المكر والمغالبة السياسية هي التي تستحضر بعض الأموات لتحقيق المكر التاريخي، قد يكون الميت المستحضر رجلا أثر في التاريخ بأعماله البطولية أو العلمية كما يمكن أن يكون مجرد ما نسجته مخيلة المتلاعبين بألباب الناس وعقولهم، فكثير من الأسماء المخترعة لم توجد أصلا.
ومن خلال ما سبق، لاحظنا أن الأمير عبد القادر كميت منذ أمد ليس ببعيد يُستحضر اليوم في اللعبة السياسية والثقافية من أجل لعب أدوار رمزية مهمة في تاريخ ما بعد الأمير. وبما أن السياسة تقوم على فكرة الممكن إذ يُسمح فيها بما لا يسمح في غيرها من العلوم العملية، لذا أعاد الساسة الأمير بقوة في الخطاب الرسمي الجزائري خاصة بعد الأحداث الدموية التي حدثت في بداية التسعينات، لكن هل عودة الأمير كانت عودة الذات لذاتها أم عودة الذات للعبة الطوطم الأبدية؟
 إن التوظيف السياسي للأمير يضعنا أمام إشكالية سياسية، تتفرع إلى قضيتين أساسيتين تنتهيان عند التناقض أو التداخل، فالقول بأن الأمير مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة يقود أول الأمر افتراض صدقها أولا قبل عكسها، وهذا يستوجب منا التعامل مع الأسئلة الآتية: هل يمكن اعتبار الأمير عبد القادر مؤسس الدولة الوطنية الحديثة؟ وما المعيار؟ ولما الرجوع إلى الأمير بذات؟ وأين يكمن اللامفكر فيه؟

أقطاب الحركة الإسلامية لم يعتبروا الأمير عبد القادر نموذجا للدولة الخلافية، ولم تُطرح تجربته كبديل يضفي الشرعية على القول السياسي لعدة اعتبارات وجيهة من حيث البعد السياسي
والقضية الثانية تتجه نحو القول بأن الأمير أسس إمارة دينية على شاكلة الإمارات الإسلامية الصغرى، فهي من حيث البعد الفكري لا تخرج عن تنظيم اجتماعي بسيط، ولهذا وذاك يستوجب منطق الجدل التعامل معها بطرح الأسئلة التالية: هل البيعة هي بيعة جهادية أم بيعة سياسية؟ وهل يصح سياسيا اعتبار إمارة الأمير نموذجا للدولة حديثة؟ ما المعيار؟ وأين اللامنطوق في نفي طابع الدولة الوطنية عنه؟

شهدت الجزائر قبل الاستحمار الفرنسي دولة قوية في أسطولها البحري ممثلة في حكم الدّايات، إلا أن الدولة الجزائرية لم تكن جزائرية بالمعنى التام للكلمة نظرا لارتباطها بالباب العالي، ومنه كانت مجرد ولاية عثمانية، مع العلم أن نجل الأمير عبد القادر السيد محمد عبد القادر الحسني قال في تحفة الزائر: " أول من أسس أمر الدولة في الجزائر رجل من قرية أجي باد، انتقل إلى جزيرة مثلين المعروفة لهذا العهد بالمدلي، واسمه عروج بن يعقوب ولقبه باربروس الأول، أي صاحب اللحية الحمراء."  ولقد لعب الفكر القومي في زرع ثقافة نفي الحقبة التركية واعتبارها مجرد احتلال، لذلك لا يمكن أن نسمي الأقطار الخاضعة لها دول أو إمارات، بل مجرد كانتونات تركية كما يقترحون.
 كان الفكر السياسي بعد استقلال الجزائر سنة 1962 يتجه نحو نمذجة الدولة الجزائرية ضمن المنظومة الأفروأسيوية، والتي تجعل الدولة الوطنية تتأسس على الفكرة الثورية المنبثقة من الشعب، فلم يكن للأمير في فترة الستينات والسبعينات من ذكر أو حضور، ولم يُذكر إلا في برامج التعليم على أنه شاعر جزائري وأديب.
  إن التحولات السياسية والاجتماعية التي حدثت بعد 5 أكتوبر سنة 1988 أخرجت للسّاحة السّياسية تيارات سياسية، تخندقت في خندق المعارضة الراديكالية، وكان أشهرها على الإطلاق التيار السلفي ممثلا في جبهة الإنقاذ. والتي طرحت نموذج الدولة الإسلامية كبديل عن الدولة العلمانية، وتبنوا فكرة إعادة الخلافة الإسلامية للوجود بعد أن تهاوت سنة 1924 بتركيا. 
إن أقطاب الحركة الإسلامية لم يعتبروا الأمير عبد القادر نموذجا للدولة الخلافية، ولم تُطرح تجربته كبديل يضفي الشرعية على القول السياسي لعدة اعتبارات وجيهة من حيث البعد السياسي، ولأسباب تاريخية وأخري دينية تتمثل في كونه متصوفا وطرقيا. وعليه، تم استثمار الأمير من قبل القوى الوطنية من أجل توجيه الصراع السياسي نحو فلسفة المغالبة بالمخيال.

