السبت، 16 مايو 2015

المٌطهرون والمُتَطهرون

   وقفات مع مصطلحات القرآن
المٌطهرون والمُتَطهرون

  يؤول كثير من الناس لفظة " المطهرون" تأويلا مذهبيا، إيديولوجيا، وأحيانا أخرى تأويلا فقهيا، وتارة أخرة تأويلا صوفيا .... بيد أن السياق الذي نزلت فيه ضمن المتن القرآني بيّن وصريح، بل قطعي الدلالة، قال الله تبارك وتعالى: {إنه لقرآن كريم * في كتاب مكنون * لا يمسه إلا المطهرون{، المقصود ب}المطهّرون{ هم الملائكة ..وأما البشر فإنهم لا يُطلق عليهم" مطهّرون " لأنهم يتطهرون لقوله الله عز وجل في شأن البشر:﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾، وقال في أهل قباء:﴿ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ وقال في شأن النساء: {فإذا تطهّرن}.
  أجمع المفسرون على أن الناس " يتطهّرون" ، ولا يُوصفون بأنهم " مُطهّرون "قال ابن عباس: }لا يمسه إلا المطهرون{ هو الكتاب الذي في السماء، وكان يقصد اللوح المحفوظ. وقال مرة ثانية: " يعني الملائكة. "

وكذا ورد عن ابن مسعود حيث قال: هو الذِّكر الذي في السماء لا يمسُّه إلا الملائكة " قال قتادة:{لا يمسه إلا المطهرون} أي: لا يمسُّه عند الله إلا المطهرون، فأما في الدنيا فإنه يمسُّها لمجوسي النجس، والمنافق الرجس، وقال: وهي في قراءة ابن مسعود: ما يمسُّه إلا المطهرون " وقال أبو العالية: {لا يمسه إلا المطهرون} والقصد ليس أنتم ، أنتم أصحاب الذنوب. " قال الإمام مالك: " أحسن ما سمعت في هذه الآية: {لا يمسه إلا المطهرون} إنما هي بمنزلة هذه الآية التي في عبس وتولى قول الله تبارك وتعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ، فَمَن شَاء ذَكَرَهُ، فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ، مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ، بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرَامٍ بَرَرَةٍ، يعني أن المقصود به الصحف التي بأيدي الملائكة.

