الأحد، 10 أبريل 2016

كروبي ضد خامنئي بداية القصف الثقيل

بعث مهدي كروبي، الزعيم الإصلاحي الإيراني الأبرز، ومرشح الانتخابات الرئاسية الإيرانية في عام 2009، برسالة إلى الرئيس الإيراني حسن روحاني مطالبا إياه بالتدخل لدى خامنئي، الذي وصفه بالطاغية، لمحاكمته علنا أمام الشعب الإيراني.
 
كما انتقد كروبي النظام الإيراني بشدة، وهاجم تدخل الحرس الثوري الإيراني في سوريا والعراق واليمن ولبنان، واتهم النظام بأنه يعتقد بتبعية الشعوب ودول المنطقة لقوة هذا النظام، ويرى أنه من حقه التحكم بمصائرهم.
 
وقال كروبي في رسالته لروحاني: "أطالبكم بالتدخل وفقا للمادة 168 من الدستور الإيراني في الدفاع عن حقوق المواطنين الإيرانيين وتقديم الطلب لدى "طاغية إيران"- بحسب وصفه- لإقامة محاكمة علنا، حتى يرى الشعب الإيراني من هو الصالح ومن الفاسد في هذا النظام".
 
وأضاف كروبي مخاطبا الرئيس روحاني في رسالته قائلا: "أنا لا أطلب منكم أن ترفعوا عني الإقامة الجبرية التي فرضت علي، كما أن هذا القرار أصلا ليس بيدكم، وأنا أعلم ذلك تماما يا سيدي الرئيس، ولكن أنت مكلف قانونيا بالدفاع عن الشعب الإيراني، وعليك أن تتوسط بإيجاد محكمة، ولو أن تتشكل هذه المحكمة وفقا لمزاج الطاغية الحاكم على إيران، فأنا أعلن موافقتك الكاملة عليها، وأريد أن أحضر وأدافع عن نفسي ضد الاتهامات التي وجهت ضدي، كما أريد أن أحضر لإثبات بطلان الانتخابات الرئاسية لعام 2009 ليعلم الشعب الإيراني بأنها كانت غير قانونية".
 
وتابع كروبي في رسالته لروحاني قائلا "سوف أكشف ما جرى من تزوير في الانتخابات الرئاسية، وخفايا السجون والمعتقلات غير القانونية، وأن ظهور هذه المحكمة ستكشف عن  الذي انحرف عن المسار الحقيقي للثورة الإيرانية وعن الفاسد".
 
واشتكى كروبي ظروف الاعتقال القاسية التي يعاني منها لروحاني وقال: "منذ عام 2009 وحتى عام 2013 اعتقلت ونقلت لعدة أماكن، وعانيت من ظروف غير طبيعية في الاعتقال، وبعد 2013 فرضت علي الإقامة الجبرية  تحت مراقبة ضباط الأمن والاستخبارات وذلك في منزلي الخاص، كما أن وسائل إعلام النظام تشن ضدي هجوما شرسا لتشويه صورتي، ولم تتح لي الفرصة للدفاع عن نفسي والرد على كل الاتهامات التي وجهت إلي حتى يعرف الشعب الإيراني من هم الفاسدون الذين يلعبون بمصيره وبمقدراته، ومن هم الذين يسرقون وينهبون ثرواته، ولأكشف كيف تم نقل 22 مليار دولار إلى الإمارات وتركيا".
 
واتهم كروبي في رسالته لروحاني الحرس الثوري الإيراني ووزارة الاستخبارات بتزوير الانتخابات الرئاسية لعام 2009 في إيران وقال: "رشحت نفسي للانتخابات الرئاسية بطلب من المقربين والتيار الإصلاحي، ولكن تدخلت وزارة الاستخبارات وقوات الحرس الثوري الإيراني لتزوير النتائج الحقيقية في تلك الانتخابات، وتم فرض شخص كذاب وماكر على الشعب الإيراني، كما شكلت على يد هذا الرئيس (أحمدي نجاد) أفسد حكومة إيرانية لم تشهدها إيران لا في العهد الملكي ولا الجمهوري الإسلامي".
 
وهاجم كروبي لأول مرة التوسع الإيراني في المنطقة قائلا "الجشع وحب السلطة والطموح التوسعي لبعض الشخصيات جعلهم يتصورون ويعتقدون بأن مصير الشعوب ودول المنطقة أصبحت تقرر بأياديهم، وتم نهب ثروات ومقدرات الشعب الإيراني على أساس هذا الطموح التوسعي، ووصل الأمر بهذه الشخصيات إلى التضحية بدماء أبنائنا من أجل تحقيق مطالبهم التوسعية في المنطقة" في إشارة إلى سقوط القتلى من الحرس الثوري في سوريا والعراق.
 
يذكر أن هذه أول رسالة من الزعيم الإيراني المعتقل، مهدي كروبي، بعد اعتقاله عام 2009، توجه إلى الرئيس روحاني والرأي العام الإيراني.
 
ويقول المراقبون للشأن الإيراني إن قوة هذه الرسالة وهجوم كروبي الشرس على خامنئي، والحرس الثوري، وأحمدي نجاد، يثبت بأن الإصلاحيين لم يتراجعوا عن مطالبهم السياسية في البلاد، ويؤكدون على مواجهة خامنئي والحرس كما جاء في رسالة كروبي لروحاني.
 
واعتبر بعض الإيرانيين رسالة كروبي أنها تبعث بدماء جديدة لأنصاره وللإصلاحيين في عموم إيران، وأن قيادة الإصلاحيين ما زالت قادرة على مواجهة رأس النظام بعدما طلب كروبي محاكمته علنا أمام الشعب الإيراني، ليكون الشعب هو الفيصل بينه وبين المرشد خامنئي.
 
وانتشرت رسالة كروبي بشكل واسع بين وسائل الإعلام الإيرانية، وأصبحت حديث الساعة داخل الأوساط السياسية وغير السياسية في إيران.
 
وتتهم دوائر المحافظين رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام رفسنجاني بأنه المحرض الأساسي لرسالة كروبي، وأن رفسنجاني يقف وراء هجوم كروبي على المرشد والحرس الثوري بعد هجوم المرشد الأخير الذي وصف فيه رفسنجاني بالخائن.

وكان كروبي الذي ترشح للانتخابات الرئاسية عام 2009، وخسر أمام محمود أحمدي نجاد، قاد احتجاجات واسعة ضد ما قال إنها "عمليات تزوير" وقعت ضده وضد المرشح الإصلاحي الآخر مير حسين موسوي، ليتم اعتقالهما عقبها بدعوى "إثارة الفتنة" ووضعهما قيد الإقامة الجبرية.

ويعد كروبي من رجالات المرشد الأول للثورة الإيرانية روح الله الخميني، وكان ضمن اللجنة التي اختارها الخميني لإعادة النظر في الدستور سنة 1989، وترأس البرلمان من 1989 إلى 1992، ثم من 2000 إلى 2004.

ويصنف كروبي ضمن تيار المعتدلين في إيران، وهو أحد أبرز وجوه التيار الإصلاحي المعارض للنظام الإيراني.