عبد المجيد مزيان ومفهوم الانبعاث الحضاري

عبد المجيد مزيان ومفهوم الانبعاث الحضاري

أد عبد القادر بوعرفة
30/4/2019
لم يكن عبد المجيد مزيان مجرد رجل عابر لأتون الزّمن الحارق، ولا مجرد سياسي أثقلته هموم السّياسة وابتلعته تلابيب الدسائس، بل كان رجل فكر وتأمل، حلم وخيال، يتقد فكرا كلما انزوى في معبد الفكر، وتهجد في صومعة الفلسفة. لم يكتب كثيرا، ولم يترك إرثا ثقيلا، لكنه في المقابل ترك إرهاصات فلسفية، وتصورات اقتصادية، واجتهادات دينية ... تغدو عند نسجها ورصها مشروعا حضاريا، وعتبة من عتبات الانبعاث الحضاري المأمول في عالم إسلامي لم يرتق ويَعْتَل بعد أولى عتبات الحضارة، ولم يتخلص لحد الساعة من ضريبة الانحطاط الباهظة.
     
يجب أن نصرح أول الأمر بأن عبد المجيد مزيان لم يكن صاحب مشروع حضاري مقارنة بأصحاب المشاريع العرب، أمثال مالك بن نبي، محمد عابد الجابري، أو حسن حنفي ... ولكنه كان قد حمل هاجسا وهما حضاريا ثقيلا، عبر عنه في العديد من كتاباته ومحاضراته ولقاءاته التلفزيونية. وعندما ندرس تلك الهواجس والخواطر ندرك ملامح مشروع حضاري لم يكتمل بعد؛ ولم يُصرح بولادته لظروف لم يستطع عبد المجيد مزيان نفسه أن يتجاوزها.
   
تحدث عن الغد والمستقبل؛ وفي حديثه عن الغَدية نجده لا يختلف كثيرا عن لحبابي، فهو يصر على ضرورة التفكير في الغد والإعداد له إعدادا يليق بالمسلم في عالم يحتكره الكبار. وتحدث عن الحضارة ومشكلاتها، وهو في ذلك لا يختلف كثيرا عن مالك بن نبي، بل نجده أضفي طابعا خلدونيا جديدا على تصورات مالك بن نبي وأفكاره عن الحضارة. ومن خلال ما سبق، نجزم أن عبد المجيد مزيان تحدث بوضوح عن عملية إحيائية نوعية تخص الانبعاث الحضاري المرتقب، وقد حدد لها جملةً من الشروط، استطعنا من خلال دراسة مسحية لجل ما ترك من آثار في مجلة الأصالة بالخصوص، أن نحصيها ونرتبها ترتيبا تصاعديا، ونقصد الانتقال من الشروط الذاتية إلى الشروط الموضوعية.
    
مفهوم الانبعاث الحضاري
ينظر عبد المجيد مزيان للحضارة من منظور تركيبي لا هُوياتي، فالحضارة عنده هي كيان مركب يغذي الشّعور بالانتماء إلى فضاء عام جد متطور، حيث تتناسب فيه الإبداعات مع حركة التطور والرقي السائدة. وعليه، تغدو الحضارة تركيبا منسجما بين مظاهر التمدن الكبرى، أي كل الإبداعات الاجتماعية، الاقتصادية، السّياسة، الفكرية، التقنية، والفنية .... بحيث تشكل تلك الأنساق تميزا لأمة ما، وتجعلها تترك بصمةً تاريخيةً.
  
تتجلى الانطوائية الحضارية في رفض المسلم التعاطي مع التاريخ ضمن منطق التغير والتبدل والتحول، واعتقاده بأن الحضارة يمكن أن نؤسسها على الثابت والأبدي، إن هذا التفسير للحضارة يخالف طبيعة الإسلام ذاته
نلاحظ بأن مفهوم الحضارة عند عبد المجيد مزيان يرتكز جزئيا على الرؤية الخلدونية، فابن خلدون جعل الحضارة تتجلى في طبيعة العِّمران البشري، والذي يعكس بالضرورة التّمايز الحاصل بين المجتمعات البشرية في ظاهرة التمدن وطرق الاجتماع. ويعتبر المعاش وطرق تحصيله من أقوى الصفات الجوهرية للحضارة، وفي هذا المجال عرف ابن خلدون الحضارة فقال: " أن أحوال الحضارة ناشئة عن أحوال البداوة، وأنها أصل لها فتفهمه. ثم إن كل واحد من البدو والحضر متفاوت الأحوال من جنسه فرب حي أعظم من حي وقبيلة أعظم من قبيلة ومصر أوسع من مصر ومدينة أكثر عمراناً من مدينة، فقد تبين أن وجود البدو متقدم على وجود المدن والأمصار وأصل لها بما أن وجود المدن والأمصار من عوائد الترف والدّعة التي هي متأخرة عن عوائد الضروري المعاشية."
  