الأربعاء، 6 مايو 2015

البشير الإبراهيمي ثائرا: هلموا إلى الكفاح المسلح

بسم الله الرحمان الرحيم
أيها المسلمون الجزائريون
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
حياكم الله وأحياكم، وأحيا بكم الجزائر، وجعل منكم نورا يمشي من بين يديها ومن خلفها. هذا هو الصوت الذي يسمع الآذان الصم ، وهذا هو الدواء الذي يفتح الأعين المغمضة، وهذه هي اللغة التي تنفذ معانيها إلى الأذهان البليدة، وهذا هو المنطلق الذي يقوم القلوب الغلف، وهذا هو الشعاع الذي يخترق الحجب والأوهام.
كان العالم يسمع ببلايا الإستعمار الفرنسي لدياركم ، فيعجب كيف لم تثوروا، وكان يسمع أنينكم وتوجعكم منه ، فيعجب كيف تؤثرون هذا الموت البطيئ على الموت العاجل المريح ، وكانت فرنسا تسوق شبابكم إلى المجازر البشرية في الحروب الإستعمارية ، فتموت عشرات الآلاف منكم في غير شرف ولا محمدة ، بل في سبيل فرنسا، وتوسيع ممالكها، وحماية ديارها، ولو أن تلك العشرات من الآلاف من أبنائنا ماتوا في سبيل الجزائر، لماتوا شهداء، وكنتم بهم سعداء.
أيها الإخوة الجزائريون
أذكروا غدر الاستعمار ومماطلته.
احتلت فرنسا وطنكم منذ قرن وربع قرن ، وشهد لكم التاريخ ، بأنكم قاومتموها مقاومة الأبطال، وثرتم عليها مجتمعين ومتفرقين نصف هذه المد ة. فما رعت في حربها لكم دينا ولا عهدا، ولا قانونا ولا إنسانية ، بل ارتكبت كل أساليب الوحشية من تقتيل النساء والأطفال والمرضى، وتحريق القبائل كاملة ، بديارها وحيواناتها وأقواتها .
ثم حاربتم معها وفي صفها، وفي سبيل بقائها نصف هذه المدة، ففتحت بأبنائكم الأوطان وقهرت بهم أعداءها، وحمت بهم وطنها الأصلي، فما رعت لكم جميلا ، ولا كافأتكم بجميل ، بل كانت تنتصر بكم ثم تخذلكم ، وتحيا بأبنائكم ثم تقتلكم كما وقع لكم معها في شهر مايو سنة1945م ، وما كانت قيمة أبنائكم الذين ماتوا في سبيلها وجلبوا لها النصر، إلا أنها نقشت أسماء بعضهم في الأنصاب التذكارية، فهل هذا هو الجزاء؟
طالبتموها بلسان الحق والعدل والقانون والإنسانية ، من أربعين سنة ، بأن ترفق بكم، وتنفس عنكم الخناق قليلا ، فما استجابت ، ثم طالبتموها بأن ترد عليكم بعض حقوقكم الآدمية ، فما رضيت، ثم طالبتموها بحقكم الطبيعي، يقركم عليه كل إنسان ، وهو إرجاع أوقافكم ومعابدكم وجميع متعلقات دينكم ، فأغلقت آذانها في إصرار وعتو، ثم ساومتموها على حقوقكم السياسية بدماء أبنائكم الغالية التي سالت في سبيل نصرها، فعميت عيونها عن هذا الحق، الذي يقرره حتى دستورها، ثم هي في هذه المراحل كلها سائرة في معاملتكم من فظيع إلى أفظع.