الأحد، 13 مارس 2016

المفكر ماهر عبد القادر يعلق على كتاب المدينة والسياسة

صورة غلاف الكتاب
اقدم قراءة للفصل الأول من كتاب الضرورى فى السياسة لابن رشد لصاحبه الأستاذ الدكتور عبد القادر بوعرفة . وهو كتاب متميز رفيع المستوى الحوارى .
عبد القادر بوعرفة وتأملات في كتاب الضروري في السياسة لابن رشد
احتل التفكير السياسي على مر مراحل تاريخه مكان الصدارة نتيجة علاقات الأفراد والجماعات ، وارتباطه من جهة أخري بالسلطة وأنظمة الحكم ، حيث أتّسم التفكير فى كثير من الأحيان بالنزوع اليوتوبي ، فتشكلت عبر الحقب المعرفية كثير من نماذج المدن الفاضلة ، كانت أشهرها جمهورية أفلاطون .
يبين عبد القادر بوعرفة فى البداية أن الضروري : تعني في عٌرف علماء الأصول الشيء اللازم والمهم ، وبالتالي هو بخلاف العرضي ( الفروع ). ومن ثم فإنه من خلال رؤيته السياسية، حاول أن ينطلق إلى آفاق التطبيق العملى ، فوضع الاشكالية التى يركز عليها، والتى تتمثل فى أن الهدف من دراسة كتاب الضروري في السياسة يتمثل فى تحليل أفكار ابن رشد، وتوضيح موقفه في الكثير من قضايا عصره ، ومعرفة كيفية تعامل العقل السياسي الإسلامي مع السياسة خارج الأحكام السلطانية، ولهذه العلة بالذات استخدم منهج التحليل النقدي، وفي كثير من الأحيان فَعَل استخدام المنهج المقارن، لمقارنة أفكار ابن رشد السياسية مع غيره من علماء عصره، ومع الفارابي بالذات فى المشرق ، وابن باجة وابن طفيل فى المغرب .
وفى هذا الصدد يركز بوعرفة على تقديم مدخل نظرى يقوم على تحليل تداعيات السؤال السياسي، وعلاقته بالزمان والمكان ، وتحليل محنة ابن رشد السياسية ، وتبيان الأبعاد والخلفيات الحقيقة التي تقع خارج نطاق النص التاريخي ، كما ويركز أيضا على ظاهرة الترجمة العبرية للنصوص العربية، ومحاولة تبيان أسبابها ونتائجها ، ثم تحليل ظاهرة الأقليات والإبداع في العالم الإسلامي .
لابد من الإشارة إلى أن دراسة بوعرفة جاءت كرد فعل لمقولة المفكر المغربى محمد عابد الجابرى "استقالة العقل العربى" ، الأمر الذى اكتشف من خلاله أن الحكم علي التراث العربى الإسلامى يُبني، في كثير من الأحيان ، على قراءات إيديولوجية ، مثل قراءة الجابرى ، التى تتعامل مع النص التراثى كنص مهجور ، وأنه مجرد ذاكرة تراثية . ولكننا نعرف أن الجابري أقر بعد ذلك ، أن العقل العربي رفض استقالته مع الضروري في السياسة لابن رشد .
بعبارةً أخري فإن الغرض من دراسة بوعرفة يتمثل فى:
1- توضيح قدرة المفكر الإسلامي في العصور السابقة على النفاذ في متون نصوص آخري .
2- محاولة قراءة التراث بعيداً عن التراث ، واستحضاره لكي نفكر من خلاله.
3- إجراء مقاربة بين ما كتب في القديم، وبين ما يكتب اليوم، في مجال السياسة . ودراسة ابن رشد لا تعني دراسة نص مهجور فقد أبعاد زمنه الثلاثة ، بل هذه الدراسة جعلت بوعرفة يدرك أن الإشكالية الجوهرية في تاريخ الفكر السياسي المعاصر تكمن في السؤال : هل يمكن اعتبار كل ممارسة للسلطة سياسة ؟ هذا السؤال يحيل مباشرة إلي القول أن كل ممارسة للسلطة ليست بالضرورة سياسة ، ومنه لا يمكن اعتبار السياسة هي علم السلطة فقط ، لأن ذلك هو قتل لها، ولأن السياسة عصية عن التعريف لارتباطها بحياة الإنسان اليومية ، وعلاقتها المباشرة بالمصالح والمنافع ، حيث تظهر في كل تنظيم إداري أو غير إداري ، بل توجد بالقوة والفعل في حياة الجماعات الصغرى .
ويترتب على هذا السؤال التالي هل تدخل المدينة الرشدية إلي عالم اليوتويبات ؟ لابد لنا لكى نحيط بهذه المسألة من النظر أبتداءً فى المدخل النظرى .
اولاً : المدخل النظري :
ابن رشد : المكان والزمان وتداعيات السؤال السياسي:
لم يخرج الخطاب الفلسفي عن ثلاثة محاور رئيسية " الله ، الإنسان ، والعالم "، حيث كان التفكير الفلسفي متربعا بالميتافيزيقا التي تشكل علاقة فلسفية بين الله كقوة متعالية عن الموجودات، ومصدر كل ما هو موجود بين العالم ،الذي هو الواسطة بين واجب الوجود والموجود الأشرف الذي هو الإنسان ، فالله خالق العالم قبل الإنسان حتى بوجود الإنسان . ولكن الإنسان يبقي دوما محور البحث والدراسة، باعتباره ذاتاً باحثة، وموضوعاً للبحث في اللحظة نفسها ، وتأتي المدينة ( الدولة ) في المرحلة الثانية، لما لها من علاقة وطيدة بحياته الاجتماعية ، ومن هنا كانت المدينة في الفكر السياسي تعكس العلاقة الجدلية بين المرغوب والمرفوض ، وما هو كائن وما ينبغي أن يكون ، لأن العقل السياسي تحكمه القاعدة التالية " التنظير دوما ينطلق من ما ينبغي أن يكون من معكوس ما هو كائن " . وهنا فإن المستقبل والمصير يتجلي حضورهما في ثلاث مستويات :-
1- الخوف من المجهول يؤدي إلي رسم إستراتيجية الغد.
2- رفض الواقع يفرض تنظير الحاضر .
3- اليأس من الحاضر يدفع الفكر إلي الارتماء في أحضان الماضي لرسم معالم السعادة.
يقول بوعرفة، ونحن نتعامل مع النص بين أيدينا ترجمة عبرية يائسة لنص رشدي عريق ، ولموضوع كان يعتبر في زمانهم سر الأسرار ، إذا أننا في دراسة الضروري في السياسة لابن رشد لا نملك سوي المعطي الإيديولوجي لقراءة النص الرشدي ، والقصد من المعني الإيديولوجي ليس بالمعنى المستهجن ، بل القصد به المعني العلمي ، فابن رشد لم يغامر بإنتاج نص سياسي مستقل ، بل دفعه المكان والزمان إلي استحضار أفلاطون ليفكر من خلاله في مشكلات مجتمعه . حيث عايش نفس الوضع الذى نحن فيه ، نقصد حيال التعامل مع التراث المهجور ، وتعاملا مع النص وفق لما يمليه حال عصرهم ، ومن ثم فإن دراسة الضروري في السياسة لابن رشد لا تخلو من الإسقاطات الإيديولوجية ، وكما يقول محمد عابد الجابري كل قراءة للتراث هي قراءة إيديولوجية ، وخاصة إذا لمسنا قلقا في العبارة الرشدية في مجال القول السياسي .