سيجعل هذا التصور الخلدوني اقتران بلوغ الحضارة أوجها بنهاية العمران وقمته، فإن أوج ما يصل إليه العمران هو ظهور سمات الحضارة من ترف في العيش، وكثرة الصنائع، وتنوع الفنون، واختلاط الأعراق والألسن، وعليه تصبح الحضارة هي منتهى الاجتماع البشري. ويبدو أن عبد المجيد لم يخرج عن السّياق ذاته، ففي مقاله "طريق الذهب وطريق الثقافة" يرى أن طريق الذهب حين استغنى عن الثقافة أنتج حضارة بائسة، فبالرغم من تطورها وترفها إلا أنها مهدت لزوالها وفنائها:" نحن نعلم أن طريق الذهب الذي عُبد في قرون قد أكلته صحراء التبذير والملذات والانحطاط في سنيين وذهب أدراج الرياح بين الجواري والقصور والخمور في غرناطة وتلمسان وفاس. هكذا دُمِرت هذه القرى الفاجرة لأن مترفيها فسقوا فيها."
  
ويبدو من خلال ما سبق، أن عبد المجيد لا ينظر إلى الحضارة من حيث هي ترف ومكتسبات مادية فحسب، بل الحضارة تكمن في الوعي بالتقدم نحو الأفضل مع الحفاظ على الإرث والقيم الروحية التي تحفظنا من الانزياح نحو مزبلة الحضارة، كما حدث لحضارة الأندلس وبلاد المغرب الكبير. إن الحضارة هي إرث متواصل يتطلب عملا آنيا وتطلعا مدروسا نحو المستقبل، عندئذ يتطلب منا تجسيد هذا الأمل ثورةً عارمةً تمكننا من الإقلاع الحضاري وفق سنن الكون وفلسفة التاريخ.
     
لا تنطلق عملية الإقلاع الحضاري من فراغ، ولا يجب أن تتأسس على قطائع لن تجعل الحضارة بمأمن من مكر التاريخ، بل يجب أن تنطلق من أبعاد الزمن الثلاثة معا، فالماضي تراث وجذور، والحاضر وعي وعمل، والمستقبل أمل ومصير. يفرض الإقلاع الحضاري أن تكون عملية الإعداد له مدروسة وهادفة، ويجب على الجيل الذي يحمل رسالة الاستخلاف والشّاهدية أن يوفر جميع الشروط الضرورية للقفزة الحضارية المأمولة.

ينطق المفكر عبد المجيد مزيان في تأسيسه للمشروع الحضاري من قاعدة إبستيمة هامة؛ تقوم على ضرورة تجاوز كوجيتو حضاري سلبي، تمثل في مقولة: " أنت منطوي إذن أنت منحط حضاريا" إلى كوجيتو إيجابي، يتمثل في:" أنت منفتح حضاريا إذن أنت إنسان سوي."  تدل هذه المقولة على أن الحضارة لا يمكن أن تتأسس على الفكر السّحري الذي يعيش في أتون (موقد) الماضي ومتونه فقط، بل الحضارة تتأسس على مجموعة من الشروط الذاتية والموضوعية. وأول شرط من شروطها؛ ضرورة أن يكون المسلم منفتحا سويا، وألا يكون شخصية منطوية مريضة، والغاية من هذا الكوجيتو تحرير المسلم من ذهنية الرجوع إلى الوراء (الماضي)، فالحضارة لا تُبنى من خلال قانون العودة إلى الوراء بل الحضارة دوما تتشكل من خلال قانون التقدم نحو المستقبل، ولا يمكن أن يصل المسلم إلى هذا الوعي إلا إذا تحرر من وهم وسحرية الماضي، فلا العصر الذهبي للإسلام ولا صدر الإسلام يمكِنهما أن يحلا مشاكل المسلم في أي قرن قادم.
  
تتجلى الانطوائية الحضارية في رفض المسلم التعاطي مع التاريخ ضمن منطق التغير والتبدل والتحول، واعتقاده بأن الحضارة يمكن أن نؤسسها على الثابت والأبدي، إن هذا التفسير للحضارة يخالف طبيعة الإسلام ذاته كما يقول عبد المجيد مزيان نفسه: " حينما نتكلم عن الإسلام فهناك أناس يفسرون الإسلام تفسيرا تعسفيا أو غير لائق. الإسلام ومعنى السلفية هو الرجوع إلى الظروف الاجتماعية السياسية الثقافية التي كانت موجودة في عصر هارون الرشيد أو غير ذلك، أي هناك رجوع إلى الوراء، هذا النوع من التحديد الضيق للإسلام سيبقيه إسلاما منقولا عن عصور أخرى. هذا التفسير للإسلام ضيق ومنحرف. لماذا؟ لأني أعتقد كذلك من جانب آخر، أن الإسلام في بداية أمره، وخصوصا في الأربعين الأولى كان ثورةً بأتم معنى الكلمة."
  