أيها الإخوة الجزائريون الأبطال

لم تبق لكم فرنسا شيئا تخافون عليه، أو تدارونها لأجله ، ولم تبق لكم خيطا من الأمل تتعللون به. أتخافون على أعراضكم وقد انتهكتها ؟
أم تخافون على الحرمة وقد استباحتها، لقد تركتكم فقراء تلتمسون قوت اليوم فلا تجدونه؟
أم تخافون على الأرض وخيراتها وقد أصبحتم فيها غرباء حفاة عراة جياعا ، أسعدكم من يعمل فيها رقيقا زراعيا يباع معها ويشترى، وحظكم من خيرات بلادكم النظر بالعين والحسرة في النفس؟ أم تخافون على القصور، وتسعة أعشاركم يأوون إلى الغيران كالحشرات والزواحف؟ أم تخافون على الدين؟ ويا ويلكم من الدين الذي لم تجاهدوا في سبيله، ويا ويل فرنسا من الإسلام، ابتلعت أوقافه وهدمت مساجده ، وأذلت رجاله، واستعبدت أهله ، ومحت آثاره من الأرض، وهي تجهد في محو آثاره من النفوس.
أيها الإخوة المسلمون
إن التراجع معناه الفناء. إن فرنسا لم تبق لكم دينا ولا دنيا، وكل إنسان في هذا الوجود البشري، إنما يعيش لدين ويحيا بدنيا، فإذا فقدهما فبطن الأرض خير له من ظهرها. و إنها سارت بكم من دركة إلى دركة، حتى أصبحت تتحكم في عقائدكم وشعائركم وضمائركم، فالصلاة على هواها لا على هواكم، والحج بيدها لا بأيديكم، والصوم برؤيتها لا برؤيتكم، وقد قرأتم وسمعتم من رجالها المسؤولين عزمها على إحداث ( إسلام جزائري ) ومعناه إسلام ممسوخ، مقطوع الصلة بمنبعه في الشرق وبأهله من الشرقيين. إن الرضى بسلب الأموال، قد ينافي الهمة والرجولة، أما الرضى بسلب الدين والاعتداء عليه فإنه يخالف الدين، والرضى به كفر بالله وتعطيل للقرآن. إنكم في نظر العالم العاقل المنصف لم تثوروا، وإنما أثارتكم فرنسا بظلمها الشنيع وعتوها الباغي، واستعبادها الفظيع لكم قرنا وربع قرن، وامتهانها لشرفكم وكرامتكم، وتعديها المريع على مقدساتكم.
إن أقل القليل مما وقع على رؤوسكم من بلاء الاستعمار الفرنسي يوجب عليكم الثورة عليه من زمان بعيد، ولكنكم صبرتم، ورجوتم من الصخرة أن تلين، فطمعتم في المحال، وقد قمتم الآن قومة المسلم الحر الأبي فنعيذكم بالله وبالإسلام أن تتراجعوا أو تنكصوا على أعقابكم، إن التراجع معناه الفناء الأبدي والذل السرمدي.
إن شريعة فرنسا، أنها تأخذ البريء بذنب المجرم، وأنها تنظر إليكم مسالمين أو ثائرين نظرة واحدة، وهي أنها عدو لكم وأنكم عدو لها، ووالله لو سألتموها ألف سنة لما تغيرت نظريتها العدائية لكم، وهي بذلك مصممة على محوكم ومحو دينكم وعروبتكم وجميع مقوماتكم.
إنكم مع فرنسا في موقف لا خيار فيه، ونهايته الموت، فاختاروا ميتة الشرف على حياة العبودية التي هي شر من الموت.
إنكم كتبتم البسملة بالدماء في صفحة الجهاد الطويلة العريضة، فاملأوها بآيات البطولة التي هي شعاركم في التاريخ، وهي إرث العروبة والإسلام فيكم.
ما كان لمسلم أن يخاف الموت، وهو يعلم أنها كتاب مؤجل، وما كان للمسلم أن يبخل بماله أو مهجته، في سبيل الله والانتصار لدينه، وهو يعلم أنها قربة إلى الله، وما كان له أن يرضى الدنية في دينه إذا رضيها في دنياه. اخلصوا العمل واخلصوا بصائركم في الله، واذكروا دائما وفي جميع أعمالكم، ما دعاكم إليه القرآن من الصبر في سبيل الحق، ومن بذل المهج والأموال في سبيل الدين، واذكروا قبل ذلك كله قول الله: أنفروا خفافا وثقالا و جاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذالكم خير لكم إن كنتم تعلمون التوبة: ٤١، وقول الله : كم من فئة قليلة غلبت فئة كبيرة بإذن الله و الله مع الصابرين البقرة: ٢٤٩.
أيها الإخوة الأحرار
هلموا إلى الكفاح المسلح
إننا كلما ذكرنا ما فعلت فرنسا بالدين الإسلامي في الجزائر، وذكرنا فظائعها في معاملة المسلمين، لا لشىء إلا لأنهم مسلمون، كلما ذكرنا ذلك احتقرنا أنفسنا واحتقرنا المسلمين، وخجلنا من الله أن يرانا ويراهم مقصرين في الجهاد لإعلاء كلمته، وكلما استعرضنا الواجبات وجدنا أوجبها وألزمها في أعناقنا، إنما هو الكفاح المسلح فهو الذي يسقط علينا الواجب، ويدفع عنا وعن ديننا العار، فسيروا على بركة الله، وبعونه وتوفيقه إلى ميدان الكفاح المسلح، فهو السبيل الواحد إلى إحدى الحسنين، إما موت وراءه جنة، وإما حياة وراءها العزة والكرامة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عن مكتب جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بالقاهرة