ودراسة الفكر السياسي الرشدي تفرض ضرورة دراسة بيئة الدراسة ، دراسة تحليلية ، لكون ابن رشد جاء في فترة زمانية جدٌ معقدة ، من حيث وضع المكان والزمان ، فالبلاد الأندلسية كانت تشهد تشرذماً سياسياً وانحلالًا اجتماعياً . إضافة إلي طبيعتها الاستبدادية، مما جعل ابن رشد يصف المشهد السياسى لأول مرة في تاريخ الفكر السياسي بوحداني التسلط .
كما طغت على المجتمع السفسطائية الإسلامية بصورة أعلي من الكلامية ، فتفرقت الأمة إلي شيع ، فكثرت الملل والعقائد ، ومما زاد الأمر أزمة وسوءًا سيطرة الفقهاء على الحياة الثقافية والسياسية ، فكانت كل الظروف ضد مشروع ابن رشد المعرفي والسيّاسي .
2- الفلسفة فى الفضاء الأندلسى :
للفكر الفلسفي في بلاد الأندلس حضور متميز ، نتيجة اشتغال الحكام بالنظر الفلسفي وحبهم للمشتغلين بالفلسفة . ولقد وجد ابن رشد في الدولة الموحدية الآراء الأمثل للاشتغال بالفلسفة خاصة الرعيل الأول من حكامها ، حيث حاول ابن رشد أن يؤسس أرضية للتقارب بين النظر الفلسفي والشريعة الإسلامية .
وعلى هذا اخذ ابن رشد علي عاتقه ضرورة تقريب صور الحكمة لأنصاف المتعلمين ( الفقهاء والمتكلمة ) باعتبارهم الحلقة الأضعف معرفيا في بنية الثقافة الإسلامية ، وكانوا من جهة ثانية يمثلون خصماً شرساً للفلسفة . ولا جل تقديم الفلسفة في أفضل صورة كان عليه أن يكون أكثر شفافية في أطروحاته الفكرية ، وأن يعتمد البرهان كمنهج قوي ومثمر ، لان دوره كمثقف يتطلب منه ذلك .
ولذا فإن عملية التأسيس تتم بناءً على:
1-الاستعانة بكتب الأقدمين ضرورة وواجب شرعي .والاستعانة عند ابن رشد تراكمية تخضع للتتابع ، وتتطلب من الناظر فيها الاستعانة بما كتبه الأقدمون ، لا لقصور نظر المتأخرين ، بل لكي يستفيد الناظر من علم الأقدمين بمقدار ما يستطيع أن يٌحيَن معرفة عصره ، خاصة أرسطو ثم أفلاطون هو:-
أولاً: دحض المعرفة السلطانية.
وثانياً : نقد المنطق الفقهي البليد .
وثالثاُ: تعريه المذهب الأشعري .
3- إيديولوجية السلطة ينبغي أن تكون المعرفة :
فطن أبن رشد إلى ضرورة إشراك السلطة في عملية احتضان المعرفة لا إنتاجها ، إذ المعرفة تستمد وجودها من قوة السلطة ، بالتالي فكل مشروع فكري يريد أن يجسد ميدانيا لا بد له من حصانة إيديولوجية .
4- المعرفة الفلسفية تتطلب النظائر :
أن عملية التأسيس للفلسفة في أرضيه فقهية ذات إيديولوجية أشعرية ، يفرض علي ابن رشد أن يضع الحوار الفلسفي ضمن إطار الندية الفكرية ، لان البرهان لا يقبل إلا جنسه، والناس عند ابن رشد ثلاثة أصناف ( الجمهور =الخطابة ، المجادلون = الطبع والعادة ، العلماء =الحكمة والنظر) .
5 التحرر من الإيديولوجية الكلامية
من خلال كتابه مناهج الأدلة ، ندرك أن ابن رشد يرفض علم الكلام كشكل من أشكال المعرفة ، وينتقد المتكلمة من حيث كونها تحولت إلي إيديولوجيا المدن الجاهلة ، فمن خلال ملازمة ابن رشد للبيت الحاكم أدرك خطورة المذهب الأشعري علي آفاق التفكير السياسي ، وخطورة ابن تومرت ؛ لكن ابن رشد لا يستطيع أن ينتقد ابن تومرت، الأب الروحي للموحدين، فاختار أسلوباً جديداً للنقد ، إنه النقد بالتلميح، الذي يتأسس على نقد المرجع الأول لابن تومرت، والمتمثل في شخص الغزالي الأشعري ، رغم أن أغلب الدراسات تحاول تصوير ابن رشد مهاجماً للغزالي .
لقد ربط ابن رشد إيديولوجية الدولة الموحدة بفكر ابن تومرت ، وأن تحطيم الأيديولوجية لا ينجح بالتصريح المباشر ، لذا اختار الغزالي ليحاوره فلسفيا من أجل أن يتقدم هو فلسفياً وسياسياً . إن ابن رشد يعترف أن مقصدهما واحد . وأن ما أراده الغزالي هو نفسه ما يريد لما فيه من المنفعة الشاملة لأهل ملة الإسلام . فالمقصود بالهجمة إذن هو مذهب ابن تومرت .
6-القضاء على سلطة الملكية :
حاول أفلاطون القضاء على سلطة السفسطائيين المعرفية ، التي مكنتهم من الحضور القوي في المجال السياسي فافسدوا المدينة . وحاول ابن رشد من جهته أن يحذو حذو أفلاطون . لأن تقويض الأشعرية كبنية معرفية ، ينتج عنه حتما تقويض سلطة وحداني التسلط ، لقد كان ابن رشد يريد أن تصبح السلطة في يد الفلاسفة لكونهم أدرى الأصناف بمواطن الفساد والكمال ، وأكثر علماء الشرائع والدساتير، وأقدر الناس علي التأويل ، وفهم الغايات من الأحكام؛ وذلك من خلال هدم إيديولوجيات الدولة المتمثلة في الأشعرية ، بهدف انتقاد ابن رشد للمتكلمين إلي انتزاع السلطة العلمية منهم .
السياسة في الأندلس الواقع والأفاق
لقد استفاد ابن رشد من التجربة الباجوية ، فالثورة على ظاهرة الفساد في مدن الأندلس حيث كانت المدن تشهد تناقضات في الخطاب السياسي ، فكانت المعركة مزيجاً من الدوافع العنصرية الجنسية والسياسية الإدارية والثقافة الأدبية والدينية . لقد تعمد بعض المثقفين إدخال الثقافة اليونانية لتقويض ظاهرة التعالي الفارسي والمد الشّعوبي المتنامي ، ووضع الصراع السياسي ضمن إطار الفلسفة والشريعة .
الثورة على نظام ابن تومرت السياسي
إن قراءة تاريخ ابن تومرت تفٌصح عن شخصيته القوية والخطرة للغاية، فقد سطر في كتابه التوحيد بعض الآراء الكلامية تخص النقاط التالية : - 1- الإمامة ، القدرة الآلهة ، الرؤية ، الفعل الإنساني ، العقاب والثواب ، التكليف ، الصفات ، الإيمان ، مرتكب الكبيرة ، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والمهم في الأمر أن أغلب الآراء الكلامية كانت تتجه نحو ما هو سياسي . فقد طبع ابن تومرت تاريخ الدولة الموحدية بطابع الدم والإكراه ، وهذا السلوك يجعل فيلسوفاً كابن رشد يدرك خطورته على مصير المدينة الإسلامية " التصفيات الدموية الرهيبة التي باسم التمييز ، رئاسة أحادية التسلط والذي ، كيف نضع حدا الأحادي التسلط ؟ ، وكيف نؤسس المدينة الفاضلة ؟