وتقتضي ثورية الإسلام أن يظل المسلم ثائرا مُغيرا مبدلا، ففي كل عصر إلا ويقتضي مقام الشّاهدية أحوالا غير التي كانت في العصر الذي سبقه، وإذا انحرف المسلم عن المنهج الثوري سيكون الانطواء والانحطاط محطته ومرتبته، ويكون بذلك فقد رسالته بأن يكون شاهدا على الناس في الدنيا والأخرة معا.

الجمعة، 26 أبريل 2019

سؤال النهضة في الفكر العربي المعاصر

نشر بالجزيرة        أد/ عبد القادر بوعرفة

يعود مصطلح النّهضة إلى العصر الحديث، وهذا التّحديد يضع سؤال النّهضة ضمن بلازما ثقافة خاصة، ونقصد انتمائه إلى ثقافة غربية لصيقة بالموروث الكنسي والمعطى التنويري من ناحية أخرى، مما يجعل تلك الثّقافة في تلك الحقبة من الزّمان تسودها قيَّمُ الثّورة على الموروث وطبيعة التّفكير، والتّمرد على كافة أشكال الاستبداد والطغيان. كان سؤال النّهضة في الغرب مشروعا نظرا للانحطاط والتّخلف الذي عاشته أوروبا منذ سقوط الرومان على حسب المفكر مونتسكيو، حيث أثمر سُؤال النّهضة عن ميلاد مشروع تّنويري نهضوي، أخرج أوروبا من سباتها الحضاري وأدخلها حقل التّاريخ بقوة، ولم يكن فلاسفة التنوير أنفسهم يحلمون به.
   
يفرض فهم السؤال السّالف في سياقاته الحضارية اعتبار النّهضة مجرد مرحلة من مراحل تطور الإنسان، حتى لا تتحول هي ذاتها إلى ما ضد النّهضة، كما يجب التأكيد أن الانبهار العالمي بالنّهضة الغربية ألبسها في كثير من الأحيان حُللاً أسطورية، وربطها بانتصار العقل على مخلفات الفكر الديني، بيد أن الدّارس لتاريخ النّهضة الأوروبية يكتشف أن من أدخل أوروبا إلى عالم النّهضة هو عصر المغامرة أولاً ثم أنوار العقل ثانيا، ونقصد أن الاكتشافات الجغرافية التي حدثت في القرن السّادس عشر بالخصوص من طرف البحارة البرتغاليين والإسبان هي التي فتحت عيون الغرب على العالم الكبير، إذ جعلت الاقتصاد الأوروبي يعرف ثورة عارمة.
   
يعكس مصطلح " النّهضةّ" قصدية إرادية تتعلق بمقاصد الحضارة، وهو فعل يعبر عن وعي متقدم يحاول صاحبه تجاوز حالة أو أزمة ما كالنّكوص أو الأفول أو الانحطاط
وأعتقد شخصيا أن الرّجال الذين صنعوا النّهضة الغربية هم أولئك الرجال الذين سلكوا غمار البحار أمثال كريستوف ومجلان وفاسكو ديغاما وماركو بولو وأمريكو فيسبوتشي ...، أما الفلاسفة الذين يُنسب لهم دوما الفضل في ترسيخ قواعد التّنوير وتأسيس عصر الأنوار ما كانوا ليكونوا لولا تلك النتائج العظيمة لتلك المغامرة التّاريخية التي قام بها أولئك الرجال. كانت النّهضة الإسلامية الأولى ذاتها بفعل الفتوحات الإسلامية الكبرى، فلولا الفتوحات ما كنا لنرى المُتكلمة ولا الفلاسفة ولا المُتصوفة، فالمغامرة هي التي أخرجت العرب من القوقعة الصحراوية الممتدة في سَراب الفلاة إلى المَدَنِية والعِمْران المرتبطان بشاهدية الإنسان وعالميته. وفي المقام نفسه، أعتبر أن الفكر الإصلاحي كان أكثر اقترابا من حركة التنوير بفعل الزمن، وكانت الدّعوة إلى التّنوير والتثوير أعمق مما هي عليه اليّوم، فنحن في كثير من المسائل نستحضر الطهطاوي وحمدان خوجة لنبرر الثّورة على الموروث العقيم والدّعوة للأخذ من الغرب.

يعود الغرب اليوم مجددا للثّوة على هيمنة البراديغم، فسؤال الحداثة هو ثورة على مخلفات نتائج النّهضة ذاتها، لم يعد سُؤال النّهضة في الغرب اليّوم يُثير ذلك الانبهار الذي أحدثه زمن عصر الأنوار، بل كثير من الفلاسفة اليّوم ينتقدون فلسفة التّنوير في بعدها الوجودي والميتافيزيقي، لقد خلقت في أذهان مثقفيها آلهة جديدة كالعقل والعلم، وأفسدت علاقة الإنسان مع الطبيعة حيث ربطتها بقضية الصراع. واليوم، بعد مرور أكثر من أربعة قرون يطرح الغرب سؤال الحداثة وما بعد الحداثة، فكيف نطرح في المُقابل سؤال النّهضة؟  ألا يعكس أننا نقر للغرب بأنه متقدم علينا بأربعة قرون؟ وما الغاية أن نعيد طرح مشروع النهضة ونحن في الألفية الثالثة؟

1- تدل لفظة "المشروع" في المتن الفلسفي على استراتيجية مبنية على أسس معرفية وسياسية، فالمشروع هو نزعة بنائية إحيائية ترنو نحو تحقيق تقدم وانتقال من حالة غير مرغوب فيها إلى حالة أفضل، وعليه يعكس المشروع دوما ارتباط الإرادة السياسية بالإرادة العلمية، فالنّهضة كمشروع لا يمكن أن يتجسد إلا إذا جَسد السّياسي ما يفرضه العقل والنظر.