محمد البشير الإبراهيمي والفضيل الورثلاني

الجمعة، 24 أبريل 2015

سؤال التنوير عند الشيخ الإبراهيمي

باحثون و أكاديميون يستعيدون و يناقشون سيرته و تراثه


مشروع الأبراهيمي التنويري لا زال قائما
في عدد اليوم من «كراس الثقافة»، يستعيد بعض الدكاترة والباحثين والمشتغلين في الحقل النقدي والتاريخي والفلسفي، سيرة العلامة البشير الإبراهيمي، التربوية والإصلاحية والتنويرية. ويقاربون ويحللون بأدوات نقدية تفكيكية، الفكر التنويري للإبراهيمي. كما يتطرقون إلى مشروعه الإصلاحي والتنويري، بأفكار جريئة تحاول أن تقترب من تراثه الفكري والأدبي، ومن نقاط أخرى تضيء حولها وعليها، بكثير من المجادلة والمساءلة.
فكيف يرونه وكيف تجلت أفكاره في مقارباتهم، وماذا عن سؤال التنوير، وهل يمكن أن يكون التنوير فعلا وجوديا يهدف إلي تغيير نظرتنا إلى ذاتنا وإلى العالم؟ وبأية رؤية يمكن استثمار قيم التنوير في واقع مأزوم يعاني الكثير من الأعطاب والأعطال؟ وهل كان التنوير عند الإبراهيمي مُستنبتا من داخل الإنسان؟، وكيف يمكن أن تُسعف رؤية الإبراهيمي التنويرية في أن تدشن أو تضيء الراهن ومشروع التقدم، وما معنى أن يكون الإبراهيمي تنويريا؟.
هذه الأسئلة والإشكالات والمحاور، سيتحدث عنها وبشأنها، في ملف اليوم، عدد من الأكاديميين والدكاترة والباحثين.