أفلاطون معلم التغيير
لم يجد ابن رشد في أفلاطون ضالته السياسية كما وجدها في نظريته المعرفة ، وعليه توجه إلي أفلاطون لأنه اعتقد في شخصه امكانية وضع أولي الخطوات لمشروعه السياسي ( الملك الحق) ، ومحاولة إعادة حكم الشريعة يدل على أنظمة الحكم المنحرفة ، أن القاضي الوفي لمبادئ الشريعة ، لابد أن يبحث في غير الشريعة عن ما يصلح به الفساد السياسي .
الضروري في السياسة الغاية الإبعاد
الضروري في السياسة هو العمل الوحيد الذي يظهر ابن رشد بعيدًا عن أرسطو، ولعل هذا النزوع نحو أفلاطون في المجال السياسي دفع الكثير من الباحثين إلي التساؤل عن سبب هذا التحول النوعي لقد دفع البعض إلي التشكيك في التعليل الرشدي الذي يبرر بعدم حصوله على كتاب السياسة لأرسطو . فحسب رأي عبد الرحمن بدوي بالدليل القاطع أن بن رشد اطلع علي كتاب أرسطو للسياسة لأرسطو ، ولم يقف عند قراءته، بل ذهب إلي تلخيصه ، والسؤال المحير لما عزف ابن رشد عن أرسطو في مجال السياسة ؟ ربما يفسر ذلك جملة من الفرضيات منها :
1- أن كتاب أرسطو لا يحقق التغيير والإصلاح الدستوري أكثر من الطابع النظري ، الذي يقوده بالضرورة إلي توظيف أفلاطون عن طريق شرح بعض فصول محاورته وتجاهل بعضها . من خلال التجربة الرشدية يمكن القول أن إخوان الصفا والفارابي وابن سينا اتجهوا في كتاباتهم السياسية لأفلاطون بدل أرسطو وكانوا يبحثون عن خطاب يحمل معالم الثورة والرفض، كما يجمل معالم الواقع السحري ، ذلك لأن الخطاب السياسي لابد أن يتعين بعداً إيديولوجيا، أي تبرير للواقع ، بل وبالأساس بعداً يوتوبيا ود بالجنة على الأرض .
2- أن النسق الأرسطي لا يحقق لابن رشد أهداف السياسة لكونه خطاب مقنن وخاص بمرحلة معينة ، بيد أن أفلاطون أعطي لأغلب المفكرين الفضاء النقدي والتأملي ، وبالتالي يمكن أن نؤول كيف وظف ابن رشد النص الأفلاطوني ، وذلك من خلال الاستفادة من الإطار النظري للمدينة الفاضلة وممارسة النقد السياسي ، وإبراز الجدة فيه كخطاب برهاني نقدي في السياسة .
3- أما الفريق الثالث فيذهب إلي تبرير الاستعاضة بأفلاطون إلي وجود مقام صحبة إيديولوجية اكتشفها ابن رشد من خلال فلسفة أفلاطون .
ثانياً : الخطاب السياسي الرشدي الخصوصية والمنطلقات
1- القراءة الشريدة : إن ابن رشد مجرد شارح ممتاز لأرسطو ، لم ينتج خطاباً في السياسة.
2- مجال الشك : هل فعلاً أن ابن رشد لخص أو شرح كتاب السياسة لأفلاطون ، من جهة أخري فإن طريقة عرض الكتاب تثبت فعلاً أن التلخيص أو الشرج لابن رشد فيلسوف قرطبة .
3- بنية الكتاب : المتن الأفلاطوني والانتقاه الرشدي : قدم ابن رشد مختصره في ثلاث مقالات .
4- تحدث عن العلم المدني وكيفية تشييد المدينة الفاضلة ، فكتاب الأخلاق لأرسطو يشكل بنية النظرية السياسية الرشدية ، أما كتب أفلاطون فيعطيها الجانب النظري والنقدي.
ومن خلال المقالات الثلاثة نلاحظ ان ابن رشد اختار ما هو ضروري لقصده وغرضه ، وبالتالي لم يتحدث عن معاني العدالة الأفلاطوني لكونه مبنيا علي الأقاويل الجدلية ، ومن جهة أخري أن معنى العدالة عند المسلمين متجذر في النص الشرعي ، أما رفضه للمقال العاشر من المقال فيعود لكونه مجرد أساطير لا تمت بصلة لمعتقدات المسلمين ، ولم يتحدث عن الشعر من المقال التاسع لكون ابن رشد سبق وأن لخص كتاب الشعر لأرسطو ، وطبق الكثير من القواعد الفنية والمعايير الجمالية على الشعر العربي .
منهج عرض الكتاب
الغرض من تلخيص كتاب السياسة لأفلاطون ، والغرض من ذلك شجب الطابع الحواري بوصفه يدعم الأقاويل الجدلية التي يرفضها ابن رشد ، و يحاول في كل تلخيص ، شرح الأقاويل برهانيه ، استطاع ابن رشد أن ينفذ إليها خلال اعتماده المنهج الأرسطي .القول أن نجرد الأقاويل العلمية التي في كتاب السياسة المنسوب لأفلاطون في العلم المدني ، ونحذف الآراء والأقوال الجدلية ، سالكين سبيل الاختصار كما هي عادتنا في ذلك .بعبارة آخري فهو يقدم ما هو ضروري في العلم النظري أو العملي ، مع التركيز على ما يقترب من البرهان والهدف من ذلك هو قطع الطريق علي فئة السفسطائيين في عصره أي المتكلمة الذين يجعلون من الأقاويل الجدلية نقطة انشغالهم الكبرى .
الضروري في السياسة
مراجعات لرؤى الجابري :
إن مصطلح العقل المستقيل الذي وظفه الجابري في كتابه تكوين العقل العربي ، يتمثل فى أن العقل المستقيل هو الذي اختار نهايته، فالجابري يعتقد أن سبب تأخر المسلمين كان من جراء تقديم العقل لاستقالته ، حيث يبرر الجابري ذلك بالرجوع إلي وجود إرثين :
1- اصرر العقل العربي علي تقديم استقالته فبعضها يرجع إلي الموروث القديم ( السابق علي الإسلام ).
2- وبعضها يرجع إلي الموروث الإسلامي الخالص .
لكن الغريب في الآمر أن الجابري بعدما أعلن استقالة العقل العربي نجده في مقدمته التحليلية للضروري في السياسية يتراجع عن رأيه ، واضعاً العنوان الكبير ( ابن رشد يرفض استقالة العقل السياسي ) ، ذلك أن اغلب الأحكام التي نطلقها علي الموروث الإسلامي غير متطابقة مع مقدماتها ، رغم أن ترثنا الإسلامي أغلبه اتلف ، أو هو موجود بلغات أجنبية . فأما أن نطلع على ترثنا إطلاعاً واسعاً ، وأما أن نكف تلك القراءات الساذجة .
3-الضرورة في السياسة ومعالم النكبة الرشدية