2- يعكس مصطلح " النّهضةّ" قصدية إرادية تتعلق بمقاصد الحضارة، وهو فعل يعبر عن وعي متقدم يحاول صاحبه تجاوز حالة أو أزمة ما كالنّكوص أو الأفول أو الانحطاط. والنّهضة ليست تنميةً ولا تطويرا ولا تَقَدُماً بل هي ثورةٌ شاملةٌ.

3- يُراد بالمشروع النّهضوي جملةً هو تحقيق القطيعة مع ظاهرة أفول أو سقوط الأمة أو الجماعة، ويتجسد ذلك من خلال وضع رؤية متكاملة مُسيجة بأسئلة ثورية لا بأسئلة تبريرية، ونقصد أن الأسئلة الثورية هي التي تُطرح على صيغة كيف ولما وبما..... بينما الأسئلة التّنفيرية التبريرية هي التي تأتي على شاكلة لماذا تأخرنا وتقدم غيرنا؟

4- لم يعرف التّاريخ الثقافي في الفكر الإسلامي عبر مساره التّاريخي مشروعا نهضويا مؤسسا على وعي فلسفي بل جل ما قُدم هو أقرب إلى ما يُسمى "هاجس نهضة" أو "حلم نهضة" عُبر عنه في قوالب هي أشبه ما تكون بالخواطر أو الرُؤى نصطلح على تسميتها بمقولات في النّهضة. لقد فشلت الإنتليجنسيا في بناء إنسان ما بعد الانحطاط وانعكس هذا الفشل على ظهور الفرد (المستهلك) بدل الإنسان.
   
نحن اليوم إذا لم نفكر في مشروع متكامل لبناء إنسان فإننا لن نتغير أبدا، فالسياسة لا تحل مشكلة التخلف كما يعتقد الكثير
5- مصطلح "مشروع نهضة" هو محاكاة للمشروع الغربي زمن التّنوير، بيد أن المشروع الغربي استند إلى شروط موضوعية أدت إلى انتصاره تكمن في وضع غايات ومقاصد للمشروع النهضوي وهي: التنوير – الحرية – المواطنة – العدالة. بينما نحن نربط سؤال النّهضة دوما بالعقيدة، وهذا في حد ذاته ضد النّهضة، فمشكلة المسلم ليس مع عقيدته بل مشكلته الأساس مع عالم الأشخاص والأفكار والأشياء كما يري مالك بن نبي.
   
6- ضرورة وعي سؤال النّهضة في أبعاده الزمانية والمكانية، لأن ما طرحه الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا يختلف كليا عما نعيشه اليوم في القرن الحادي والعشرين، فسؤال النّهضة اليّوم لا بد أن يحمل حمولة عصره وهموم أبنائه وليس حلم الأسلاف وتصوراتهم. ومن خلال ما سبق، ندرك أننا عندما نتحدث عن شروط النّهضة في القرن الحادي والعشرين نؤكد بأننا لا زلنا نعيش اقتصاد القرن السّادس عشر، ونفكر وفق ثقافة القرن الرابع الهجري، وننظم أنفسنا وفق سياسة المماليك.
   
أين الخلل في مقولات النهضة الإسلامية؟ هل في محاكاة الغرب دون فهم للشروط والغايات؟ أم لغياب المرجعية الفلسفية المؤسسة للأسئلة النهضة؟ أم لأننا لم نفكر بجدية في أيقونة النّهضة وأقصد الإنسان.؟ تقتضي إشكالية الوجود والمصير في سياقات مقولات النّهضة وأسئلتها وضع فلسفة إحيائية بنائية، تُمكن الأمةَ من وضع أولى خطوات الانبعاث الحضاري، فعندما ندرس الدّورة الحضارية وفق مراحلها الثّلاث، نلاحظ أن كل مرحلة إلا ويُقابلها أنموذج إنساني يختلف عن سابقه. يُبنى المعيار الحضاري على قاعدة تاريخية، تنطلق من فكرة كلما تقدم التّاريخ الإسلامي من نقطة ميلاده (الصفر) ونقصد المدينة المنورة، كلما بدأ الإنسان الشّاهد النموذج الأروع يفقد دوره ومثاله الرائع، ويخرج من مجال التاريخ الحي ويدخل في مجال التاريخ الميت، حتى تحول بفعل التّباعد التّاريخي عن نقطة الصفر إلى كائن بدون كيانات حضارية.
  