استطلاع/ نوّارة لحــــرش

• عبد القادر بوعرفة مؤرخ و أستاذ جامعي - جامعة وهران 2

سؤال التنوير عنده ينطلق من أرضية تحديد مفهوم العقل

كنت نشرت منذ سنتين دراسةً نقديةً حول العقل الإصلاحي الجزائري، حيث اعتمدنا على تحليل وتفكيك نصوص علماء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في مجال العقل والثّورة، ثم إعادة بنائها وفق نسق تراكمي تاريخي، والغرض من ذلك معرفة بنية الخطاب الإصلاحي من خلال القضايا «الثّيمات» الأكثر التصاقا بالواقع والمصير، واكتشاف السؤال الأكثر حضورا وتحريكا وتحفيزا لهواجس الذّات المُغتربة في أرضها بفعل الاستحمار والتبعية.
توصلنا في تلك الدّراسة إلى حقيقة مفادها أن الخطاب الإصلاحي كبنية وكمشروع لم يكن فاشلا ولا ذو نكوص حضاري، بل هو خطاب لم يجد الأرضية الشعبية التي تحتضنه مثلما احتضن الشعب الأوروبي خطاب التنوير، فالنقد لا يجب أن يمس بنية الخطاب فحسب بل كذلك يجب أن ينقد الحاضنة الاجتماعية.
يجب الاعتراف أن أي خطاب فلسفي أو اجتماعي إذا لم يجد الحاضنة الاجتماعية فلا يكتب له النجاح الميداني، بل سيبقى مجرد خطاب حالم. واعتقد أن الخطاب الإصلاحي كان جد متقدم من حيث الحمولة المعرفية وحتى اللغوية عن مستوى الحاضنة الاجتماعية، فالحاضنة الاجتماعية كانت تستقبل مقولات الدروشة والطرقية لكونها تنسجم مع المستوى المعرفي واللغوي لفئات المجتمع الجزائري، بيد أن الخطاب الإصلاحي كانت تنفر منه لعدم قدرتها على استيعابه معرفيا ولغويا.
لم يتم الاقتراب –التآنس- من الخطاب الإصلاحي إلا بعد الحرب العالمية الثانية، ولم تقترب منه إلا بعض الفئات المثقفة، ونقصد بها الفئات التي خرجت من رحم بيوتات العلم والمعرفة، أو تلك الفئة التي صقلتها المشاركة في الحربين العالميتين.
ينطلق سؤال التنوير عند البشير الإبراهيمي من أرضية تحديد مفهوم العقل والتنوير أولا، ولكن قبل أن يُحدد المفهومين السابقين ينطلق من مسألة في غاية الأهمية تتمثل في تحليل ظاهرة الكمال والنقص في الملكة الإنسانية، وهذا ما تبينه بعض كتاباته، مثل: «إن الكمال والنقص وصفان يتعاقبان على الفرد كما يتعاقبان على المجموع. وهذا الإنسان العاقل خلق مستعدا للكمال وقد هيّأ له خالقه الحكيم أسبابه ومكن له وسائله ونصب له في داخل نفسه وخارجها أمثالا يحتذيها لبلوغ الكمال».
يجزم الإبراهيمي أن الكمال المطلق متعذر على الإنسان، وأن الإنسان قد يصل إلى الكمال النسبي لنسبية العقل ونظائره، ومنه يصبح العقل في بنيته أيضا نسبيا وغير كامل: «ومما علمناه من شؤون الاجتماع البشري أن الكمال فيه نسبي إضافي، فما من كمال إلا وفوقه كمال، وأن الكمال في المجموع متوقف على الكمال في الأفراد وأن النقص في المجموع مترتب على النقص في الأفراد، فمتى أخذ الأفراد بأسباب الكمال وسلكوا له وسائله كمل المجموع».
ومما سبق وضع البشير الإبراهيمي العقل الإنساني ضمن ثلاث مستويات وظيفية: عقل تعميري، عقل إصلاحي، عقل أخلاقي. ويقابله العقل التدميري الذي يرفض الفكر الإصلاحي أن يتم تدمير الإنسان وقيمه به سواء كان تدميرا باسم الله والنّص أو كان تدميرا باسم الإنسان والحرية، فالعقل التّدميري ليس فقط ذلك العقل المندس ضمن حنايا الفتوى والتكفير بل هو كذلك ذلك المندس ضمن مقولات الحرية والإباحية.
يتجه العقل الإصلاحي من خلال كتابات الشيخ الإبراهيمي وعبد الحميد ابن باديس نحو التعريف الوظيفي لا نحو التعريف الماهوي، لأن التعريف الماهوي يحاول أن يجعل العقل ملكة مقدسة معصومة، بيد أن التعريف الوظيفي يجعله مجرد أداة مشروطة بقيم الاستخلاف والتعارف.
إن العقل الإصلاحي له من مسوغات الحضور في واقعنا ما للعقل اليوناني من الحظوظ في الفكر الغربي المعاصر لكن المشكلة ليست في ما تبقى اليوم من الفكر الإصلاحي بل المشكلة في طريقة التعامل معه، إذ لابد أن نحوله من مقام التمجيد إلى مقام المساءلة بغية التفكير من خلاله لكي نتقدم معرفيا.

الأربعاء، 22 أبريل 2015

مجلة أبعاد العدد 2


صدر العدد الثاني من مجلة أبعاد، التي يصدرها مخبر الأبعاد القيمية للتحولات السياسية  بالجزائر.
  مدير المجلة: أ.د عبد القادر بوعرفة
رئيس التحرير: أ.د بوشيبة محمد.
أمين المجلة: د. مغربي زين العابدين.