إن نكبة ابن رشد لابد أن تكون ذات دلالة سياسية ، لان التاريخ اثبت أن النكبات التي حلت بالعلماء أغلبها كان وراءه دافع سياسي ، وموقف إيديولوجي ، بما يفيد أن سبب النكبة هو تحالف ابن رشد مع أبي حيان واختصاصه ابن رشد بالأمير ،وهو الذي كان وراء النكبة، لان المنصور مرض بمراكش ، وظن انه ميت لا محالة فقام أبو يحي يدعو بالخلافة لنفسه في قرطبة وغيرها ، وبايعه شيوخ بعض القبائل، لكن المنصور شفي ، فما كان منه إلا أن قتل أخيه، والكثير من الأنصار ، واحرق كتب ابن رشد، وشهر به تشهيراً، وكتب وثيقة ظاهرها الآمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وباطنها التعرض الصريح لابن رشد. النكبة الأساسية كان قد سمها بالنصوص القاتلة لما فيها من التصريح بفساد الحكم، ونعت المنصور بالطاغية، وآحادي التسلط، وتلك النصوص تفوق العشرة ، وهذا هو سبب عزوف ابن رشد عن التنظير السياسي ، إنما كان يعود إلي خشيته من السلطان .
الضروري : بين أفاق الإبداع وحدود الشرح :
هناك ثلاث حقبات معرفية متتالية مرت بالمسلمين ( النقل ، التحول ، الإبداع ) ، والدليل أن الشرح الرشدي ليس من باب النقل ، وإنما تتبع المنهج التالي :
1- حذف الأساطير اليونانية والشواهد الإغريقية من متنه لكونها لا تتلاءم مع ثقافتة وخصوصيته كمسلم . وحذف الماقل العاشر الذي يتحدث عن أسطورة آير ER .
2- تضمين المتن بالشواهد الإسلامية من آيات وأحاديث ، ومن كلام العرب وأشعارهم ، وذكر الأحداث الكبرى في تاريخ الإسلام ، ففي الضروري تنبه ابن رشد إلي ضرورة تبيئة النص الوافد مهما بلغ من الأهمية العلمية، لأنه إذا لم تتم تبييته يظل نصاً غريباً مهجورا ، حيث يمتاز ابن رشد بمثالية خاصة في أخلاقه السياسية، وبواقعية دقيقة في تحليله الفلسفي للمشاكل مجتمعه، والجابري يقلل من شان كتاب الضروري في السياسة. ابن رشد .الضروري الوجه الآخر لابن رشد السياسي :
حاول ابن رشد أن يبدءا بداية المجتهد ونهاية المقتصد ،لأن الكتاب له دلالة دينية كبيرة ، كما يحاول من خلاله تأسيس لمذهب السلطة المقبلة ، وليجعله في المستقبل دستور المدينة الفاضلة ويقوض من خلاله مذهب ابن تومرت ، وفيه بلورة رؤيته السياسية، ذلك لأن فكرة المدينة الفاضلة لن تتحقق إلا من خلال الفلسفة ، فكان لابد من وجود مصداقية للفلسفة ووجوب شرعي ، يصدق القول كذلك علي مناهج الأدلة، لأن الإصلاح السياسي يكمن في هدم البنية المعرفية للعقائد والملل المنتشرة في الإسلام ، والتي مزقت الدين، وفرقت الأمة ، كذلك أن ابن رشد السياسي لم يكن يريد الغوص في الرؤية السياسية؛ بل كان هدفه هو المكاشفة السياسية فأفلاطون يباشر النقد السياسي، ويحاول إصلاح النظام السياسي الأثيني ، أما ابن رشد فقد حاول توظيف النقد لواقع أمته ، مما يدلنا علي أن ابن رشد كان يمتلك خبرة واسعة عن السياسة ، والقدرة الفائقة في فهم عمق المجتمع الإسلامي، ومن ثم سبر اغواره .
ثالثاً : التراث الرشيدي والترجمات العبرية :
شكل اليهود قبل الإسلام العقل والنظر ، العلم والبرهان ، في حين شكل العرب آنذاك القول والبيان ، ولما ظهر الإسلام وتشكل العقل الإسلامي ، تراجع المد الثقافي اليهودي ، ومع الانفتاح الإسلامي علي الثقافات العالمية ظهر اليهود كمترجمين وعلماء تفوقوا في تخصصات مختلفة ،كذلك في فهم الفلسفة اليونانية والترجمة والإبداع الفلسفي ، وتقديمه في شكل تلخيص وشروحات ورسائل ، الأمر الذى جعل اليهود يتحولوا من طور الأساتذة إلي طور التلمذة ، فطفقوا يجمعون التراث الإسلامي، خاصة بعد أن عمدت بعض السلطات إلي حرق وإتلاف تراث كبار الفلاسفة المتصوفة في الإسلام . في تلك الأثناء نشطت حركة الترجمة للانتلجنسيا ، وخاصة في مجال الترجمة والإبداع الفلسفي ، ولم تكن غاية الترجمة اليهودية تمجيد العلم العربي ، وإنما الغرض منها بزوغ اليهودية في المجالات الآتية:
1- التفرد في الفنون والعلوم والتعمق في الثقافات المسحورة بفكرة شعب الإله المختار المتفرد بالحكمة والنبوة .
2- تخليص الفلسفة من رواسب المسيحية ومحاولة ربط الفلسفة اليهودية بالفلسفة اليونانية .
3- السيطرة على الفكر الغربي من خلال إرغامه على الاعتماد علي الخرف والنص العبري.
ابن رشد والجاليات العبرية : إعجاب أم توظيف :
لا احد ينكر دور الجالية اليهودية في حفظ التراث من الضياع ، لكن الترجمة لم تكن بريئة ، ولقد كان القصد من ورائها أهداف قومية وسياسية، مما يستوجب عرض مجموعة من الفرضيات :
1-هل لكونه عرف بالشارح الأكبر لأرسطو ، ومن ثم فإن الاطلاع علي الفكر اليوناني وخاصة الأرسطي لابد أن يمر عبر الفكر الرشدي ، لان ابن رشد عند الغرب مجرد قارئ ذكي لأرسطو.
2-هل لكونه فيلسوفا مضطهدا وهذه الفرضية تتطلب تحليل نفسي للشخصية اليهودية ، التي ابتليت بالمحن والنكبات رغم تعرض العديد من الفلاسفة للاضطهاد كابن باجة والسر قسطي ، وابن حزم الاشبيلي ، وأبو بكر ابن زهر تحت حكم الموحدين .
3- هل لكونه يملك منهجاً منسقاً يتسم بالبساطة والوضوح والقدرة علي الإقناع .
4- هل لكونه فيلسوف التنوير وهذا ما دفع اليهود إلي ترجمة أعماله ، باعتبار كل عمل يقدمه يحمل معالم الرفض للواقع .
5- هل لكون كبار اليهود أوصوا بترجمة اعماله خصوصا وصايا موسي بن ميمون ، والذي اعتبر أعمال ابن رشد تكسب صاحبها عزة وذخراً وان ابن رشد علم ومعلم .
6- هل كانت الترجمات من أجل أرضاء الملوك وان اعمال ابن رشد يمكن أن تعطي القوة لأهل الملة اليهود لجلالة العلوم التي يدرسها ويشرحها .
التلاقي الثقافي ، والتقارب مع الثقافات ووضع المسوغات التي تجعل الثقافات تتلاقح وتراوح ضمن مكان واحد .
7- عامل المحنة : - حيث وجد اليهود انهم بلا تراث تاريخي ، فحاولوا من خلال الترجمة أن يثبتوا للمسيحيين بالذات أن العنصر اليهودى محب للحكمة واللوغوس .
8- توظيف ابن رشد والغاية من ذلك هو هدم أسس التفكير اليهودي ، وإعادة بناء أسس تفكير يهودي يوناني .
9- هواجس الأقلية : أن الأقليات العرقية أو الفكرية لها دو فعال في صنع الاحداث التاريخية والأقلية نتيجة شعورها أنها أقلية تجنح إلي السيطرة علي كل ما هو ثقافي سياسي ، وأن تكون مركزاَ للقرار .
وسوف نتبع هذا فى الأيام القليلة القادمة باستكمال القراءة