كان الهاجس منذ زمن الفتنة والمحنة ثم النّكسة: كيف يتم بناء إنسان جديد يحمل بعض خصوصيات نموذج إنسان المدينة؟ وكيف يمكن إبداع نماذج إنسانية تُحقق أمل النهضة...؟ وما سمات الإنسان المستقبلي؟ ونحن اليوم إذا لم نفكر في مشروع متكامل لبناء إنسان فإننا لن نتغير أبدا، فالسياسة لا تحل مشكلة التخلف كما يعتقد الكثير، وأغلب القادة والساسة الذين يراهنون على تغيير العالم الإسلامي من خلال العمل السياسي هم مخطئون بالضرورة، فالتغيير الحقيقي هو تغيير الإنسان الكتلة وتحويله إلى إنسان شاهد.

الخميس، 11 أبريل 2019

ثورة 22 فبراير 2019 السلمية بالجزائر



·         كاتب وأستاذ جامعي
·          
حراك فبراير السلمي.. حين يكون الشعب في مستوى الحدث

نُشر بالجزيرة يوم 4/4/2019


مر أربعون يوما على مسيرة الحِراك السلمي، تُوج باستقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بعد مناورات بائسة من قبل قوى غير دستورية، كانت الأولى من أجل الترشح لعهدة خامسة، والثانية محاولة تمديدها لبضعة أشهر، لإجراءات إصلاحات دستورية مهمة حسب زعمهم، من خلال عقد ندوة وطنية جامعة، وهي التي تُحدد موعد الانتخابيات الرئاسية، وكان الرئيس المنتهية ولايته يحلم أن يُسلم عرش الرئاسة لمن سيخلفه.
  لكن الشعب الجزائري رفض التمديد والتأجيل، فكانت المحاولة الثالثة البقاء لغاية 28 أبريل؛ مع إصدار قرارات مهمة، وتدشين ثلاثة مشاريع هامة على رأسها المسجد الكبير، وفتح المطار الدولي الجديد، وتدشين الملعب الأولمبي الكبير، لكن الشعب رفض. لم يكن للرئيس آخر الأمر إلى الانصياع لأمر الشعب والجيش، فقدم استقالته يوم 2 أفريل سنة 2019، بعد أن عجز الطاقم الرئاسي وآل بيته من استنفاد الوقت اللازم لتحضير خروج مشرف وآمن لهم.
إن أكبر نصر حققه الشعب الجزائري من خلال ثورته السلمية يمكن أن نحدده في العناصر الأتية: 
انتصر الشعب على الخوف ونفسية الركون، وطلق السّكون واتجه صوب الحِراك الاجتماعي والسياسي، مما أحدث قفزةً نوعيةً في الوعي لم نلاحظها لدى كثير من الشعوب التي ثارت على سُلطها، فلم نسجل طيلة الجمع الست حدثا مأساويا، ولم تسل قطرة دم واحدة. 
لم يقع الشعب الجزائري في فخ تمثيل الحراك بل كان مصرا على ألا يُمثله أحد مهما كان وزنه أو تاريخه، لأن التمثيل في تلك المرحلة كان ليكون في صالح النظام، والذي كان يطلب من الحراك الشعبي تعيين ممثليه حتى يحاورهم
·          
انتصر على النعرات الإثنية والجهوية، ولم ينساق وراء الدعاية المغرضة ولا الشائعات التي حاول من خلالها النظام إحداث انقسام داخل الجبهة الشعبية، فكان الشعار الأكثر حضورا لا فرق بين القبائلي، العربي، الميزابي، الشاوي، الترقي كلنا جزائريون إخوة في الدين والوطن، وهذا التلاحم الوطني تم التعبير عنه من خلال التمسك بالراية الوطنية كراية سياسية وحيدة، أما الرايات الأخرى ما هي إلا تعبير عن انتماء ثقافي، ونقصد الراية الأمازغية، النايلية، الهلالية. 
امتازت ثورة 22 فبراير بالتنظيم المحكم على مستوى 48 ولاية، ولم يحدث صدام بين الشعب وقوات حفظ النظام، بل كان تحول الشباب إلى دروع تحمي عناصر الأمن من أي اعتداء تقوم به عناصر المندسة والمنحرفة.
 ظهور ثقافة التعبير الحر من خلال التفنن في كتابة الشعارات، واختيار الأناشيد الوطنية الحماسية، كما سجلنا حضور صور أبطال ثورة التحرير الوطني أمثال العربي بن مهيدي، لطفي، سي الحواس، عميروش، زبانة، وهذا في حد ذاته انتصار تاريخي، حيث لم تستطع السلطة أن ترسمه بقوة برامجها الدراسية وأيامها الاحتفالية، لكن الشعب رسمه بقوة الوعي والرغبة الملحة في الانتماء للحظة النوفمبرية.
ظهور شعارات ذات بعد ثوري محض، تعكس درجة اليأس من النظام القائم، وهذا يؤكد أن صبر أيوب قد بلغ حده وأن الشعب قرر أن يمضي إلى آخر المطاف، فليس هناك ما يخسره حاضرا ومستقبلا قياسا مع ما خسره طيلة صبره وانتظاره، ومن تلك الشعارات التي غزت العالم بأسره: "ترحلوا يعني ترحلوا"، ارحلوا جميعا"، "ترحلوا قاع" ولعل هذا الشعار الأخير هو الأكثر رواجا لأنه مستمد من اللغة العامية فلفظة "قاع" تعني الكل بوجه مطلق لا استثناء فيه.
نذكر أنه في جميع المسيرات لم يتم سب رئيس الجمهورية وإن طال السب محيطه وزبانيته، فالشعب الجزائري كان مدركا أن الرئيس لا يحكم بسبب مرضه، وإنما الحاكم الفعلي شقيقه سعيد بوتفليقة، الذي شكل جماعةً غير دستورية تحكمت في مفاصل الدولة، فنهبت المال، وعطلت المصالح، وأبعدت الشرفاء، وقربت السفهاء، وبددت أحلام الشباب ودفعتهم للهجرة في قوارب الموت.
لم يقع الشعب الجزائري في فخ تمثيل الحراك بل كان مصرا على ألا يُمثله أحد مهما كان وزنه أو تاريخه، لأن التمثيل في تلك المرحلة كان ليكون في صالح النظام، والذي كان يطلب من الحراك الشعبي تعيين ممثليه حتى يحاورهم. غير أن عدم وجود ممثلين عن الحراك جعل السلطة تقف عاجزة عن المناورة، فحتى الشخصيات التي كانت تُحلل وتتحدث عن الحراك لم تجرأ القول بأنها تُمثل الحراك، بل الحراك ذاته رفع عدة لافتات يرفض أن يمثله كان من كان.
 لعب الكم دورا مهما في تغيير موقف الجيش، ففي الجمعة الأولى كان موقف الجيش منحازا نحو النظام، ووصف القائد المتظاهرين بالمغرر بهم، كما لمسنا لغة التهديد والوعيد في الخطاب الأول، تم الرد عليه بجمع مليونية شملت كل الولايات بدون استثناء، حتى تلك الولايات المعروفة بولائها للنظام منذ 1962 انتفضت لأول مرة، وخرج شبابها يصرخون: ارحلوا ارحلوا.
 تم تحرير وسائل الإعلام والقنوات الفضائية، فاصطف أغلبها مع الشعب. حيث استطاع الشعب أن يكسب سلطتين مؤثرتين الجيش والإعلام، بالرغم أن الشعب لن ينسى الدور السلبي لبعض القنوات المحسوبة على النظام، والتي وإن تخلت عنه في اللحظات الأخيرة عير إنها ستحاسب حسابا عسيرا، لأنها تأسست بفضل المال العام المنهوب، وعملت على تضليل الشعب وقتا طويلا.