الجمعة، 23 يناير 2015

عملية شارلي " الخلفيات والارتدادات"

عملية شارلي " الخلفيات والارتدادات"
أ.د عبد القادر بوعرفة
تبدو عملية شارلي من اللحظة الأولى من تنفيذ المتطرفين الإسلاموين (بين قوسين)، وخاصة فرع القاعدة. بيد أن التجارب علمتنا بأن الحدث التاريخي له ظاهر وباطن، فالظاهر معلوم بالخبر والمشاهدة، أما الباطن فمعلوم بالتفسير والتعليل، فنحن لا نتهرب من تحمل المسؤولية التاريخية لتبعات العملية، إذ يبدو أن دافع الانتقام واضح وبين، كما أن نية نصرة النبي جلية وحاضرة، وخاصة أن الجريدة الساخرة مست المسلمين في أعز شخص يكنون له الحب والمودة.
وبالرغم من ذلك أسجل الملاحظات الأتية:
1-       كيف نفسر التباين بين السيارة المصورة أثناء العملية والسيارة المحجوزة لدي الشرطة، فالأولى تبدو المرايا بيضاء اللون في حين تبدو في الثانية سوداء.؟
2-       كيف نفسر وجود بطاقة الهوية لأحد الأخوين ...؟؟؟ علما أن العملية تبدو محكمة بل متقنة إلى حد كبير.
3-       كيف نفسر فردة الحذاء الرياضي علما أنها من النوع الذي يفرض الإحكام والشّد؟
4-       كيف نفسر عدم حرص الشرطة القبض عليهما أحياءً دون اللجوء إلى قتلهما كما فعلوا مع مراح؟
       أعتقد شخصيا من خلال قراءة الأحداث أن العملية فعلا من تنفيذ الأخوين كواشي، وأن دافعهما ديني جاء كرد على عنجهية الصحيفة التي لم تراعي شعور المسلمين، ولم تلتزم بأخلاقيات المهنة، وتخطت حدود حرية التعبير التي تكفلها الديمقراطية روحا وقانونا. ومن ناحية أخرى مشاركة فرنسا في التحالف الدولي ضد داعش.
        تُصنف العملية في أبجديات الجهادين ضمن خانة ما قام به محمد بن مسلمة، حين اغتال الشاعر  كعب بن الأشرف، والذي أهدر الرسول دمه نظرا لأشعاره المسيئة للرسول ولسخريته الفظة وتشببه بنساء المسلمين.
     لكنني أعتقد دائما بأن الجماعات المارقة مخترقة في أغلب الأحيان من قبل المخابرات، فالعقل المدبر يقبع خلف الستار، وتحركه المخابرات، وأعتقد بأن المخابرات الإسرائيلية هي أكبر مستفيد من العملية لأسباب الأتية:
1-       اعتراف البرلمان الفرنسي بدولة فلسطين أحرج الصهاينة إحراجا كبيرا، وهم يعلمون بأن عتبة الاعتراف الشكلي بدولة فلسطين هي مسيرة نحو الاعتراف الرسمي بشكل تدريجي.
2-       وجود تحول تاريخي في ذهنية المجتمع المدني الأوروبي حول القضية الفلسطينية، فالجرائم الصهيونية المرتكبة في الأراضي الفلسطينية بينت الوجه القبيح لليهود، وساعد في ذلك الثورة المعلوماتية الرهيبة وتطور أشكال الاتصال.
3-       جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية في أوروبا لا يرى أي ارتباط له مع المسألة اليهودية، فهو جيل لم يشارك في الحرب ولا يتحمل أي تبعات تاريخية. ويعتقد أن اليهود ليس لهم ديَن عليه مثلما كان على أباءهم أو أجدادهم.
   ستكون لعملية شارلي ارتدادات خطيرة على الجالية الإسلامية في أوروبا وأمريكا، وستكون دور العبادة هي الهدف الأول للمتطرفين اليمنين، ثم كل من يحمل شعار إسلامي ما، بل سيتحول العداء إلى كل ما هو شرقي بالمفهوم الغربي.  

   جاءت العملية هدية من ذهب للأحزاب اليمنية، والتي ستجعل منها قضية لتمرير خطابات العنصرية، وتدعو لطرد المهاجرين والمغتربين على السواء، سيعود شعار أوروبا للأوربيين أقوى مما طُرح، وسيعيدون سيناريو " محمد خذ حقيبتك وأرحل" .