الأحد، 28 فبراير 2016

أمريكا والأسد

أكبر مستفيد من بقاء أل الأسد إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، فتمديد المهل وإقرار الهدن وتمييع القضية هو محاولة كسب تنازلات هامة من الأسد لصالح إسرائيل بالدرجة الأولى، أمريكا تؤمن بأسطورة جانيس الإله ذو الوجهين، وهي تمارس الغواية السياسية، وأنا اعتقد شخصيا أن أمريكا ستطرح ذات يوم تسوية تسمح لأسد بالبقاء في السلطة مع منح المعارضة بعض الكراسي في حكومة توافقية ... إسرائيل تخشى التغيير في دول الطوق .... إسرائيل تدرك جيدا مدى ضعف الجيش السوري .... والذي تأكد لنا من خلال الأحداث ... لا أعلم عن أي ممانعة ومقاومة يتحدث النظام السوري ... وهو غير قادر أصلا على رد أي اختراق للطيران الصهيوني ... امريكا تريد من خلال القول تطمين دول الخليج والحفاظ على مكاسبها هناك ... لكن بين مصلحة الخليج ومصلحة إسرائل سيكون قرار عم سام كالأتي : لهم القول ولكم يا أحفاد شمشون الفعل. لم يبق أمام الشعب السوري الحر إلا نفسه .. فعليه أن يعيد التفكير من جديد في طرق التعامل مع السلطة النصيرية .. لا بد أن تنتقل المعركة إلى دمشق .. إن ثورة الأطراف مفيدة لكنها غير حاسمة ..المعركة الفاصلة لا بد أن تكون في  قلب دمشق.