رفض الحراك الشعبي أي تدخل أجنبي، لذا كان الشعب ضد تدويل الحراك من قبل النظام، وذاك من خلال رفض كل ما قام به رمطان لعمامرة بالخصوص، فذهابه إلى الصين وروسيا وإيطاليا كان من أكبر الأخطاء التي ارتكبها النظام.
معركتنا القادمة ستكون من أجل تنحية حكومة نور الدين بدوي، وحل المجلس الدستوري، والبرلمان بغرفتيه، ثم التمكين للشعب من خلال المادة السابعة والثامنة من الدستور
·          
أهم ما سجلته في خضم هذه الأحداث، هو تحول الشعب إلى قارئ للدستور، وهو الذي كان منذ شهرين يجهل مواده الدستورية، بل لا يُحبذ الحديث عنه، لكن الأحداث المتسارعة جعلته يحفظ ويعي كثير من المواد: 7، 8، 28، 102، 104، ... وخاصة المادة 102 التي شكلت محور حديثه في أغلب الأحيان.

انتشرت الشائعة بصورة مذهلة، وكان الغرض من زرعها إرباك الشعب، وصرفه عن الأحداث المحورية، لكن الوسائط الاجتماعية وعلى رأسها الفيس بوك مكنت الشعب من الاطلاع على كل كبيرة وصغيرة، والقدرة على التمييز، وعليه لم تستطع الشائعات كسر إرادة التغيير.
 تفنن البعض في السخرية والتنكيت، ووجدت تلك الفنون قبولا في أوساط الشعب، مما جعل الحراك يكتسب طابعا مرحا وفنيا. 
الحضور القوي للمرأة الجزائرية، فالنظام السابق كان يراهن دوما على العنصر النسوي للمساندة والمؤازرة من خلال سن جملة من القوانين التي أتاحت للنساء الحصول على مناصب برلمانية وحكومية وفق نظام الحصة (الكوطا). 
وبعد أربعين يوما من الصمود والتصدي لكل أشكال الهيمنة والتضليل، استطاع الشعب الجزائري أن ينتصر في معركته الأولى والمتمثلة في تنحية الرئيس والقوى غير الدستورية التي حكمت البلاد وآذلت العباد.
  