الثلاثاء، 2 فبراير 2016

دسترة الثقافة

يتحدثون عن دسترتها

أثارت المادة 38 مكرر من نص المشروع التمهيدي للدستور الجديد، بعض الجدل والنقاشات والتساؤلات. هذه المادة كما جاءت في ديباجة نص الدستور تقول: «الحق في الثقافة مضمون للمواطن، تحمي الدولة التراث الثقافي الوطني المادي وغير المادي وتعمل على الحفاظ عليه». وقد قُوبلت بقراءات متعددة ومختلفة من طرف الكُتاب والأدباء وكذا الناشطين والفاعلين في الحقل الثقافي والإعلامي. قراءات تباينت واختلفت في توجهاتها وفي زاوية رؤيتها لدسترة الثقافة ولفحوى نص المادة التي جاءت لتكفل الحق في الثقافة للمواطن الجزائري. فكيف يكون هذا الحق؟، وكيف يتم تجسيده وتضمينه في الثقافة ومشروعها الحضاري؟. 
وهل إدراج الثقافة في الدستور يعد خطوة مهمة وضرورية لصالح الثقافة والمشروع الثقافي والإستراتيجية الثقافية ككل، وأنها في المقابل ستفتح أفاقا أوسع وأرحب وأكثر على المشهد الثقافي الوطني، راهنًا ومستقبلا، أم هي فقط خطوة بِنيّات طيبة للثقافة وفي وجه المشهد الثقافي الجزائري؟. 
حول هذا الشأن «مشروع دسترة الثقافة»، كان هذا الملف في عدد اليوم من «كراس الثقافة»، مع مجموعة من الكُتاب والأدباء وبعض الناشطين في حقل الإعلام والثقافة.
إستطلاع/ نوّارة لحـــرش
عبد القادر رابحي/ شاعر و ناقد
يجب تحديد مفهوم الثقافة  الذي يصبح حقا للمواطن يضمنه الدستور
أنْ يلتزم من يصوغون مشاريع المواثيق الرسمية للدولة الجزائرية بما يرونه ضروريا لحماية البعد الثقافي للأمة من خلال محاولتهم ترسيخ استراتيجيات عمل ثقافي يضمنه الدستور، فهذا أمر يرجع أصلا إلى وجهة النظر التي يحملها هؤلاء عن الثقافة وعن التوجهات التي يريدون من المجتمع أن يسير عليها. وقد يرى بعضهم في ذلك تقدما كبيرا في مجال الاعتراف بحق المواطن في الثقافة وفي الفعل الثقافي بوصفهما مكونا ضروريا لمواطنة مهددة بما تحمله الألفية الثالثة من تحديات أصبحت تحمل درجة كبيرة من الخطورة على كينونة المجتمعات الهشة والقابلة للاندثار لمجرد هزات لم تعرف كيف تُحصن بنياتها بمناعات ثقافية وحضارية لمواجهتها.غير أن وجه الخلاف قد يكون في تحديد مفهوم الثقافة الذي يصبح حقا للمواطن يضمنه الدستور، لأن مفهوم الثقافة واسع ولزج وبإمكانه أن يؤدي إلى إنزلاقات مفاهيمية تمس بأساسات أكثر عمقا وخطورة على المجتمع كمشكل الهوية والتاريخ واللغة. ولعله لذلك، فإن مفهوم الثقافة هو من اللباقة والرهافة والسعة بحيث يمكن لأي شخص أن يصب فيه ما يريد، ولأي صياغة رسمية ممأسسة أن تغلق عليه في علبة قانونية. وهنا، قد يظهر ما يشبه المأزق الذي بإمكانه أن يتولّد عند وضع هذا النص موضع التنفيذ خاصة وأن المرجعيات السابقة التي انبنت عليها مشاريع الدولة الوطنية لم تكن واضحة تمام الوضوح في تحديد الركائز التي تؤسس لرؤية ثقافية متفق عليها من طرف المجتمع ويمكن دسترتها عندئذ.وربما سيكون في هذه الحالة لكل مسئول رؤيته الخاصة للثقافة التي هي حق للمواطن؟ لكن هل كان يجب تحديد مفهوم الثقافة حتى تتوضح الصورة عند تطبيقها على أرض الواقع؟لست خبيرا في مسألة قانونية بهذه الحساسية، إذ يتعلق الأمر بصياغة وثيقة مؤسِّسة لرؤية أمة ومُوجِّهة لمساراتها الوجودية المستقبلية، غير أنني أعتقد أنه ليس من مهمة الدساتير، بوصفها مرجعية سياسية وقانونية أولى لدولة ما، تحديد مفهوم للثقافة من خلال دسترتها. ذلك أن الدساتير تهتم، حسب علمي،  بالخطوط العريضة والتوجهات الكبرى التي تحمي وجود أمة من الأمم بالنظر إلى تواجدها المكاني والزمني. أما التفاصيل الأخرى فليس من شأن وثيقة بهذه الأهمية أن تلح على تواجدها ضمن الصياغة النهائية لأن ذلك أمر تختص به المواثيق الفرعية الشارحة للتوجهات الكبرى التي يحملها الدستور. ذلك أن الاعتقاد العام هو أن هذه المواثيق الكبرى هي أصلا وليدة رؤية ثقافية بمفهومها الحضاري أنتجتها التراكمات التاريخية والحضارية لأمة من الأمم وحاولت أن تصوغ رؤيتها السياسية والاقتصادية من خلال أفكارها الأساسية وليس العكس. أي أن الوثيقة القانونية أو الدستورية هي نتيجة جهد ثقافي وحضاري لأمة من الأمم ولا يمكن أن تكون هي المحدّدة لمفهوم الثقافة ولطرائق استعمالها من طرف المواطن. وربما احتاجت مجتمعاتنا التي هي عرضة لهب كل ريح نظرا لهشاشة بنياتها الثقافية العميقة إلى تثقيف دساتيرها أكثر من دسترة ثقافتها.
بوحنية قوي/ باحث و عميد كلية الحقوق و العلوم السياسية  بجامعة ورقلة
اعتراف المُشرِّع للحق في الثقافة يعزز  من القيم الثقافية
لا شك أن «دسترة الثقافة» عملية قانونية ودستورية مهمة فنحن في الجزائر نتحدث عن تنوع وثراء في اللهجات والعادات والتراث العالمي اللامادي. والمحافظة على هذا الموروث يتطلب إجراءات قانونية ودستورية مهمة، وأيضا تشكيل هيئات نظامية يُعهد لها بصيانة هذا التراث اللامادي الإنساني حتى لا يندثر، ولا شك أن اعتراف المُشرِّع للحق في الثقافة يعزز من القيم الثقافية المُشكِل للنسيج الثقافي والأدبي والعلمي والسياحي والتراثي الثري للجزائر.إن دسترة الحق في الثقافة عملية هامة حقا، ولكن الأهم إصدار تنظيمات ونصوص تسمح بإدارة الشأن الثقافي بشكل يضمن حيوية أداء وزارة الثقافة والمديرات الخاصة بالثقافة وأيضا الهياكل التنظيمية المختلفة التي يُعهد إليها برعاية الشأن الثقافي الجزائري الثري والمتعدد.
عمار عباس/ باحث مختص في القانون الدستوري و النظم السياسية المقارنة
إقرار و تضمين الحق في الثقافة و دسترتها يخدم التنمية المستدامة 
نصَّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 على حق الإنسان في الثقافة مؤكدا أن لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير والتعلم، وأن يشارك اشتراكا حراً في حياة المجتمع الثقافية وفي الاستمتاع بالفنون والمساهمة في التقدم العلمي والاستفادة من نتائجه، وحماية المصالح الأدبية والمادية المترتبة على إنتاجه العلمي أو الأدبي أو الفني (المواد 19 و26 و27 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948).
ومن جهته شدد العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية لسنة 1966، على أن الدول الأطراف في هذا العهد تقر حق كل فرد في المشاركة في الحياة الثقافية، والتمتع بفوائد التقدم العلمي وبتطبيقاته، والاستفادة من حماية المصالح المعنوية والمادية الناجمة عن أي أثر علمي أو فني أو أدبي من صنعه (المادة 15 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية لسنة 1966). وبالنظر إلى أهمية هذا الحق ونتيجة لالتزامات الدول بالمعاهدات والمواثيق الدولية، اتجهت إلى تأطيره، وضمان الحماية الكفيلة له في دساتيرها وتشريعاتها الداخلية.
وقد جاءت دسترة الحق في الثقافة في الجزائر مع الحقوق المجاورة له وعلى رأسها حرية الصحافة والحرية الأكاديمية، إضافة إلى الاعتراف للمواطن بحقوق التعبير والتأليف، وضمان حرية الابتكار الفكري والفني والعلمي، وعدم جواز حجز أي مطبوع أو تسجيل أو أية وسيلة أخرى من وسائل التبليغ والإعلام إلا بمقتضى أمر قضائي (المادة 38 من دستور1996)، فقد تضمن المشروع التمهيدي للتعديل الدستوري في الجزائر لسنة 2016 النص على ضمان حرية الصحافة المكتوبة والسمعية البصرية وعلى الشبكات الإعلامية والتي لا يمكن أن تُقيّد بأي شكل من أشكال الرقابة القبلية شريطة عدم استغلال هذه الحرية للمساس بكرامة الغير وحرياتهم وحقوقهم.
كما نص على أن ضمان الحق في نشر المعلومات والأفكار والصور والآراء بكل حرية مع احترام ثوابت الأمة وقيمها الدينية والأخلاقية والثقافية، عِلمًا أن جنحة الصحافة أصبحت لا تخضع لعقوبة سالبة للحرية، زيادة على ذلك ضمان الحصول على المعلومات والوثائق والإحصائيات ونقلها للمواطن شريطة أن لا تمس ممارسة هذا الحق بحياة الغير الخاصة وبحقوقهم وبالمصالح المشروعة للمقاولات وبمقتضيات الأمن الوطني، غير أن الجديد الذي جاء به التعديل الدستوري في مجال الثقافة والبحث العلمي هو إقراره بضمان الحق في الثقافة (المادة 38 مكرر من المشروع التمهيدي للتعديل الدستوري في الجزائر لسنة 2016.) والحريات الأكاديمية وحرية البحث العلمي مع إلزام الدولة بالعمل على ترقيته وتثمينه، خدمة للتنمية المستدامة للأمة، وعلى حماية التراث الثقافي الوطني المادي وغير المادي، مع العمل على الحفاظ عليه (المواد41 مكرر2 و41 مكرر 3 و38 من المشروع التمهيدي للتعديل الدستوري).
ومن الآثار المترتبة على دسترة الحق في الثقافة أن تضمين الحق في الثقافة والحقوق المجاورة له في الدستور سيكون سندا لكل متقاضي يرى بأن تشريعا ما مس بحقه في الثقافة للطعن ولو بطريق غير مباشر أمام القضاء الدستوري في دستوريته، كما يمكن  الهيئة المكلفة بالرقابة الدستورية من مباشرة الرقابة حامية لهذا الحق الدستوري، خاصة مع تمكين المواطنين بحق الدفع بعدم دستورية التشريعات، إذ يعتبر القضاء عموما والقضاء الدستوري على الخصوص من بين أهم الآليات لحماية الحقوق الأساسية المنصوص عليها في الدستور، ومن بينها الحق في الثقافة.
خليفة بن قارة/ كاتب و إعلامي
دسترتها لو تصدق الإرادات تُمثِّل أرضية انطلاق في بناء خارطة طريق ثقافية للأجيال القادمة
لا بد من الإشارة أولا، إلى أن الثقافة في مشروع الدستور الجديد، قد تمت في غياب جُلّ المثقفين، على اختلاف تنوّعاتهم ومدارسهم واتجاهاتهم، وقد تُرِك أمرُها إلى أدعياء الثقافة، ممّن يسبحون في بِرَك السياسة، يفعلون بها ما يحلو لهم، وهو ما جعلها تكون أولى ضحايا التغييرات. إن الاكتفاء بمادة من خمس عشْرة كلمة أو أقل، تؤسِّس لثقافة شعبٍ مُوزَّعٍ على وطنٍ بحجم قارة، هو نوع من الاستهتار بالثقافة وأهلها، وقد يكون وفاء من مُعِدّي هذا المشروع، لصفة الاستخفاف بالثقافة. ولعل الواقع الثقافي المُحْزِن الذي نعيش بؤسه، خير دليل على هذه الحالة الشاذة، ولكنني كنت آمل أن تَبين هذه المادة عن إستراتيجية وطنية للثقافة، تكون بمثابة الطريق الإجباري الذي يسلكه كل من يتولى تسيير الدولة. 
الجزائر من الدول الأكثر غِنًى بالقوانين في كل المجالات إلى حدِّ التخمة، ولكنها من البلدان الأكثر فقْرًا في تطبيق القوانين، مما جعلها عرضة لكل الآفات التي تحدّ من إرادة التطوّر، وسقطت في مستنقعات الفوضى والتسيّب التي ضربت كل القطاعات، ومنه قطاع الثقافة الذي نحتته السياسات العرجاء، التي عالجت مرافقه -في غياب أصحابه- معالجة هي أقرب إلى الهدم منه إلى البناء أو إعادة البناء، حتى كاد يُصبح أطلالا هجرها أهلها إلى ثقافات أخرى، مما يُعرِّض الأمة إلى مخاطر التفكّك، الذي بدأت مظاهره في الظهور في شكل عصبيات لسانية ودينية وحتى أخلاقية، مما سيكون له تأثيره السلبي على جغرافية الشعب.إنْ كنا نفرح لوجود هذه المادة على هزالها، باعتبارها ضمانة قانونية لحقِّ المواطن في الثقافة، فإننا نفعل ذلك لمجرّد الفرح أو التفاؤل، لكونها تُمثِّل أرضية قد تنطلق الأعمال منها حينما تصدق الإرادات، في بناء خارطة طريق ثقافية للأجيال القادمة، تفرض على مختلف مؤسسات الدولة، إحقاق المواطن حقه في الثقافة، بكل وسائل التثقيف والمثاقفة، وتحفظ له تراثه المادي وغير المادي، من عبث تجّار السياسة الذين لا جنسية ثقافية لهم، إلا ما يحقِّق لهم مصالحهم الشخصية والفئوية، من أجل حماية الهُويّة الجزائرية، بكل أبعادها التاريخية والحضارية .
عمار كساب/ ناشط ثقافي و مؤســـس مجموعة العـمـل حـول السياسة الثقافية
دسترة الثقافة مكسب جديد 
نظريا، تُعتبر «دسترة الثقافة» مكسب جديد للشعب الجزائري بصورة عامة وللناشطين في المجال الثقافي بصورة خاصة. فبدسترة «الثقافة» تصبح هذه الأخيرة (حق) من الحقوق المبدئية للمواطن الجزائري، الذي يمكنه أن يُطالب بها كحق يكفله الدستور إذا لم توفر له الدولة المنشآت الثقافية والموارد المالية والبشرية المناسبة حتى يتسنى له التمتع بحقه في الثقافة. وحتى يتحقق هذا يجب الإبقاء على ميزانية معتبرة تخصصها الدولة للثقافة كي يتسنى لأكبر عدد ممكن من المواطنين الوصول للثقافة عن طريق البرامج الثقافية والفنية وكذلك التربية الفنية على مستوى المؤسسات التعليمية، الخ. ولكن الصيغة التي اُقترحت بها دسترة «الثقافة» تطرح عدة إشكاليات، من بينها إشكالية عدم تحديد آليات الحق في الثقافة للمواطن وكيفية وصوله إلى الثقافة، لأن الحق في الثقافة كما هو معروف دوليا مبني على حقين، وهما: حق الاستمتاع بالمواد الثقافية والفنون، وحق التعبير الثقافي، أي ممارسة الفنون. لكن جاءت المادة وكأنها تعطي الحق للمواطن في استهلاك الثقافة وفقط وليس في خلق الثقافة، وتجاهلت بهذا حقه في الإبداع وممارسة الفعل الثقافي، حيث إنه من المهم إضافة «حق الإبداع والتعبير الثقافي» بصورة واضحة. أما الإشكالية الثانية التي تطرحها الصيغة الحالية لدسترة «الثقافة» هو عدم تعريف الثقافة، فعلى أي ثقافة تحدث مشروع الدستور الجديد؟ كان يجب أن نعطي تعريفا للثقافة الجزائرية، وذلك بالأخذ بعين الاعتبار كل أبعاد الهوية الوطنية حتى يتم تفادي أي تأويل خاطئ. وللتذكير فإن مفهوم الثقافة يختلف من دولة إلى أخرى حسب التاريخ والدين والتقاليد.أمّا عمليًا، فتطبيق هذه المادة بإتاحة «حق الثقافة» لكل المواطنين الجزائريين سيكون بغاية الصعوبة، خاصة وأن الإستراتيجية الثقافية منذ عدة سنوات تعتمد على مركزية الفعل الثقافي في العاصمة وبعض المدن الكبيرة، فكيف ستصل «الثقافة» ريفنا وصحرائنا الكبيرين؟. زد على ذلك انخفاض ميزانية الثقافة بـــــ63 % سنة 2016، وهذا مؤشر لا يُشجع على تحقيق هدف أو أهداف إيصال الثقافة إلى كل المواطنين الجزائريين. ولذلك يجب البدء وبسرعة في العمل على «لا مركزة الفعل الثقافي» وإعطاء الجمعيات الثقافية والفنية المحلية إمكانيات أكبر لأنها الوحيدة القادرة على إيصال «الثقافة» إلى المناطق النائية والمعزولة. إذا نعم، «دسترة الثقافة» مكسب جديد ولكنه مكسب هش لا يمكن تطبيقه إذا لم تكن هناك سياسات عمومية قوية في مجال الثقافة.
عبد القادر بوعرفة/ أستاذ بجامعة وهران  قسم الفلسفة و مدير مختبر الأبعاد القيمية للتحولات بالجزائر
ما قدمته المادة 38 مكرر مهم من حيث البعد السياسي لترسيم الثقافة الجزائرية و الدفاع عنها
نعتقد بوجوب «دسترة الثقافة» باعتبارها بلازما الهُوية الجزائرية، وهي الصنوان الذي يُعطي الخصوصية والتميز للشعب الجزائري، فالعولمة لم تستطع أن تُعولم العالم نظرا لطبيعة الثقافة وعدم قابليتها للاحتواء. ما قدمته المادة 38 (مكرر) مهم جدا من حيث البعد السياسي لترسيم الثقافة الجزائرية والدفاع عنها، لكننا نعتقد أنها لم تمنح الثقافة بعدها الحقيقي والعميق، ولم تؤسس لها حضاريا، ولم تُقَعِد لها مُؤسساتيا، ذلك أن مشكلة الثقافة تبدأ من مفهوم الثقافة أصلا، حيث لازال المُشرِّع الجزائري ينظر إلى الثقافة على أنها تراث مادي في أغلبه، وأنها مجرد فلكلور ورقص وغناء وطبع كِتاب...، بينما الثقافة يجب أن ننظر إليها على أنها مشروع حضاري وغد ومستقبل وليست (ماضي) موغل في التاريخ.يجب أن نُخرِج الثقافة من الديماغوجية، فقولنا: «الحق في الثقافة مكفول لكل مواطن» هو ذاته شعار لا أساس له من الصحة، لا يختلف عن كثير من العبارات التي سأم الناس سماعها كالحق في العلاج، كما يجب ربط المعطى الثقافي بالفعل الاستراتيجي من خلال بناء الذات الحضارية، فالذات الحضارية هي التي تحافظ على الأمة كماضي وغد، عندما نضع الثقافة في رفوف العتاقة تصبح مجرد كيان تراثي قاتل ومضل، فالثقافة يجب أن تخرج من الفعل السياسوي إلى الفعل الجماهيري، وعلى مر تاريخ الجزائر المستقلة لم تُقدم الثقافة كهوية ذات فاعلية حضارية بل قُدِمت على أنها مجرد لعبة مهرجانية.ما أغفلته المادة (38 مكرر) أن الثقافة ليست مادة فحسب بل روحا تسري في شعور الأمة، ويمكن لذلك الشعور عندما نوجهه تربويا وسياسيا أن يصنع المعجزات كما فعل في اليابان وبلدان النمور المتحفزة. الجدير بالذكر أن وزير الثقافة أوضح أن المادة ركزت على توجه جديد للثقافة يتمثل فيما أسماه بالثقافة الاستثمارية: «أصبح للمواطن الحق أن يشترط ثقافة استثمارية جادة تراعي حاجياته وتنسجم مع هويته وتحقق مطلبه في ثقافة مفيدة اجتماعيا وفكريا وترفيهيا». لكن الثقافة الاستثمارية ستكون أَمة المال والثراء وليس أداة لبناء الشخصية الجزائرية أو الدخول في الجيوستراتجية، فكما فعل البرجوازيون بالثروة المعدنية والنباتية سيفعلون بالثروة الثقافية. وهذا دليل على سياسوية المادة. أنا أعتقد أن المادة ذاتها تعكس رؤيتنا للثقافة، فما دامت الثقافة مجرد مردود فستظل مجرد فلكلور ومهرجانات وغيرها. إن الثقافة شعور بالوجود المادي واللامادي ووعي بالغد وأمل بالمستقبل، الثقافة ليست زهوا ولا ربحا بل هي استثمار حضاري كما يقول مالك بن نبي في كتابه «مشكلة الثقافة».