غير أن ثورة 22 فبراير لم تصل إلى أهدافها، فتنحية سلطة الواجهة لا يعد تغييرا جذريا بل هو مجرد تغيير سطحي، فالثورة هدفها التغيير الجذري للنظام العميق، ونقصد أن ما بعد 2 أفريل هو العمل البطولي الذي سنقوم به حقا، فتغيير سلطة الظل والقوى الخفية في دواليب السلطة تحتاج منا نضالا كبيرا، وكلنا مجمعون على أن المسيرات ستتسمر حتى نصل إلى جميع أهدافنا دون نقصان.
معركتنا القادمة ستكون من أجل تنحية حكومة نور الدين بدوي، وحل المجلس الدستوري، والبرلمان بغرفتيه، ثم التمكين للشعب من خلال المادة السابعة والثامنة من الدستور، حيث لا يؤمن الشعب الجزائري في انتخابات ديمقراطية وشفافة في بقاء الولاة ورؤساء الدوائر، فضلا عن رئيس الحكومة المعروف بتزويره لأغلب الاستحقاقات السابقة.

الاثنين، 18 مارس 2019

المثقف والحراك الشعبي الحكمة والمغامرة



أد/ بوعرفة عبد القادر/ جامعة وهران2
نشرت في ندوة صحيفة "الخبر" التي أدارها الكاتب والإعلامي حميد عبد القادر حول "الحراك الشعبيّ ومهام المُثقف الجديدة" (17/03/2019).
***********
       يجمع أغلب من درسوا مكانة المثقف في المجتمعات العربية المعاصرة، أن هناك شرخا كبيرا بين المثقف والشارع، وهناك أيضا سدا منيعا بينه وبين السلطة ومراكز صنع القرار.
  إن هذا التوصيف يجعل من دور المثقف اليوم دورا صعبا، فالحراك الشعبي يسير بمتتالية هندسية، بينما المثقف لا زال يسير وفق متتالية حسابية، هذا الوضع يعطي تجار السياسة والأفكار القاتلة الفرصة لتأطير الحراك الشعبي تأطيرا إيديولوجيا لا تأطيرا فكريا، ويكون الحال أننا سننتج بعد فترة من الزمن النظام نفسه الذي نحاول اليوم تغييره، وتجربة الهوندراس ليست ببعيدة.
  إن دور المثقف مهم للغاية، أكثر مما نتصوره اليوم، وأكثر مما نظر له أنطوني غرامشي أصلا، فالحراك الشعبي إذا لم يؤطره الفعل الثقافي الهادف تحول إلى طوفان مدمر، قد يقود المجتمع إلى العودة إلى عشريات الدم والنار في حالة التهور، وقد يؤدي إلى التمكين للنظام في حالة عدم وعي شروط التغيير والإصلاح.
   ويبدو أن المثقف الجزائري بالخصوص حبيس حساباته وتأويلاته، مما يجعله لا يتحرك إلا بعد فوات الآوان، وإذا تحرك لا يكاد يُسمع صوته إلا على مستوى البلاتوهات، في حين أن العالم اليّوم تؤطره وسائل التواصل الاجتماعي أكثر من أي وسيلة آخري. وعلى المثقف اليوم أن يؤدي ضريبة الثقافة من خلال:
1-               ترشيد الحراك ترشيدا سياسيا، فالحماس المفرط والنشوة اللحظية قد تقود إلى التهور والتّيه. يستطيع المثقف من خلال حمولته المعرفية والتاريخية أن يضع الحراك ضمن منطق التدرج في المطالبة والمغالبة، لأن ما يحرج السلطة القائمة هو الفعل الحذر والموزون للحراك الشعبي، وكل تهور واندفاع يكون في صالح النظام.
2-               كشف خيوط اللعبة السّياسية، وتبيان اللامنطوق، وقراءة النّصوص خاصة الدستورية والسياسية قراءة تأويلية، حتى لا يقع الحراك في أحبولة من أتقنوا قراءة مكيافيلي وهوبز.
3-               وضع أرضية فكرية لمتطلبات التغيير، وضبط المفاهيم والمصطلحات، وتأسيس مجتمع مدني واعي بالتغيير وسننه.
4-               ضرورة أن يعمل المثقف على تزامن ثنائية التنوير والتثوير في الوقت نفسه، فالعمل الثوري بدون رؤية فكرية سيكون مآله الفشل، والوقوع في شراك سلطة الظل التي تتقن المناورة.
5-               يستطيع المثقف أن يمنع تجار الدين والسّياسة من أن يغيروا سلمية الحراك، وتحويله إلى حراك مدمر، قد يؤدي إلى تدمير الوطن برمته.
6-               وأكبر ما يجب على المثقف فعله، ألا يتحول إلى تاجر باسم الثقافة، وأن يقتنص الفرص وفق ذهنية برومثيوس سارق النار والفن والسّياسة.